كلما تأخَّر إعلامي بوفاة أحد من الأحباب أذكر الأخ الكريم شحاتة هدهد الذي كان حريصًا كل الحرص، دقيقًا في التبليغ؛ وذلك لمعرفته بمدى علاقتنا وارتباطنا فأدعو له بدوام الصحة والعافية.
فبالأمس البعيد بلغني نبأ وفاة المرحوم عباس عبد السميع، وتتوالى الأيام يلحق به الأخ فرج النجار وبالأمس القريب بلغني نبأ وفاة الأخ أحمد رمزي، وللتأخر في التبليغ لم تتح لي فرصة وداعهم أو تشييع جنائزهم، وتعود بي الذكريات وأعيش مع كل واحدٍ منهم في رحاب ذكراه المعطرة بالطيب من القول والعمل فأدعو لهم بالمغفرة وأن يتفضل عليهم ربي بأن يحتسبهم مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
أذكر عباس وقد خطت سياط الظلم والغدر على ظهره ندبًا ونتوءًا ظلت تؤلمه إيلامًا شديدًا لو لامسته. أذكره وقد تمت محاكمة الدفعة الأولى من الإخوان عام 54 فأعدم من أعدم وسجن من سجن وشرد من شرد من البيوتات الكريمة والأسر الفاضلة، وسعى عباس- رحمه الله- لجمع الشتات في محاولة منه لدعم تلك الأسر، وبذل رحمه الله كل جهده ووقته حتى تم القبض عليه وتمت محاكمته بعد أن عُذِّب عذابًا شديدًا ما أبشعه وما أقساه.
كان في السجن مثالاً لسلامة النفس وصفاء القلب وحسن العشرة، رياضيًّا ولاعبًا متميزًا لكرة القدم.
أما أخي فرج فلعلي لم ألتق به إبَّان محنة 54، ولكني أذكر ذلك الرجل العجوز (عم عبد الرءوف- تُربي في الإمام الشافعي)، وكان أن ابنه سيد هاربًا، وكان يظنون أنه كان يؤوي فرج النجار.
كان عم عبد الرءوف التُربي صاحب الخمس وثمانين عامًا يعذب كل يوم في السجن الحربي حتى يدل على ابنه أو على فرج النجار فينكر ويزداد معدل التعذيب فيزداد إنكارًا، ثم يلتفت إلينا قائلاً "أعرف مكانهم ولكن لن أبوح به، ولما يئسوا منه تركوه".
ثم التقيت الحاج فرج بعد أن انتهت المحنة وسمعت منه وعنه تاريخًا جديرًا بالتسجيل وكل التبجيل.
أما أحمد رمزي فقد كان ريحانة السجن التي تنشر عبق ريحها أيما وجدت وأينما حلت راهبًا مع مصحفه الذي حفظه متبتلاً بين يدي ربه خاشعًا، ثم تراه وقد انطلق ينشر السعادة والبهجة في صفاء ويعزف على آلته الموسيقية ألحان الثبات والصبر، كنت أتصل به وقد قطعت يده وأنا أخشى أن أثيره آلامه فإذا به هو الذي يبعث إلي من خلال كلامه رسائل الصبر والجلد ويدعو لنا بالتوفيق والسداد ويحملني تحياته لإخوانه ومحبيه.
كم ساهم في إيجاد وظائف في الشركة التي كان يعمل بها، كم كان حريصًا أن يشاركنا دائمًا آمالنا وآلامنا فماذا يحمل القلم بعد هذا؟.
لا يملك إلا الدعاء لهؤلاء الكرام بالرحمة وأن يجزيهم رب العزة عما قدموه لدينهم ودنياهم، فقد كانوا علامات مضيئة على الطريق.
وأنا أسجل هذه الخاطرة بلغني نبأ وفاة الأستاذ محمد هلال، ذلك القلب الكبير والعقل المتزن والشجاعة في الحق والرأي السديد والذي وهب حياته لدعوته فكان نموذجًا للعطاء المتجرد المتواصل والسعي الدءوب لتقديم كل معارفه وخبراته وعلمه لنصرة دينه.. رحمه الله رحمةً واسعةً وأجزل له العطاء وعوضنا فيه خيرًا.
وأدعو أبنائي الشباب أن يتعرفوا على سير هذه الكتيبة التي أدَّت ما عليها كأحسن ما يكون الأداء من غير صخب أو ضجة بل في صمت وسكون وتجرد.
وأسأل الله أن يلحقنا بهم في الصالحين.
-----------
* عضو مكتب الإرشاد