﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾
إخواني وأحبابي في الله.. منذ الأمس القريب كنا ندعو الله عز وجل أن يبلغنا رمضان، وقد استجاب الله دعاءنا؛ فهل شكرنا هذه النعمة؟! وها نحن قد ودعنا رمضان؛ فهل نودعه وداع الحبيب للحبيب؟ فعلى قدر محبة الحبيب لمحبوبه تكون عبرات الفراق وأشواق انتظار اللقاء من جديد.
هل نحن راضون عن أنفسنا في رمضان؟ هل حققنا في أنفسنا الهدف من الصيام وهو التقوى؟
ما أحوجنا على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع لتقوى الله عز وجل؛ ففيها الحل لجميع المشكلات على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع.
![]() |
|
د. مصطفى شلبي |
فالفرد المقصر في واجباته الفردية مع ربه؛ والذي يشرب المسكرات بجميع أنواعها من مخدرات وخمر، الفرد العاق لوالديه، القاطع لرحمه، والفرد الذي يسرق ويختلس، والذي يعتدي على حقوق غيره من ميراث إخوته، الفرد الظالم لغيره ولزوجته.. ولأولاده.. ولجيرانه.. ولزملائه في العمل، الفرد السلبي الذي يرضى بالظلم الواقع عليه أو على غيره ولا يحرك ساكنًا، الفرد الذي يشارك في تزوير إرادة الشعب كتزوير الانتخابات في أي مستوى أو أي موقع طلابي.. نيابي وتشريعي ومحلي، الفرد الذي يعين الظالمين على ظلمهم، ويزين أفعالهم، ويحسن صورتهم الباطلة بالباطل، وفي المقابل يقوم بتشويه صورة أهل الصلاح والإصلاح والجد؛ كل هؤلاء علاجهم في تقوى الله.. فلو خافوا الله، وعملوا بما أنزل الله واستعدوا للقاء الله؛ لأقلعوا عن كل هذه الممارسات والسلوكيات السلبية السالفة الذكر وغيرها، ولتطهر المجتمع من آثار وأضرار هذه السلوكيات والأفعال.
وعلى مستوى الأسرة؛ فالتفكك الأسري، والمشكلات الأسرية، وكثرة حالات الطلاق حتى أصبحت الجلسة الواحدة من جلسات بعض محاكم الأسرة بها أكثر من خمسمائة قضية ومشكلة أسرية.
عقوق الأبناء للآباء، وعقوق الآباء للأبناء، وقطع الرحم؛ كل هذا علاجه تقوى الله عز وجل، ومن العجيب أن الآيات الثلاث المشهورة التي تجري على ألسنة الكثيرين منا ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق)، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)﴾ (الطلاق)، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)﴾ (الطلاق).
هذه الآيات الثلاث في سورة الطلاق؛ حيث الحديث عن عوامل الاستقرار والسعادة الأسرية.
فالله سبحانه وتعالى يخاطب الزوج (اتق الله في زوجتك)، ويخاطب الزوجة (اتق الله في زوجك)؛ فتقواكم لله في معاملة كل منكما للآخر؛ سيجعل لكما مخرجًا من كل المشكلات في حياتكما، ويرزقكما من حيث لا تحتسبان، وقد يكون الرزق صلاح البال والسعادة التي تفتقدونها... سييسر لكما كل أموركما مهما كانت عسيرة، سيكفر عنكما سيئاتكما، ويغفر لكما ذنوبكما، ويعظم ويضاعف أجركما.
ثم استمع لقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)﴾ (التغابن)، فحين الخلاف والشقاق الأسري يتحول أقرب الأقربين: الزوج، الابن، الزوجة، الأب؛ لألد الأعداء، ويستعد كل واحد لإشهار ما يملك من أسلحة مادية ومعنوية لتشويه الآخر وإيذائه، وإيقاع الضرر به، وهنا يقول لنا الله عز وجل: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ فكيف الحذر يا رب؟! الحذر بالعفو والصفح والمغفرة!!، ولم يجمع الله هذه الثلاث إلا في هذه الآية؛ يعفو كل واحد عن الآخر ويصفح عنه ويغفر له فما النتيجة؟ أن تعود السعادة والحب يرفرفان من جديد في أجواء الأسرة؛ فتستعيد استقرارها وسعادتها.
فالحل للمشكلات الأسرية في تقوى الله عز وجل؛ فالخوف منه، والعمل بما أنزل، والاستعداد للقائه بالعفو والصفح والغفران للناس، وأولى بذلك الأهل والأقارب، فخيركم خيركم لأهله.
وعلى مستوى المجتمع ومشكلاته من اختلاس لأموال الناس، والاستبداد السياسي، والديكتاتورية في الحكم، وتزوير إرادة الشعب بتزوير الانتخابات في جميع مستوياتها؛ سواء في المؤسسات التعليمية أو النقابية والنيابية والتشريعية والمحلية، وموالاة أعداء الأمة على حساب مصالح الشعب من بيع للغاز والبترول لأعداء الأمة؛ كل هذا علاجه تقوى الله.
فما عدل العمران ابن الخطاب وابن عبد العزيز إلا بتقواهما لله، وما عفَّ أفراد الشعب والعاملون بمؤسسات الدولة على عهد عمر إلا بعد أن عفَّ عمر بن الخطاب عن المال العام، واتقى الله، وصدق من قال لعمر (عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا)!!.
وما حمل عمر الدقيق على ظهره لإطعام أطفال يتضورون من الجوع، وحينما سأله غلامه ليحمل الدقيق بدلاً منه، فرد عليه قائلاً: "أتحمل عني وزري يوم القيامة؟!".
وما دفع عمر لتحمل المسئولية عن الإنسان بل الحيوان "لو عقرت بغلة في العراق؛ لسأل عنها عمر لما لم تصلح لها الطريق يا عمر؟".
ما دفعه لذلك إلا تقواه لله وخوفه منه سبحانه!!.
وما دفع عمر لتحقيق العدل بين المحكومين على اختلاف معتقداتهم؛ فيقتص لنصراني من مسلم، بل من حاكم مصر عمرو بن العاص رضي الله عنه، قائلاً قولته الشهيرة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا".. ما دفعه لذلك إلا تقواه لله وخوفه منه سبحانه.
إذًا أعود فأقول: إن الحل لكل مشكلاتنا على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع في تقوى الله.. في الخوف من الله، والعمل بما أنزل الله، من أجل هذا كان صحابة رسول الله يدركون قيمة رمضان، ومدى حاجتهم لرمضان، وكانوا يقسمون العام نصفين؛ نصف يدعون الله عز وجل أن يتقبل منهم رمضان، والنصف الآخر يدعون الله عز وجل بأن يبلغهم رمضان.
إخواني وأحبائي.. ماذا فعل الإيمان الذي كتبه الله في قلوبنا في رمضان؟ ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ﴾ (المجادلة: من الآية 22)، ﴿وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 7).
إن هذا الإيمان لا بد أن يُترجم لسلوكيات في الأفعال والأقوال.
فالإنسان الذي يملأ الإيمان قلبه؛ هو الإنسان الذي لا ينطق لسانه بالفاحشة من القول.. هو الإنسان الذي يتورع عن المال العام.. هو الإنسان المتقن لعمله.. هو الإنسان الذي يسعى لمرضاة ربه بخدمة مجتمعه.. هو الإنسان الصالح الذي يحتاجه العالم اليوم.
فأسأل اللهَ أن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يحبب إلينا الإيمان، ويزينه في قلوبنا وقلوب جميع المسلمين.. آمين آمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
