- د. عمار علي حسن: ضعف فاروق حسني وفريق عمله أجهض فرص الفوز
- عبد الله السناوي: ارتماء النظام المصري في أحضان أعدائه أضعف صورتنا
- محسن راضي: كفانا هرولةً وراء الصهاينة والأمريكان.. والانتخابات عبرة
تحقيق- شيماء جلال:
جولات عصيبة مضت خلال الأيام القليلة الماضية لانتخابات اليونسكو استطاع فيها التحالف الأوروبي- الأمريكي أن ينجح بالتعاون مع اللوبي الصهيوني في هزيمة المرشح المصري فاروق حسني لمنصب مدير عام اليونسكو؛ وكانت النتيجة المعلنة خسارة حسني في الانتخابات خلال الجولة الخامسة بحصوله على ٢٧ صوتًا مقابل ٣١ صوتًا لمنافسته البلغارية أرينا بوكوفا.
النتيجة النهائية للانتخابات أحدثت ردود أفعال متباينة في الوسط المصري، ولكنها أحدثت رد فعلٍ واحدٍ في الوسط الغربي والصهيوني ألا وهو الفرحة والسعادة الغامرة بسقوط المرشح المصري في سباق انتخابات اليونسكو؛ حيث احتفلت وسائل الإعلام الصهيونية بعد خسارة وزير الثقافة المصري فاروق حسني في انتخابات المدير العام لليونسكو.
وفور ظهور النتيجة هنَّأت وزارة الخارجية الصهيونية الوزيرة البلغارية بوكوفا على فوزها بالمنصب، وقالت الوزارة في بيان لها: إن "الكيان الصهيوني يرحب بهذا الانتخاب، وإنه على يقين بأن تعاونها المثمر مع اليونسكو سيستمر بل سيتعزز".
وسارعت وزارة الخارجية الفرنسية إلى الترحيب بانتخاب بوكوفا على رأس اليونسكو، وقالت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان: "للمرة الأولى تتسلم امرأة مقاليد هذه المنظمة الدولية المهمة، للمرة الأولى أيضًا يتم اختيار مرشحة من بلد في أوروبا الوسطى هو بلغاريا لتولي هذا المنصب الأساسي".
فاروق حسني أصيب بخيبة أمل بعد الخسارة

وكان وزير الثقافة فاروق حسني قد أكد في تصريحاتٍ له قبيل بدء الجولة الخامسة والأخيرة للانتخابات مساء الثلاثاء أن هناك تكتلات تعمل بسرعة شديدة في الانتخابات الحالية على منصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).
وأمام ذلك المشهد يطرح السؤال نفسه حول ما هي الأسباب التي دفعت بإلحاق الخسارة بالوزير المصري على الرغم من التنازلات التي قدمها؟ وهل نجحت تكتلات القوى السياسية الغربية في تقديم ضربة قاسمة لمصر؟ أم كان هناك سوء اختيار في الأساس لاختيار المرشح نفسه؟
(إخوان أون لاين) طرح هذه التساؤلات في محاولةٍ للإجابة عليها في التحقيق التالي:
الخبراء والمتخصصون أجمعوا على أن السبب الذي يكمن وراء خسارة وزير الثقافة المصري للفوز بمنصب مدير عام اليونسكو هو أن اليونسكو لأول مرة في تاريخه يتم تسييسه؛ وتتكاتف التكتلات الغربية ضد المرشح المصري بل العربي لتبرز للجميع صورة المجتمع المصري المطأطأ الرأس الذي قدم العديد من التنازلات للغرب والكيان الصهيوني ولكنها لم تفلح.
بدايةً يصف الدكتور عمار علي حسن مدير مركز دراسات الشرق الأوسط النتيجة التي آلت لها انتخابات اليونسكو بأنها جاءت مخيبةً للآمال قائلاً "أيًّا كان الأداء الذي قام به الوزير المصري في جولات معركة اليونسكو فإن التاريخ لن يحفر سوى اسم بوكوفا في سجل اليونسكو، ليبقى للعرب هامش صغير لتقييم التجربة الثانية لإخفاقهم بعد فشل السعودي غازي القصيبي في الانتخابات التي جرت عام 2000م وانتهت لحساب الياباني أويشيرو ماتسورا، وأظن أن أي تقييم موضوعي يجب أن يذهب مباشرةً إلى أسباب الإخفاق، ثم ينظر في سبل علاجها، حتى يمكن للعرب أن يحوزوا هذا المنصب في المستقبل".
ضعف المرشح
د. عمار علي حسن
وفيما يتعلق بأداء الوزير المصري خلال انتخابات اليونسكو يقول د. عمار إن أداءه لم يكن على المستوى المطلوب بعد أن وضعت مصر كل إمكانياتها المادية والمعنوية في خدمته؛ ولكن النتيجة أبرزت لنا أن حسني لم يكن بارعًا في الإجابة على الأسئلة التي وجهت إليه عقب إلقائه كلمة باللغة الفرنسية في مستهل السباق؛ حيث ظهرت الفجوة بين خطاب مكتوب يتسم بالتماسك والقوة في شكله ومضمونه وبين كلام شفاهي لم يقنع الكثيرين ممن لهم حق التصويت وبدا للجميع أن صاحب الخبرة العريضة في إدارة وزارة ثقافة في بلده كان عليه أن يعرف أكثر عن إدارة منظمة دولية كبيرة مثل اليونسكو وهذا ما اتضح مع منافسته البلغارية التي عملت سفيرة لبلادها ثم مفوضًا فوق العادة بالمجلس التنفيذي لهذه المنظمة الدولية، علاوةً على خبرتها الدبلوماسية العريضة التي اكتسبتها من عملها ممثلة للرئيس البلغاري لدى مجموعة الدول الأوروبية والإفريقية الناطقة بالفرنسية.

ويجمل د. عمار ثلاثة أسباب يرى أنها من أهم العوامل التي تتعلق بخسارة المرشح المصري لمنصب اليونسكو أولها تتعلق بمدى التوفيق في ترشيح فاروق حسني نفسه، والجدل الذي أُثير على مدار عام كامل حول مواقفه وتصريحاته وتصرفاته؛ والثانية تخص أداء الرجل وفريق عمله في أيام المعركة، أما الثالثة فتتمثل في التحركات الدولية المضادة التي استهدفت حصاره توطيدًا للإجهاز على فرصه المتاحة.
ويشير د. عمار إلى أنه لا يمكن إهمال دور التحركات الدولية المضادة في إسقاط الوزير المصري، موضحًا أنها كانت بارزة إلى درجة أن يضعها البعض في مقدمة الأسباب التي أدَّت إلى تلك الهزيمة؛ فالخصومة التي قامت بين حسني، وتل أبيب منذ أن تفوه بتصريحٍ لم يقصد معانيه ومراميه عن حرق الكتب الصهيونية استمرت حتى اللحظة الأخيرة، رغم اعتذار وزير الثقافة، وتوضيحه لموقفه، ثم استضافته الموسيقار الصهيوني دانييل برينباوم ليعزف بدار الأوبرا المصرية بعد أن حشد له المئات من المثقفين المصريين؛ فالحقيقة أن "الصهيونية" استغلت كل إمكانياتها في إفشال رغبة العرب في الظفر بإدارة اليونسكو، وأخذت معها كالعادة الإدارة الأمريكية التي حاربت حسني جهارًا نهارًا، إلى درجة التهديد بتجميد إسهامها المالي في ميزانية المنظمة، وتذكير الجميع بانسحابها من المنظمة لمدة 19 عامًا؛ احتجاجًا على انتقاد مدير اليونسكو الأسبق مختار أومبو للكيان الصهيوني.
وأردف د. عمار في قوله، موضحًا أنه كان من الممكن ألا تؤتي الضغوط الأمريكية ثمارها لو كان المحافظون الجدد هم الذين يمسكون بمقاليد الأمور بالبيت الأبيض، لا سيما بعد أن أبدت العديد من الدول العربية استعدادها لتقديم الأموال اللازمة لسد أي عجزٍ يترتب على انسحاب واشنطن أو تجميد مساهمتها المالية؛ ولكن المثير أن الضغوط الأمريكية لم تقابل بعنادٍ على غرار ما جرى من قبل في انتخابات مؤسسات وهيئات دولية سابقة وقت أن كان جورج بوش هو الذي يحكم.
واختتم د. عمار كلامه، مشيرًا إلى أن التكتل الأوروبي جاء زاحفًا ومدعمًا وراء المرشحة البلغارية بعد أن انسحبت النمساوية بينيتا فيريرو فالدنر من السباق لصالح الأولى وحرصًا على "التوحد الأوروبي" ليبدد آمال الوزير المصري فاروق حسني الذي أعلن "إذا لم أفز من الجولة الأولى فلن أفوز أبدًا".
تسييس اليونسكو
عبد الله السناوي
ومن جانبه يوضح عبد الله السناوي رئيس تحرير جريدة (العربي) الناصري أن معركة اليونسكو تم تسييسها بشكلٍ صريحٍ وعلني مستترًا تحت شعار معًا ضد المعاديين للسامية كما يرون هم.

وأضاف السناوي أنه على الرغم مما أقدم عليه الوزير المصري من تقديم تنازلات سواء بالاعتذار للكيان الصهيوني عما صدر عنه من تصريحاتٍ تتعلق بحرق الكتب الصهيونية أو استضافة المايسترو الصهيوني بدار الأوبرا المصرية لم يغفر له اللوبي الصهيوني على الإطلاق هذا العمل، ووصفوه بأنه مناهضٌ للتطبيع؛ فضلاً عن أن الغرب والكيان الصهيوني استمروا طوال المعركة الانتخابية يرفعون شعار "الوزير الذي يهدد بحرق الصحف والكتب الصهيونية"، بالإضافةِ إلى تسخير اللوبي الصهيوني لعددٍ من الأقلام والصحف الغربية من أجل النيل من الوزير المصري وتشويه صورته، ولعل ذلك اتضح من خلال سيطرتهم على صحيفة (اللوموند) الفرنسية التي منعت عددًا من الكتاب المحايدين من الكتابة خشيةً من أن يكتبوا لصالح الوزير المصري فاروق حسني، فضلاً عن الرشاوى التي قدَّمتها الدول الغربية الكبرى لمنع وصول المرشح المصري من منصب اليونسكو.
وألمح السناوي أن نتيجة انتخابات اليونسكو لهذا العام كشفت النقاب عن حرب اللوبي الصهيوني وكم العداء الذي يضمره للعرب والمسلمين؛ ولعل ما أقدم عليه الغرب من عنصرية وتعسفية أسقط عنهم الشعارات التي طالما كانوا يتشدقون بها عن التسامح والديمقراطية وظهر الوجه الحقيقي للغرب المستبد.
وعن طريقة النظام المصري في إدارة حملة الدعاية للوزير المصري في انتخابات اليونسكو استنكر السناوي الأداء المصري في إدارة تلك الحملة، واصفًا إياها بأنها كانت حملة ذات مستوى متدنٍ من التنازلات حاول فيها النظام المصري كسب معارضيه لكنه لم يفلح حتى إن طلب الرئيس المصري من رئيس الحكومة الصهيونية نتنياهو فيما يخص تخفيف الحملة ضد الوزير فاروق حسني لم يلق قبولاً؛ مشيرًا إلى أننا جعلنا من الغرب حكمًا، ولكنه لم يكن سوى خصم، ولكن النظام المصري لم يفق ويدرك ذلك.
أحضان العدو
وأبدى السناوي دهشته من أن تكون الدول الصديقة من مصر وذات العلاقات الشخصية تعمدت إسقاط المرشح المصري. ملمحًا، إن دل ذلك الأمر على شيء فإن من شأنه أن يدل على أن الاتفاقات المصرية مع الدول الصديقة لم تكن على المستوى المطلوب، وأن النظام المصري أخطأ حينما ارتمى في أحضان اللوبي الصهيوني والغربي وبنتيجة الانتخابات برزت صورتنا، وكأننا أدوات في يد الغرب مما يعكس لنا أن الوزن السياسي للنظام المصري أصبح ضعيفًا رغم القرار الجماعي العربي والإفريقي المتخذ بشأن التأييد الكامل للمرشح المصري، ولكن إفريقيا نفسها ظهرت متنصلةً من تأييد الوزير المصري؛ ولعل ذلك الأمر يعد رسالةً للرأي العام المصري لكي يستيقظوا من غفوتهم ويدركوا أن الغرب والكيان الصهيوني لا هو حليف ولا إستراتيجي، وأن النظام المصري هو الخاسر الوحيد في البداية، وحتى النهاية في تلك الجولة.
تعصب الغرب
الدكتور أكرم بدر الدين أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة يرى أن نتيجة انتخابات جولات اليونسكو أظهرت نوعًا من التعسف الغربي، موضحًا أنهم كانوا يريدون الحائز على منصب مدير عام اليونسكو أن يكون منتميًا للغرب؛ يأتي ذلك على الرغم من التقدم الذي شهدته أولى جولات الوزير المصري أمام خصومه، ولكن جاءت الجولة الأخيرة لتعكس كم التعصب في مؤسسة اليونسكو المشهود له بالحيادية والديمقراطية.
وعن أسباب إخفاق الوزير المصري أرجع د. بدر الدين ذلك الأمر إلى وجود نوع من التعصب والتسييس ضد مرشح ينتمي إلى دول الجنوب، بالإضافة إلى وجود التكتيكات الانتخابية التي تم اتباعها خلال عملية التصويت، مشيرًا إلى أن المرشح المصري قد أبلى بلاءً حسنًا في مختلف الجولات الانتخابية، قائلاً: "ظني أنه كان أفضل ما لدى النظام المصري لكي يرشحه في انتخابات اليونسكو".
لملمة الأوراق
محسن راضي

"النظام المصري يحتاج ليلملم أوراقه ويعيد النظر في التعامل مع الإدارة الأمريكية والعدو الصهيوني، خاصةً بعد التآمر الصريح الذي تم مؤخرًا في انتخابات اليونسكو"، بهذه الكلمات استهل النائب محسن راضي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الثقافة والإعلام حديثه حول ما جري مؤخرًا بعد خسارة المرشح المصري فاروق حسني للفوز بمنصب مدير عام اليونسكو في ظل الفشل الذريع الذي لحق بمصر والنظام المصري أمام العالم أجمع.
وأكد راضي أن الانتخابات الأخيرة كشفت عن العداء الصهيوني الأمريكي الصريح لمصر وعدم رغبتهم في أن يكون للمصريين دور في المنتديات والفعاليات الدولية، موضحًا أن الممارسة الديمقراطية التي تغنت بها الإدارة الأمريكية والخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي باراك أوباما فقد أهميته ومصداقيته.
ودلل راضي على ذلك بما أقدمت عليه التحالفات الغربية من إرهاب مارسته من أجل الضغط على الدول الأعضاء باليونسكو من أجل إحباط كل سبل التي تساعد على وصول المرشح المصري لمنصب اليونسكو، فضلاً عن أنهم هددوا إنه في حال وصوله للمنصب سيتم تجميد عمل المنظمة وستحجب الأموال عنها.
وأضاف راضي: "لا بد أن يكون المرشح لمنصب اليونسكو ممثلاً لجموع المصريين ويعبر عن كافة شرائح الوطن، إلا أن النظام أبي ذلك وانفرد بقرار اختيار المرشح؛ حيث أدار الحملة بطريقة خاطئة جعلت النظام يخسر بأكمله وليس المرشح المصري فحسب، ولعل ذلك يدفعنا لرسالة مهمة للنظام المصري؛ وهو أن هرولة فاروق حسني خلف الصهاينة والأمريكان أكدت أن التنازلات التي قدمها لم تفلح معهم، وأن الهرولة وراءهم تحتاج لمراجعة".