لأهمية القرآن الكريم في حياة الأمة المسلمة، أن الله تعالى أمر نبيه والأمة بالتمسك به؛ لأن فيه عز الأمة وشرفها ومجدها وسؤددها ونصرها، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)﴾ (الزخرف).

 

فما زالت الأمة قوية الجانب مهابة من الأعداء، ما دامت متمسكة بالقرآن الكريم وهدى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي" (1).

 

(1) القرآن كتاب هداية:

قال تعالى في مطلع سورة البقرة: ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)﴾ (البقرة).

وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: من الآية 9).

 الصورة غير متاحة

د. أحمد عبد الهادي شاهين حمودة

 

فالقرآن يهدي الحائر والضال، ويهدي إلى الطريق الأقوم، وإلى صراط الله المستقيم، ويأخذ بأيدي الناس إلى مرضاة الخالق، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

 

إن البشرية في الحياة الدنيا تريد أن تصل إلى الجنة، ولا بد لها من دليل ليأخذ بيدها إلى طريقها، ودليلها هو كتاب الله-عز وجل- قال تعالى ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾ (طه).

 

فالقرآن يهدي الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والعالم كله إلى الطريق الأقوم، ويقود سفينة البشرية إلى شاطئ الأمان وبر السلامة، بدلاً من تخبطها في المناهج الأرضية والقوانين الوضعية والفلسفات البشرية.

 

(2) القرآن كتاب نور:

قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم: من الآية 1).
فالقرآن كتاب نور يضيء القلوب والنفوس، ويضيء المساجد والحياة، فهو كشبكة الكهرباء التي تمد المجتمع بالكهرباء لتضاء المصابيح، في البيوت والشوارع، فإذا أردنا لمصابيح النفوس أن تضيء (وهي القلوب) فلا بد أن تتصل بأنوار التنزيل.

قرآننا نور يضيء طريقنا     قرآننا نار على من يعتد

فهو نور لمن يطلب الهداية والرشاد، ونار على كل معتد أثيم.

 

إن أصعب شيء على الإنسان أن يعيش في الظلام، وبين يديه كشاف للإضاءة، ولكنه لا يريد أن تمتد يده إليه، وإذا امتدت فلا يحسن استخدامه، أو الاستفادة منه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (النور: من الآية 40).

 

(3) القرآن كتاب حياة:

قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: من الآية 122).

 

ومن الأمثلة المعاصرة التي تدل على أن القرآن يحيي الأمة من موات، ويبعث فيها الحياة، معركة العاشر من رمضان، ففي هذه المعركة، عادت الأمة كلها إلى الله عز وجل، القادة والجند والشعب؛ حيث كان المسلمون في مساجدهم يجأرون إلى الله بالدعاء في صلواتهم، وخاصة صلاة القيام، وكان الجنود والضباط يرفعون أصواتهم بالتكبير، وهم في ميدان المعركة، فلاحت بوادر النصر، قبل العصر؛ لأن منزل هذا النصر ومدبره إنما هو الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران).

 

وقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: من الآية 17).

وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ (173)﴾ (الصافات).

 

(4) القرآن شفاء لما في الصدور:

قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا (82)﴾ (الإسراء).

 

فالقرآن شفاء لأمراض النفس وأمراض الفرد والمجتمع قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (الأنعام: من الآية 125).

 

ما وجدنا قارئًا للقرآن الكريم وقد أصيب بمرض نفسي، يشعره بالضيق أو التبرم من الحياة، ذلك لأن القرآن يشرح الله به الصدر، ويطمئن به القلب، ويضيء به النفس، ويكسب القارئ إيمانًا قويًّا يعصمه من الضعف والانهيار.

 

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (من واظب على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في طعامه وشرابه ويقظته ومنامه، لم يصبه مرض إلا مرض الموت، أو مرض كتبه الله عليه) (2).

 

فمن اتبع تعاليم القرآن والسنة حفظه الله من الأمراض، وحفظ له أعضاءه سليمة، ومتعه الله بالعافية وشعر بسعادة في نفسه.

 

(5) القرآن ضمنه الله- عز وجل- حلاًّ لجميع مشكلاتنا:

قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية 89).

وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ (الأنعام: من الآية 38).

 

فلقد استوعب القرآن الكريم الحياة طولاً وعرضًا وعمقًا، فما من مشكلة إلا ونجد لها حلاًّ في القرآن الكريم، أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومصادر التشريع الإسلامي التي استنبطها العلماء في ضوء المرجعية العليا من القرآن والسنة؛ حتى إن الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: (لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله عز وجل).

 

فليس في الوجود كله كتاب يحوي هذه الخصائص وتلك المزايا؛ حتى يضع لجميع المشكلات حلاًّ جذريًّا مثل القرآن الكريم، بل في ظل تطبيق أحكامه وتعاليمه لا توجد مشكلة أصلاً، فيا ليت قومي يعلمون قيمة هذا الكتاب ومنزلته ومكانته فهو أقوى سلاح، وأمضى سلاح، فإذا أخذت به أمتنا قادها إلى الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.

 

فالقرآن هو كتاب الله الخالد، ومعجزته الباقية إلى قيام الساعة، وكفى أن الله تعالى أوكل حفظه إلى نفسه- سبحانه وتعالى- فلم يدخله تغيير أو تبديل، أو يصيبه نقص وتحريف.

قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر).

 

واجبنا نحو القرآن الكريم

الواجب الأول: الإيمان القوي بأن صلاح الأمة في اتباع القرآن والسنة:

إن أول واجب يجب على كل مسلم نحو القرآن الكريم هو أن يؤمن به إيمانًا قويًّا من قلبه، عميقًا من نفسه، تزول الجبال الرواسي ولا يتزعزع هذا الإيمان من قلبه قيد أنملة، إن صلاح الأمة في اتباع القرآن والسنة، وقد أعلنها سيدنا عمر بن الخطاب قديمًا حين قال: (إن الله أعزنا بالاسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله)(3).

 

وفي صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين"(4).

 

إنه يرفع من آمن به، ويضع من أعرض وصد عنه، لقد رفع الصحابة حينما أقبلوا عليه، وخفض المشركين حينما أعرضوا عنه.

 

الواجب الثاني: قراءته وتلاوته:

أن نتخذ هذا القرآن أنيسًا لنا في مجالسنا ومساجدنا وبيوتنا، فلا يمر يوم من أيام حياتنا إلا ونتصل بالقرآن الكريم تلاوة وقراءة، قال تعالى: ﴿وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (المزمل: من الآية 4)، وقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ﴾ (العنكبوت: من الآية 45).

 

وفي صحيح مسلم يقول صلى الله عليه وسلم: "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه"(5).

 

وفي الترمذي بسند حسن صحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها"(6).

 

وفي الترمذي قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب"(7).

 

فمن منا يرضى لنفسه أن يكون صدره كالبيت الخرب، الذي تعشش فيه الحيوانات الضالة، وشياطين الجن، إنه خراب وظلام حينما يكون خاليًا من القرآن.

 

الواجب الثالث: التدبر لآي القرآن الكريم:

قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (82)﴾ (النساء).

 

فالتدبر لآي القرآن الكريم يعين على الفهم والتفطن لمقاصد الله- عز وجل- حتى عي العقول والقلوب عن الحق تبارك وتعالى مراده، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (29)﴾ (ص).

 

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)﴾ (الزمر).

 

الواجب الرابع: العمل بالقرآن الكريم على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع:

هناك آيات تخاطب الفرد، وآيات تخاطب الأسرة، وآيات تخاطب المجتمع، فكل مطالب حسب مسئوليته، فالفرد غير المتزوج مطالب بتطبيق القرآن على نفسه في الفرائض والعبادات ومعرفة الحلال والحرام، والتخلق بأخلاق القرآن، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13)﴾ (الإسراء). وقال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)﴾ (مريم).

 

وهناك آيات تخاطب الأسرة من خلال ولي أمر الأسرة؛ حيث إنه هو المسئول عنها قال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالزوج راعٍ ومسئول عن رعيته"، فعلى الزوج تقع المسئولية الكبرى تجاه زوجته وأولاده قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: من الآية 6).

 

إن أكبر خسارة يحققها الإنسان يوم القيامة أن يخسر نفسه وأسرته قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الزمر: من الآية 15).

 

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل القرآن.

------------------

1- الحديث أخرجه الإمام مسلم في الحج (1218).

2- انظر زاد المعاد في هدي خير العباد.

3- الحاكم في المستدرك 3/ 82.

4- الحديث أخرجه الإمام مسلم في صلاة المسافرين (817).

5- الحديث أخرجه الإمام مسلم في المسافرين (804).

6- الحديث أخرجه الإمام الترمذي في فضائل القرآن (2914).

7- الحديث أخرجه الإمام الترمذي في فضائل القرآن (2913).

----------

* أستاذ الدعوة والأديان المساعد بكلية أصول الدين والدعوة.