دروس الحج التربوية:
فريضة الحج مرة واحدة في العمر، يجب أن تلفت النظر إلى أن شحنة دروسه وعبره التربوية تكفل أن يشحن بها العبد المؤمن قلبه، فيدوم معه أثرها بقية عمره؛ مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يرجع كيوم ولدته أمه" (رواه البخاري)، وكأنه بعدها يفتح صفحة جديدة بعد غسيل كل الذنوب، ولكل من حضر عرفة؛ حتى يولول الشيطان ويصرخ من كثرة من يغفر له، وما يغفر بفضل الله ورحمته، ولنبدأ الحديث عن الحج بسورة الحج؛ حيث إن درسها هو الدرس الأول لمن أراد أن يتربى على مائدة القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)﴾ (الحج).
حديث يزلزل القلوب عن الساعة، وأهوالها، افتتاحه لسورة الحج واضح لكل ذي عينين وقلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أن أوجه الشبه بين مشاهد الحج ومشاهد القيامة كثيرة: أولها إعداد الكفن، وثانيها ترك الدنيا وراء الظهر، وثالثها حشد بشري هائل لكل مسلمي الدنيا شرفهم الله بحج بيته الحرام في صعيد واحد، كأنه يوم الحشر، يخرجون بأكفانهم من الأحداث، فإذا ما عادوا بعد أداء هذه الشعيرة على ملة إبراهيم وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ كانوا كمن منحهم الله وقتًا إضافيًّا في عمرهم، وصفحات بيضاء جديدة بعد إلغاء إجاباتهم الخاطئة في الامتحان السابق؛ فيسطرون فيها أعمالاً صالحةً، على نحو ما ذاقوا من حلاوة الإيمان وصفاء الطاعات ونورها.
لا بد من التنبيه على أن اشتراط المال الحلال، والراحلة الحلال، والغذاء الحلال والملبس الحلال لقبول الحج، كما قال رسول صلى الله عليه وسلم: "يقال له لبيك وسعديك" على عكس تلبية من ماله حرام، وراحلته حرام، ومطعمه حرام، يقال له: "لا لبيك ولا سعديك" (رواه الهيثمي في مجمع الزوائد، والسيوطي في الجامع الصغير)، كل هذا يخيف المسلم المسافر هذا السفر الطويل، وهو يعلم أنه سيكلفه مالاً كثيرًا، وجهدًا أكثر، فيتحرى حلال المال والمأكل والملبس؛ خشية ضياع كل جهده وماله بلا فائدة، حتى ولو كان عاصيًا بعيدًا عن الله عز وجل؛ فإنه عند استعداده لرحلة العمر هذه بتحري مبلغ يدخره من مصدر حلال للإنفاق على هذه الرحلة؛ عسى الله أن يتقبلها؛ فيغسل بها الذنوب؛ ويمحو بها الخطايا، يذكرني هذا بعهد كفار مكة، عندما اتفقوا عند إعادة بناء الكعبة ألا يدخل في بنائها مال حرام من مهر بغي، أو حلوان كاهن، أو مال مغصوب يقينًا، فإن الفطرة تعترف بحرمة هذه الأموال، وكذلك الفطرة تعترف بأن الله عز وجل طيب لا يقبل إلا طيبًا.
ويزيد من خوف العبد، وهو مقدم على هذه الرحلة أنه سيترك زوجه وأولاده، وأمواله وديعة عند الله متمثلاً حج أبينا وجدنا إبراهيم الذي قالت له زوجه هاجر: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لن يضيعنا، فلمن سيترك هؤلاء؟! إنه سيتركهم لله، ومن هو ذاهب؟ إنه زائر لبيت الله الحرام، وحق على المزور أن يكرم زائره، ومؤديًا لخامس أركان الإسلام، ثم زائرًا لمسجد حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم.
إن تحريم دخول مكة والمدينة على مشرك أو كافر يؤكد معنى مهمًّا وخطيرًا: أنكم أيها المسلمون إذا فرطتم في كل أرضكم الإسلامية أو بعتموها لأعدائكم، أو لم تحموها من أعدائكم، فإن البلدين الحرامين حرامٌ على الكفار ممنوعان بحفظ الله من دخول المشركين أو الكفار، وهما وقف فقط للمسلمين بأمر الله، وسلطان الله، وقدرة لإقامة الحجة على المسلمين بتقصيرهم في حق بقية مقدساتهم، وعلى رأسها المسجد الأقصى الذي أوكل الله إلينا المحافظة عليه، أو سائر بلاد وأراضي المسلمين التي سلط الله علينا بذنوبنا عدوًّا من غيرنا، فاستنفد بعض ما في أيدينا، كما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحديد أماكن للميقات، وتحديد زمان للحج، وتحديد مواقيت ومناسك للحج عند كل شعيرة منها، تكليف بأمر ما، وإحياء لمناسبة من ذكريات السيرة الإسلامية الأولى لأبينا إبراهيم وزوجه هاجر- رضي الله عنها- وابنها إسماعيل عليهم صلوات الله وسلامه.
فمن درس افتراق الأسرة الإسلامية على الله مقابلاً لاجتماعها على الله، ولكلٍّ أجره وثوابه، ومن تسليم الزوجة الطائعة لربها وزوجها؛ درس يجب ألا تنساه الأمة المسلمة نساؤها على الأخص، فخروج أزواجهن للجهاد هو حفظ لهن ولأولادهن أفضل من بقاء أزواجهن معهن، فمن أين كان سيأتي لها أبونا إبراهيم بماء هو آية إلى قيام الساعة، طعام، وشراب، وشفاء، وأمان، وما تحقق لها ولابنها الرضيع لم يأت إلا بعد التسليم والرضا، وعون الزوج على طاعة الله: (اذهب لما أمرك الله) واليقين في حفظ الله وموعوده، مع تمام انقطاع الأسباب ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ (إبراهيم: من الآية 37)، وحوله الوحوش والسباع، ولا يوجد مأوى، والطفل الرضيع، أو يدافع عنهما، ولكن مع كل هذا لا بد من بذل الجهد، أي الأخذ بالأسباب، فمهما تكالبت المصائب، وأظلمت الدنيا، وانقطعت الأسباب، لا يأس ولا قعود عن بذل الجهاد، وإلا لكانت أمنا هاجر تواكلت، ويئست، واستسلمت، فكيف يا أمة الإسلام، وحالنا الآن مهما بلغ أهون بكثير من حال أمنا هاجر وابنها الرضيع، وهي لم تقعد عن بذل جهدها الضعيف ولو لم تملك غيره، وهي تمشي وتهرول بين الصفا والمروة 3/4 كيلو مترات × 7 أي حوالي 5 كيلو مترات مشيًا، وهرولة، وأقصى أملها ترى قافلة معها ماء وطعام، ونحن نسير نفس الخطوات، ولكننا ننسى أن نعيش نفس الظروف والحالات التي مرت بها، أو حتى نتخيلها، لنخرج منها بالنتيجة المرجوة، فما الذي كانت تحلم له؟ وماذا كانت أقصى أمانيها؟ طعام أو شراب ليوم أو يومين، ثم ماذا بعد؟ لا.. إن العطاء عطاء الكريم الذي أمرنا أن نعبده، ونتوكل عليه، فيكون الدرس الأساسي في السعي الأخذ بالأسباب وترك النتائج على الله، فإذا بجبريل الأمين ينزل ليفجر البئر المباركة زمزم من تحت أقدام الطفل، وليس من تحت أقدام الأم؛ ليكون آية أخرى أن الله عزَّ وجلَّ يأتي بالخير من باب أضعف الأسباب إذا أراد تنبيه الغافلين إلى طلاقة القدرة التي لا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء.
وتخيل معي أخي المسلم أن ماء زمزم قد فاض لتشرب منه أمنا هاجر وابنها الرضيع، ولكن من أين يأتي الأمان، وهو أهم من الطعام والشراب، انظر إلى القدرة تسخر طيور السماء؛ لتكون جهاز الإعلام الذي ينقل الخير إلى كل القوافل التي تعرف مغزى هذه الرسالة الطائرة، فتلتف القوافل حول البئر، وتستأذن السيدة المصونة هاجر؛ ليكون عزًّا وشرفًا وسيادةً تأذن لمن تشاء، وتمنع من تشاء، والقوافل تحميها بالتبادل، وتحمل لها طعامًا وشرابًا، وتتناقل القوافل الخير؛ لتكون زمزم محط كل القوافل ذهابًا وإيابًا، فلا ينقطع الأمان، ولا ورديات الحراسة مع الرعاية والحماية بكل الوسائل من الغوائل، كل هذا، والأب في لقاء ربه لا يدري ما حدث لزوجه وولده، ولا شك أنه كان في قلق، وإشفاق بلا رسائل تصله أو تطمئنه، ولكن على يقين أنه قد استخلف الله عز وجل عليهم وهو نعم الخليفة في المال والأهل والولد مع التسليم بلا تفاصيل، كما قالتها زوجه الصابرة الثابتة (إذن لن يضيعنا) وهي لا تدري كيف وليس هناك كيف؟!
أما الطواف فهو درس روحاني عجيب بسبع، هي من بركات التكاليف، بسبع نسعى، وسبع نطوف؛ ولكن العجيب والغريب أن كل الكائنات تطوف في هذا الاتجاه، اتجاه طواف الطيور والملائكة، بل وطواف الأفلاك حول نجومها، بل وطواف أجزاء الذرة حول مركزها والملائكة حول البيت المعمور.
إنها دورات شحن للقلب والروح في مجال مغناطيسي لا يدرك كنهه أحد.. لكن حلاوته تلامس شغاف القلب، وتبارك من هذا عطاؤه بغير حساب.

أما مقام إبراهيم فهو دليل الحب للتكليف، فالمقام كان لبناء الكعبة بأعلى مما تستطيعه يداه فكان حقًّا ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (آل عمران: من الآية 97). أما منى، ومعركتك فيها مع الشيطان تجسيد لهذه المعركة التي هي محور حياتك كلها مع عدوك الأول والأوحد، والذي منه تتشعب عداوات كل أعدائك، تنبه يا مسلم أن الشيطان سيأتيك عند إصرارك على الطاعة، ولن ييأس عن تكرار الوسوسة فهو لم يتوان عن الوسوسة مرة بعد مرة، بعد مرة أملاً في أن يثنيه عن طاعة ربه، رغم قسوة الابتلاء بذبح الابن الوحيد، فهل سيتركك أنت، وهو لم يترك أبا الأنبياء، وهل ستضعف في مواجهته، رغم الفارق الشاسع بين الابتلاء الذي كان يمر به جدك، وما ستمر به أنت من ابتلاءات، مهما بلغت فلن تصل إلى الأمر بذبح ابنك الوحيد بيديك، فهل وعيت الدرس؟ والعجب أن الطاعة في الالتزام بالسلاح الذي أمرت به في هذه المعركة الفاصلة، ورغم أن عدوك مدجج بكل صور الأسلحة الفتاكة، والإغراءات العديدة، وخطط المكر والكيد الذي لا يقدر على مثله أو على مواجهته، فما سلاحك؟ تخيل.. حصى من حصى الأرض الطاهرة في حجم حبة الفول بعدد من مضاعفات السبعة (حكمة يعلمها الله) يتضاءل سلاحك المادي إلى هذه الدرجة التي يبرز معها السلاح الحقيقي طاعة للرحمن، ورجمًا للشيطان بهذا، وبهذا فقط يحترق الشيطان كما تفعل به سورة الناس، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلا يثقل مع اسم الله شيء، ولا تقف في وجه قرآن الله قوة، ولا يصمد شيطان في وجه الجمرات، وهي حصيات ولكنها سميت جمرات فيا ترى لماذا؟ إن الله يحول حصياتك إلى جمرة نار تحرق الشيطان المخلوق من نار ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (الأنفال: من الآية 17).
ثم الشكر على نعمة الفداء بالهدي الذي سيظل نعمة لا ندركها إلا إذا تخيلنا أن الله لو أنفذ أمر ذبح أبينا إبراهيم لابنه الوحيد إسماعيل؛ لأصبح لزامًا علينا أن نذبح أولادنا قربانًا لله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 220).
ولنبلور الأهداف الثلاثة الرئيسية:
إظهار الربوبية من كل خلق الله لرب واحد:
كل خلق الله يعترفون لله بأنه رب واحد لا شريك له (إن الحمد والنعمة لك، لا شريك لك)، ثم الألوهية بالطاعة، فلم تستجب هذه الأمة الإسلامية بقوة ما، ولا لأحد ما، مثل استجابتها لربها في هذا الإقبال منقطع النظير، إقبال القلوب والأرواح قبل الأبدان؛ استجابة لدعوة أبينا إبراهيم الذي كان كل همه أن يأتي أناس ليؤنسوا زوجه هاجر وابنه إسماعيل، كي يتمكنا من إقامة الصلاة فقط، فهي الغاية والنهاية: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَل0ْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)﴾ (إبراهيم)، وقد كان جميعنا شهودًا على ذلك، بل إن ماء زمزم حاولوا في كلية العلوم جامعة الملك عبد العزيز أن يربوا عليه فيروسات أو ميكروبات أو طفيليات أو فطريات وفشلوا تمامًا، بل اعترفوا أنه فوق ذلك، يزيد مدده رغم كل ما يستهلك منه، يزداد عامًا بعد عام، فتبارك الله خير الرازقين.
بقى درس شفاء النفس البشرية من أمراضها:
لغياب معنى العبودية واستكبارها على أوامر الله فعلاجها هذا التدريب العملي.
البس بالأمر هذا اللباس، وامتنع عن أي لباس آخر.. من هنا.. لا تقرب زوجتك.. من هنا لا تقص أظافرك.. ابتداء من هنا مكانًا وزمانًا لا تقص شعرك، لا تقطع شجرة، ولا تصطد طيرًا أو حيوانًا، امش هنا، اجر هنا، هرول هنا، طف في هذا الاتجاه، اشرب من هذا الماء، تضلع منه ولو لم تكن عطشان، وهذا لخيرك وصالحك، فالله لن يناله من طاعتك هذه كلها شيء، إنما هو منك لله عائده عليك، بعد قبول الله له، قبل هذا الحجر، امسك بهذا الحجر، ارجم هذا الحجر، نم هنا، صل هنا قصرًا وجمعًا، وفرغ يوم عرفة من كل ألوان العبادات بعد جمع الظهر والعصر تقديمًا، وتحريم صيامه، وأخَّر المغرب مع العشاء؛ ليكون يوم عرفة يوم دعاء مفتوح، وذكر مطلق، وبلا أي مشقة خاصة، ولا عبادة مميزة؛ للفت النظر أن المهم هو تعلقك بالله بلا أشكال ولا طقوس، وهو لب ونخاع العبادة والذكر وحلاوتها.
أما الأمة فليتها تدرك قيمة هذا المؤتمر الإسلامي الجامع؛ الذي يوحد القلوب والأرواح والأجساد والمشاعر والمظاهر والقادة والزعماء والرؤساء والأمراء والعبيد والأغنياء والفقراء والحمر والبيض والصفر والسود من أجناس الخلق جميعهم، الإسلام دينهم، ويلفهم الحب في الله، ويتوجهون بالأعمال جميعًا إلى رب واحد لا شريك له ولا طاعة لغيره، والكل عبيده، أليس هنا، وهنا فقط يمكن للأمة أن تتكامل اقتصاديًّا وعسكريًّا وتجاريًّا وإعلاميًّا وثقافيًّا وتعليميًّا، ويتبادلون المنافع، والأفكار بعيدًا عن عدوهم: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (الحج: من الآية 28)، بل إنك لو رأيت حال كل الألسنة، الأعجمية والعربية وهي تنطق بين الركن، والمقام والحجر الأسعد: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار برحمتك يا عزيز يا غفار؛ توحيد الكلمات والحروف في مكان واحد، وعلى حالة واحدة، إلى رب واحد، في وقت واحد، عوامل كلها توحد الأمة، وتعالج أخطر أمراضها وهو الفرقة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)﴾ (الأنبياء).
![]() |
أليس دواء البخل والشح رصد مبلغ بالآلاف فرضًا على من نوى الحج؛ ليكون فوق زكاة ماله حق لله- عز وجل- ليعرف أن من رضي الله عليه أن ينخلع من بعض ماله، ليؤكد أن المال مال الله، وأنه ما دام مستطيعًا فعليه فرض آخر غير الزكاة، ولو مرة في العمر بنفقة حج حلال تجبره على تحري مصدر ماله، وإلا ضاع حجه وجهده وماله.
أليس من دواء الكبر والغرور أن يسير في ركب المسلمين لا يميز شيئًا من لباس ولا مظهر ولا حركات ولا شيئًا يفضله في حجه من زاد في تقواه عنه، ولو كان عبدًا حبشيًّا كأن رأسه زبيبة، رغم أدائه نفس الشعائر، وقضائه نفس الأعمال في نفس الأوقات.
أليس من دواء الرياء الناجع أن تجد بجوارك أو قريبًا منك من كتب ترائيه أو يرائيه الناس فقيرًا محتاجًا، يطلب مثلك من ربه الذي يتوجه إليه الجميع بالطلب، وبالقصد والنية، فكيف يرائيه بعد ذلك وقد رأى بعينيه فقره وحاجته وذله بين يدي خالقه؟ ومَنْ مِنَ الناس يرائي الناس في هذا المقام، والكل يقول نفسي نفسي، ولا يدري أيقبل منه أم لا؟
أليس من دواء المتعجل المتسرع أن يجبر على الرؤية والسكينة في طوافه طوال الأربعة أشواط الأولى، يؤمر بالهرولة ليس عندما يريد هو، ولكن عندما يحل مكان وموعد الهرولة الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك عن سعيه بين الصفا والمروة لا يهرول إلا لسبب اقتدائه بأمه هاجر، فلا هرولة إلا بسبب وفي طاعة: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84)، يمشي في بقية الطريق؛ لأن الأصل سير الهويني ﴿يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ (الفرقان: من الآية 63).
وهنا لفتة لحرص الإسلام على حماية المرأة، فما كشف بعض ما خفي من زينتها؛ رغم أن أمنا هاجر هي التي هرولت، ولكن لم يكن معها أحد، أما هي الآن فهي بين رجال لا يليق بها أن تهرول، وقد بنى أمرها على الاستتار، فكيف بما هو أكثر من ذلك، فلا يلزمها الشرع بهذا الأمر.
أليس من دواء أمراض النفس البشرية الخاملة الكسولة المتراخية في أداء التكاليف أن تؤمر بالهرولة للتدريب على شحذ الهمم التي يظهرها بجلاء اضطباع ملابس الإحرام الذي يبرز اليد، والذراع الأيمن في همة، ونشاط: (رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة).
أليس من دواء أمراض النفس البشرية من شهواتها التي يتدرب على السيطرة عليها في رمضان، فيأتي الحج يجبر كل مسلم ومسلمة على الامتناع عن مباحات فترة أطول وهي حلال طيلة حالة الإحرام ومدة الإحرام، بل ويتدخل في أمور عظيمة تشعر بالالتزام في الطاعة ولو في أبسط الأمور، نتف شعرة أو قص ظفر.
أليس من أمراض الفرد المسلم القعود عن الجهاد في سبيل الله تعالى إيثارًا للدعة وركونًا للدنيا، فيأتي الحج بجهد ومشقة يجاهد فيها نفسه وماله، بل هو للمرأة يعدل الجهاد عند الرجل.
أليس من أمراض المسلم ترفهه وتنعمه، فتأتي مناسك الحج لتفرض عليه خشونة العيش والتقشف والتخفيف من المتعة والزينة والرفاهية.
أليس من أمراض المسلم إهماله لتاريخ دينه ودعوته ورسالة نبيه صلى الله عليه وسلم، فتجبره مناسك الحج على أن يتعرف على جده إبراهيم، وجدته هاجر، وأبيه إسماعيل، وسيرة حبيبه صلى الله عليه وسلم وشهداء أحد وشهداء بدر وغار ثور، وغار حراء، وحصون اليهود، وجلائهم في كل موقعة، وهذا نخل سلمان الفارسي الذي غرسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه لمكانه من سيده، وهكذا عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا مات ودفن، وهذا أبو بكر، وهذا عمر- رضي الله عنهما- وهنا البقيع، وهنا المصلى؛ حيث صحابة رسول الله لقوا ربهم بعد جهادهم الطويل، واسترواح عبير الدعوة الإسلامية في طرقات مكة، وجنبات المدينة كلها، وحتى أبواب الحرم بأسمائها الإسلامية الأصلية وليس المستحدثة، تذكر المسلمين بتاريخ قبائل مكة المسلمة، وشخصيات الصحابة الأجلاء.
باب جبريل وباب العمرة وباب السلام وباب الصفا وباب المروة، فيجبر المسلم إجبارًا أن يتعلم ويتعرف على تاريخه الإسلامي الذي يحب أن يعتز به ويفخر، ولا يخضع لمؤامرات أعداء دينه بتجهيله، وطمس تاريخ أمته وتحريفه أو تزييفه، ولكن تظل هذه البقاع الطاهرة تاريخًا حيًّا لا يقدر على طمسه عدو ولا حاقد، فنور الله قد أضاء على هذه البقاع، فأضفى عليها كرمًا وتكريمًا وتشريفًا وتعظيمًا وبرًّا ومهابةً، فأصبحت مكة المكرمة، بل نال كل من حج، أو اعتمر تشريفًا وتعظيمًا ومهابةً وبرًّا بدعاء كل الحجاج والعمار له.
