ها هو رمضان انقضى وها هو العيد أقبل ومن قبله مرت أعياد وأعياد.
ولكن العيد الحقيقي الذي ينبغي أن تبتسم له الشفاة، وأن تفرح به القلوب، وأن تنشرح به الصدور، وأن تعلن الأمة به الفرحة الكبرى؛ هو العيد الذي ينتصر فيه المسلمون انتصارًا حقيقيًّا، حين تعلو كلمة الإيمان، حين ترتفع راية القرآن، حين تحكم شريعة الإسلام، حين تتحرر أرض الإسلام، حينما يصبح المسلمون سادة أنفسهم، حينما يصبح أمرهم بأيديهم، ولا يكونون كما قال الشاعر:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود!
العيد الذي ننتظره هو العيد الذي يصبح المسلمون فيه أحرارًا سادةً.. أصحاب قرارهم.. قادرين على الدفاع عن حرماتهم، على الذود عن حماهم.. لا يُهتك لهم عرض.. لا يُسفَك لهم دم.. لا يُهدَم لهم مسجد.. لا يدمَّر لهم منزل..
حينما يأتي هذا اليوم سوف أقول لكم: إخوتي وأحبتي.. كل عيد وأنتم بخير!!
أما أعيادنا اليوم.. فليست أعيادًا، إنها أعياد لا طعم لها..لا معنى لها.
عيد ولا فرحة في الأعماق!!
كيف نعيِّد؟ وكيف نفرح؟ وكيف نضحك؟كيف يمتلئ تلفازنا ببرامج مسلية مفرحة أو غير مفرحة؟! نافعة أو غير نافعة، وإخواننا المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يقتَّلون.. يشرَّدون.. تُنتهك حرماتهم؟!
هل نسيتم شهيدة الحجاب فى ألمانيا؟! هل غضضتم الطرف عما يحدث للمسلمين في الصين من إبادة جماعية؟! والعراق.. وما أدراك ما العراق وما يحدث للمسلمين هناك؟! وأقصانا الأسير تحت أيدي اليهود يتحكمون فيه، ويفعلون أفاعيلهم ليهدموه ويُقيموا معبدهم على أنقاضه..فبالله عليكم كيف لأمتنا أن تفرح بالعيد وهذا حالنا؟
أنفرح وشرعة الإسلام غائبة عن واقع الناس وحياتهم في شرق الأرض وغربها؟! والقرآن ما أنزل الا ليكون منهجًا ودستورًا للحياة، يطبقه العباد، فتنتظم حياتهم ويسعدوا!!.
قديمًا قال أبو الطيب المتنبي:
عيد.. بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟
أما الأحبة فالبيداء دونهمو فليت دونك بيدًا دونها بيد
كان أبو الطيب يشكو الغربة.. الغربة عن الأهل والوطن، يشكو فراق الأحبة، فليتنا نشكو مثل هذا.. إننا نشكو ما هو أوجع وأشدُّ إيلاما.. نشكو مآسي حلَّت بأمتنا فأخرت مسيرتها ومزقت صفوفها وحكمت فيها أعداؤها.. لو كانت مصيبتنا "بُعد الأحبة" لهان الأمر.
أحزان وراء أحزان، وهموم وراء هموم.. نستشعرها كل يوم، ومصائب نستيقظ وننام عليها.. فتعودناها!!! وهذه مصيبة أخرى أضيفت إلى مصائبنا.
فماذا نصنع؟! ماذا نصنع يا أمة المليار ونصف المليار مسلم؟!
مئات الملايين ولكنها لا تفعل شيئًا يُذكر..
الأمة التي بوأها الله مكانة الشهادة على الناس، والتي جعلها خير أمة أخرجت للناس، أمة محمد، أمة القرآن، أمة القيادة والريادة!! ما الذي جرى لها؟...عندها وسائل القوة، عندها مقومات السيادة: عندها القدرة البشرية.. عندها القدرة الاقتصادية، "معظم منابع البترول.. المعادن.. الزراعة".. عندها المواريث الحضارية.. عندها القوة الروحية؛ لأنها مهبط أعظم رسالات البشر.. رسالة الإسلام الخالدة.. ولكنها.. وآاسفاه.. لم تشكر نعمة الله على هذا، لم تستفد من هذه الطاقات وهذه القوى.. تركت الإسلام، تركت مصدر عزها ومجدها..فتحكَّم فيها غيرها، ولا قيام لهذه الأمة.. ولا عز لها.. ولا انتصار لها.. ولا وحدة لها.. ولا سيادة لها، إلا بالاستمساك بعرى الإسلام.
حينما تتمسك بالإسلام سيعزها الله، إذا نصرت دين الله وأعزته نصرها الله وأعزها.. (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ) (محمد:7).. (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِيْ يَنْصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون) (آل عمران:160).
أخوتي.. أخواتي.. هل مقصدي أن نحزن ونبكي ونحن مقبلون على عيد الفطر بعد تمام عبادة الصيام؟ لا وألف لا.. وكيف يقصد الداعية ذلك؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرنا ويبشرنا بل ويأمرنا أن نفرح: "للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (متفق عليه من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري).
نفرح كل مغرب شمس حين نفطر ونقول "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله".. فرحة طبيعية فقد أبيح لنا ما كان محرمًا علينا قبل الإفطار.. وفرحة دينية؛ لأن الله قد وفقنا إلى أداء واجبنا نحو ربنا.. (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس: 58).
ونفرح بعد انقضاء رمضان بما وفقنا الله فيه من الصيام والقيام وصالح الأعمال فنقول: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ) (الأعراف: 43).
هذه هي فرحتنا.. فرحة بالتوفيق إلى الطاعة..
نفرح في هذا العيد لإقبال الناس وخاصة الشباب على ربهم.
نفرح عندما تعمر المساجد ويعود الناس إلى دينهم.
نفرح بالشباب التائب الذي كان رمضان هو مولده.. الحقيقي..
وإذا كنا نفرح بعودتنا إلى الله فالله سبحانه أفرح منا بعودتنا إليه.. ففي حديث أنس بن مالك عند الشيخين: "
لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح".. وهذه رواية مسلم.
أما الفرحة الكبرى.. فرحتنا بانتصار الإسلام.. فقد أجلناها إلى حين.. (وَيَقُوْلُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيْبًا).
إذن ماذا يجب علينا الآن ونحن نودع رمضان؟!
وقفات في وداع رمضان
الوقفة الأولى: الحذر من العجب بالطاعة
إذا كنت ممن وفقه الله للصيام والقيام إيمانًا واحتسابًا فقف وقفة فرح بفضل الله.. بتوفيق الله عز وجل.. واسأل الله أن يتقبل منك وإياك من العجب بنفسك.. إياك من الغرور.. فأنت لا تدري أقبلت منك الطاعة أم لا؟! "فربما فتح الله لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قدر عليك المعصية فكانت سببًا في الوصول.. معصية أورثت ذلاًّ وانكسارًا، خيرُ من طاعة أورثت عجبًا واستكبارًا".
من يدريك يا مسكين أن هذا قد قبل منك؟! (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِيْنَ) (المائدة: 27) فمن يدريني أنني منهم؟!
كن خائفًا.. كن على حذر، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "والله لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى رجلي في الجنة"، والمؤمن هكذا دائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، بين خوف ورجاء مهما قدم من عمل.
الوقفة الثانية: كن ربانيًّا ولا تكن رمضانيًّا
من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، هي وقفة المتابعة والاستمرار والثبات على ما وفقك الله إليه من الطاعة بعد رمضان.. لقد أعطاك رمضان زادًا ينفعك طوال العام فاستفد منه، ولا تكن كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا فترجع إلى المعاصي بعد أن ذقت نعمة الطاعة!! فبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، وهذه من علامات عدم قبول العمل والعياذ بالله، ومن علامات قبول الحسنة أن توفق لحسنة بعدها كما قال تعالى: (وَالَّذِيْنَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: 17).
ومن علامات العقوبة على السيئة أن تعمل سيئة بعدها، فلا ترُغ روغان الثعالب.. تعبد الله في شهر دون شهر، أو في مكان دون آخر، أو مع قوم دون آخرين!! بل رب رمضان هو رب رجب وشعبان، وبقية الشهور.. (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِيْنُ).
الوقفة الثالثة: صيام ستة من شوال
لذا شرع لنا أن نتبع رمضان بصيام ستًّا من شوال؛ لاستمرار الطاعة بعد رمضان، فقال صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان، ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر" (رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي أيوب رضي الله عنه)
فأوصيك أخي الحبيب بصيام ستٍّ من شوال؛ اتباعًا لسنة نبيك صلي الله عليه وسلم، وتحقيقًا لمعنى الثبات على الطاعة.
الوقفة الرابعة والأخيرة: أسئلة للنفس
هل استفدت من رمضان؟! هل حققت التقوى؟! وهل ستخرج من رمضان بشهادة المتقين؟! هل ربيت نفسك على جهاد النفس والشهوات وانتصرت عليها أم غلبتك العادات والتقاليد السيئة؟! هل سعيت إلى العمل بأسباب الرحمة والمغفرة والعتق من النار؟!
وبكل وضوح وإيجاز.. أسألك.. هل تغيَّرت إلى الأحسن والأفضل؟ أم تراك كما كنت.. فمتى إذن.. أخي الحبيب إن لم يكن... الآآآآآآآآآآآآآن.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.