منذ النصف الثاني من العام 2008م بدأت بوادر أزمة عالمية تضرب العالم شرقًا وغربًا بعد أن ضربت الولايات المتحدة التي هي عماد التجارة الدولية وعملتها هي عملة الاحتياطي العالمي، ولقد بدأت الأزمة في التدحرج ككرة الثلج التي تكبر يومًا بعد يوم، وينتظر الجميع الصدمة المروِّعة التي سوف تُحدثها في نهاية المطاف، والتي يبدو أنها سوف تشمل كلَّ مَن رَبَطَ اقتصاده بالاقتصاد الأمريكي، وربط احتياطيه بالدولار، ورهن سياسته المالية والإستراتيجية بالولايات المتحدة.

 

ولقد بدأت الأزمة في أعقاب رواجٍ كبيرٍ في سوق العقارات في الولايات المتحدة؛ حيث زادت الاستثمارات المالية في الرهن العقاري من 100 مليار دولار في عام 2001 إلى 600 مليار دولار عام 2006م، ولكن فجأةً تعثَّر المقترضون عن السداد، وبالتالي قامت البنوك بسحب العقارات من المقترضين، وعرضها للبيع في وقتٍ قصيرٍ، ومع زيادة المعروض من العقارات هبطت الأسعار بحدة؛ مما أدَّى إلى نقص السيولة في البنوك وإفلاس البنوك وشركات التوريق التي كانت تشتري ديون المقترضين من البنوك وشركات التأمين التي كانت تضمن القروض؛ مما استدعى أن تتدخل الحكومات الرأسمالية في أمريكا وأوروبا وتؤمم هذه البنوك والشركات عبر شراء معظم أسهم هذه البنوك والشركات في خطوة تراجع كبيرة للسياسة الاقتصادية لهذه الدول.

 

ورغم أن هذه الأزمة هي أزمة أمريكية بامتيازٍ إلا أنها انتشرت كالنار في الهشيم في كل دول العالم المرتبط اقتصاديًّا بالولايات المتحدة؛ حيث إن الولايات المتحدة هي أكبر سوقٍ للمنتجات في العالم، ومن خلال أن عملتها هي العملة الرئيسية لكل التبادلات التجارية في المعمورة، وهي كذلك أكبر دولة مدينة في العالم، ومن خلال كونها القوة السياسية والعسكرية الأولى في العالم.

 

وهذه الأزمة تتناسب آثارها السلبية على دول العالم تناسبًا طرديًّا مع مدى ارتباط هذه الدول اقتصاديًّا مع الولايات المتحدة؛ ولذلك فإن دولاً مثل الصين وماليزيا والهند ربما لا تتأثر بالأزمة كثيرًا بنفس القدر الذي تتأثر به دول أوربية تعمل فيما يبدو أنها شراكة كاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لكن ورغم أن هذه الأزمة تبدو اقتصاديةً بالدرجة الأولى إلا أننا هنا معنيون بالجانب السياسي للأزمة، بل ومعنيون أكثر بالجوانب الإيجابية للأزمة على العالم عمومًا، وعلى بلادنا خصوصًا.

 

أولاً: الأزمة وفرص تغيير قيادة العالم

من السذاجة السياسية أن نظن أن العالم سوف يخلص إلى قيادة جديدة عوضًا عن الولايات المتحدة الأمريكية على المدى القصير، لكن وفي نفس الوقت فإن هذا الطرح قابل للتحقق على المدى المتوسط والطويل، إن بزوغ نجم الصين أصبح ماثلاً للعيان في ظل الأزمة المالية الحالية؛ حيث إن الصين هي من أقلِّ دول العالم تأثرًا بالأزمة المالية الحالية؛ وذلك لأن اقتصادها لا يعتمد كثيرًا على الطريقة الأمريكية للاقتصاد رغم أنها في النهاية جزءٌ من المنظومة المالية العالمية، ووجود احتياطي من العملات لديها يُقدَّر بحوالي 2 تريليون دولار من شأنه أن يضيف الكثير من الزخم للوجود الصيني على الساحة الدولية، ويرى الكثيرون أن انضمام الصين إلى الدول الصناعية الثماني وزيادة مساهمتها في صندوق النقد الدولي أصبح حاجةً عالميةً مُلِّحة.

 

هذه الإجراءات الضرورية تدعم مكانة الصين على الصعيد العالمي وتُشجِّعها على الانخراط أكثر وأكثر في السياسة العالمية؛ مما يهدد قيادة الولايات المتحدة للعالم في الصميم والمفارقة أن الولايات المتحدة تدرك ذلك لكنها لا ترى أي طريقٍ آخر سوى التقارب مع العملاق الصيني للخروج من الأزمة الحالية.

 

إن تغيير قيادة العالم من يد الولايات المتحدة إلى أي دولةٍ أخرى أو إلى مجموعةٍ من الدول أو التكتلات سوف يؤدي بالضرورة إلى خلق هامش حرية ومناورة لكثيرٍ من الدول يمكن من خلاله اللعب على الأوتار الحساسة للسياسة الدولية المتبلورة، كما أن وجودَ أقطاب جديدة يساهم في تخفيف القبضة الحديدية المفروضة على دول العالم الثالث، وفي القلب من ذلك دول منطقة الشرق الأوسط.

 

ثانيًا: زيادة فرصة إقرار سلام أكثر عدالةً في المنطقة

من الضروري والأزمة المالية مستعرة أن المساعدات الدولية الغربية، خصوصًا الأمريكية منها إلي إسرائيل سوف تتراجع وتنكمش وإسرائيل، وكما كان يشير الدكتور المسيري رحمه الله دولة لا تنهار من الداخل؛ لأنها تعيش على الدعم الخارجي هذا التقلص القسري في المساعدات المالية والسياسية واللوجستية سيخلق في النهاية فرصةً لتقوية الطرف العربي وإضعاف إسرائيل، كما أن تقلص المساعدات المالية الأمريكية والغربية لدول ما يُسمَّى بالاعتدال العربي من شأنه أن يحرر هذه الدول ولو جزئيًّا من الرضوخ التام للإملاءات الأمريكية التي هي في الأساس إملاءات صهيونية الهوى والهوية.

 

هذا الضعف النسبي للكيان، وهذه التحرر النسبي لدول الاعتدال سيؤدي بالضرورة لسد الهوة بين الأنظمة والشعوب من جهة، وبين الأنظمة وقوى الممانعة من جهة أخرى.

 

ثالثًا: فقدان العصا والجزرة الأمريكية

إن الأزمة المالية الحالية بكل ما تحمله من مفاجآتٍ غير سارة للنظام المالي الغربي، وما يستتبعه من تدهور سياسي وعسكري يجعل من الانكفاء على الداخل، وخصوصًا في الولايات المتحدة أمرًا لا مفر منه، إن قضايا الاقتصاد والتعليم والصحة والطاقة سوف تستنزف الجانب الأكبر من ميزانيات الدول الكبرى، وهو ما يعني أمران أولهما أن الولايات المتحدة لن تكون قادرةً على شنِّ مزيدٍ من الحروب، يرى الكثيرون أن الحرب على الإرهاب هي أحد الأسباب الرئيسة للأزمة المالية الحالية أو على الأقل لعدم القدرة على لجمها وكبح جماحها- كما أن تعثر الولايات المتحدة والغرب في العراق وأفغانستان يعطي نفس النتيجة؛ مما يؤشر إلى ففقدان الولايات المتحدة للعصا التي كانت تخيف بها الأنظمة في العالم؛ وهو الأمر الذي بدا واضحًا من قِبل دول أمريكا اللاتينية وكوريا وإيران وغيرها، وهو كذلك ما يُعطي دفعةً قويةً لكل التيارات المعارضة للولايات المتحدة من التنظيمات الإسلامية على اختلاف مشاربها إلى ما تبقى من تيارات شيوعية متناثرة هنا وهناك.

 

كما أن زيادة الإنفاق على الإصلاح الاقتصادي والبنكي ومحاولة تطويق الآثار الكارثية للبطالة في هذه لدول سيؤدي، كما قلنا إلى تقليص المساعدات للدول الفقيرة، والتي يتمثل جزءًا كبيرًا منها من دول تحكمها أنظمة صديقة للولايات المتحدة، وهذا ما يمكن تسميته بفقدان الولايات المتحدة للجزرة.

 

وبشكلٍ عام فإن فقدان الولايات المتحدة للعصا والجزرة سوف يؤثر كثيرًا على نجاح سياستها في العالم، ولهذا كان لا بد أن يأتي أوباما لإحداث تغيير ضروري في سياسة الولايات المتحدة يتسق مع السياسة الجديدة والمعطيات التي طرحته.

 

معطيات أمريكية جديدة

في الإطار السابق تعرضنا لبعض النتائج السياسية الإيجابية للأزمة المالية على المنطقة والعالم، ومنها ظهور أقطاب جديدة في العالم على المدى المتوسط والطويل؛ مما يُعطي قدرًا من المناورة وحرية الحركة لكثيرٍ من الأنظمة التي ظنَّت أن "الشرعيةَ الدولية الحالية قدرًا لا يمكن دفعه"، كما ناقشنا أن الأزمة المالية الحالية تفرض فرصًا لسلامٍ أكثر عدالةً في الشرق الأوسط لأن الكيان ستتأثر دون شك من تقلص الدعم المالي والتقني والسياسي والعسكري بسبب الأزمة، وتحدثنا عن فقدان الولايات المتحدة للعصا والجزرة بسبب هذه الأزمة، وهو ما يصبُّ فيما ذهبنا إليه سابقا.

 

واليوم نناقش تولي "أوباما" للسلطة في أمريكا فهل يحمل أوباما التغيير أما التغيير هو الذي يحمل أوباما؟

 

 الصورة غير متاحة

 باراك أوباما

لقد جاء "أوباما" إلى سدة الرئاسة في الدولة الكبرى في العالم، والتي أضحت القطب الأوحد عالميًّا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق بآمال وشعارات جديدة على العالم، وعلى المنطقة، وجاء هو أيضًا يحمل دلالاتٍ لا يمكن غض الطرف عنها، فهو من أصلٍ كيني، وهو ملون، كما أن والده مسلم؛ وهو الأمر الذي أصرَّ على إظهاره الرئيس أوباما عندما رفض أن يكتفي بالرمز H  بدلاً من اسم حسين، وله كذلك تجربة ثرية عاشها في إندونيسيا، وهي إحدى الدول الإسلامية الكبرى في العالم، والرجل يعلن منذ اليوم الأول وبل وربما قبلها أنه جاء يمد يد السلام للعالم الإسلامي وينظر برؤيةٍ جديدةٍ للصراع الدائر في فلسطين، كما أنه أعلن عن سحب القوات الأمريكية في العراق؛ وهو الأمر الذي بدأ بالفعل، وهذه أمور لا يمكن إغفالها في الحديث عن الرجل.

 

أوباما والزمن الصعب:

لكن في المقابل نجد أن الرئيس "أوباما" جاء في الزمن الصعب للولايات المتحدة؛ حيث مُنيت الولايات المتحدة بفشلٍ ذريعٍ في العراق وأفغانستان، وبعد أن كانت رقبة طالبان مطلوبة أمريكيًّا كما هي رقبة "بن لادن" فإنه اليوم يطلب الأمريكان الجلوس مع طالبان، معتبرين إياها جزءًا من الحل وليست المشكلة.

 

كما أن الرئيس الطيب "أوباما" جاء وفي خلفية المشهد ظلال الأزمة المالية الخانقة التي تسيطر على الولايات المتحدة والعالم؛ مما يهدد العالم بمرحلة صعبة وشديدة تُذكر العالم بأزمة 1929م، والتي ضربت الولايات المتحدة، وكان لها شديد الأثر على سياسات الولايات المتحدة حتى منتصف الثلاثينيات رغم أن العالم لم يكن يعرف هذه التوحد الاقتصادي شبه التام ولا هذه العولمة الاقتصادية التي سمحت للولايات المتحدة بمراقبة أعمال البنوك في العالم كله، وسمحت للغرب بالتنصت على المكالمات الهاتفية عبر العالم.

 

جاء الرئيس "أوباما" في ظلال أزمة مالية خانقة تنذر بأن السيئ ما زال في الطريق، وأن العالم تنتظره السبع العجاف بعد أن ولَّت سنوات الرخاء والرواج غير المسبوق، إن الإنفاق على الطاقة والصحة والتعليم في الولايات المتحدة من شأنه أن يؤثر على سياسة أمريكا خارجيًّا وداخليًّا بشكلٍ غير مسبوق، وهو ما يحدو بالولايات المتحدة لتغيير إستراتيجيتها حتى لو كان رئيسها هو "أدولف هتلر" وليس الطيب "أوباما".

 

كما أن الحرب الأمريكية الغربية على الإسلام أو حتى على الإرهاب لم تُثمر حتى اللحظة على الكثير من النتائج، بل لعلها أحدثت الكثير من اللغط في العالم الذي يعج بالمسلمين في كل مكان، وربما لفتت النظر إلى قضايا عادلة لم يعالجها الغرب إلا بالتسلط والقسوة والقوة المفرطة مثل قضية فلسطين.

 

هذه الحرب التي كلَّفت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات، وربما كانت سببًا رئيسًا في خلق الأزمة المالية الحالية أو على الأقل عدم القدرة على علاجها بالشكل السريع.. هذا الفشل في هذه الحرب هو الذي جعل الولايات المتحدة تغير من إستراتيجيتها بدلاً عن التصادم مع الإسلام والمسلمين، كما كان بوش الابن يقول "حرب صليبية" إلى توجيه خطاب جديد للعالم الإسلامي.

 

والخلاصة أن التغيير الذي حدث في الولايات المتحدة هو تغيير إستراتيجي في جانب منه وتكتيكي في جانب آخر، أي أن التغيير الإستراتيجي هو تحويل دفة الصراع من الصراع العسكري للتقارب السياسي ومحاولة مد جسور الثقة بين الطرفين ودعم ما يمكن تسميتها "أطرافًا معتدلة" في العالم الإسلامي وحتى داخل حركات المقاومة الإسلامية من خلال الحديث عن زعماء حماس مثلاً بين الداخل والخارج وبين المتشددين والمعتدلين, هذا التغيير الإستراتيجي جاء من قناعة غربية باستحالة الحل العسكري الذي لا زال يراوح مكانه منذ الحرب على أفغانستان بل سمح بتنامي نفوذ التيارات المعادية لأمريكا على مستوى العالم الإسلامي، خصوصًا التيارات الإسلامية من تنظيم القاعدة وحزب الله وحماس رغم التباين الشديد في الرؤى بين هذه القوى.

 

أما التغيير التكتيكي فهو محاولة احتواء وهزيمة العالم الإسلامي، لكن بدون الحل العسكري والحربي المكلف وغير مضمون النتائج من خلال دعم أنظمة حليفة للولايات المتحدة وتقديم نصائح لهذه الأنظمة وتقريب الكوادر المؤهلة للخلافة في القريب لضمان استقرار مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة والعالم، وضمان تسيير احتياجات الغرب من الطاقة لحين التوصل إلى مصادر بديلة بدأ العمل للحصول عليها بشكلٍ جدي في الولايات المتحدة، ومن خلال برامج مكتوبة ومعلنة؛ أي أن الرئيس "أوباما" جاء تحمله رياح التغيير ولم يأتِ هو بعصا التغيير.

 

النتائج السياسية والإيجابية للأزمة المالية

تنامي الأدوار الإقليمية:

مما لا شك فيه أن الأزمة المالية الحالية يمكن- إذا تم التعامل معها بعقلانية وحنكة- أن تؤدي إلى تقليص الدور الأمريكي المهيمن على السياسة العالمية؛ مما قد يؤدي إلى ظهور قوي إقليمية جديدة تستطيع لعب دور أكبر تأثيرًا في السياسة الدولية، فالصين يمكن أن يكون لها دور عالمي في قيادة العالم ولكن دولاً مثل تركيا وماليزيا والبرازيل وفنزويلا وجنوب إفريقيا وإيران ومصر يمكن أن تقوم بدور أكبر في المحيط الإقليمي لها إذا ما انتهجت سياسات أكثر توازنًا وعقلانيةً مبنية على خيارات دقيقة ودراسات إستراتيجية عميقة.

 

إن الفراغ الكبير الذي يمكن أن تتركه الولايات المتحدة قسريًّا بسبب الانكفاء على الداخل الأمريكي ومحاولة لملمة شمل الحالة الأمريكية ومعالجة الأزمة المالية يمكن اللعب فيه بسهولة ويسر ولكن بقدر كبير من التوازن، والدليل على ذلك أن الوحل العراقي قد مكَّن إيران من لعب دور أكبر كثيرًا في العراق؛ مما كان يتخيل المحتل الأمريكي، وكما قال الرئيس مبارك يومًا إن بعض القيادات العراقية مرجعيتها في طهران، فماليزيا بقوة اقتصادها وتجربتها الكبيرة في الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا عام 1997م، خرجت بدروس كثيرة أهمها عدم انتهاج السياسة الغربية الاقتصادية دون النظر في عيوب الرأسمالية التي بدت للعيان في الأزمة الحالية مهيئة للقيام بدور فاعل على المستوى الإقليمي خصوصًا أن تأثرها هي والصين والهند بالأزمة المالية يعد ضئيلاً نسبيًّا.. إن ظهور دعوات من ماليزيا بضرورة تغيير الدولار كعملة للاحتياطي العالمي وكعملة للتبادل التجاري واعتماد "جنيه محمد" الماليزي المقيم بالذهب عوضًا عنه هي دعوة للقيام بدور عالمي كبير في المعاملات بين الدول الإسلامية وغيرها وليس مجرد دور إقليمي، كما أن تركيا بحكم وضعها الجغرافي كبوابة بين العرب وآسيا وأوربا يجعلها محطة مهمة للعب دور أكثر نشاطًا وعمقًا، خصوصًا في ظلِّ الحكومة الحالية التي تحظى بالدعم الغربي والرضا العربي حتى على مستوي الشعوب من خلال مواقفها المشرفة من الصراع في فلسطين.

 

أما مصر فإنها مؤهلة للعودة مرةً أخرى لقيادة العالم العربي، خصوصًا في ظلِّ تراجع الولايات المتحدة وحليفتها الأولى "إسرائيل"، وهنا لا بد أن يعود الفهم المصري القديم والصائب والذي مؤداه  أن كل تنامي لإسرائيل ودورها في المنطقة لا يتم إلا على حساب الدور المصري في المعادلة العربية داخليًّا وخارجيًّا، وعلي هذا فإن مصر مرشحة للعودة بقوة للصورة بشرط إدراك أن إسرائيل هي في النهاية العدو وليس الصديق.

 

تشكيل تكتلات جديدة:

ربما يكون تشكيل تكتلات جديدة أمرًا غير عاجل حاليًّا؛ حيث إنه ما زالت هناك محاولات لتطويق الأزمة المالية العالمية، خصوصًا من خلال التدخل الحكومي "الخشن" بضخ أموال في الأسواق والبنوك وتأميم بعض البنوك بشراء نسبة كبيرة من أسهمها، لكن هذه التكتلات تبدو منطقية في الوقت الحالي وعلى المدى المنظور.

 

فدول الخليج التي ربحت كثيرًا من ازدياد أسعار البترول عالميًّا قبل الأزمة فزاد المخزون الاحتياطي لديها من العملة الأجنبية مهددة حاليًّا في مصدر رزقها، وهو النفط في ظل سعي الولايات المتحدة الحثيث والمعلن من أجل إيجاد مصادر بديلة للطاقة، وهي كذلك لا محالةَ ستستنفد كل الطاقة البترولية في يومٍ من الأيام؛ مما يجعل دخولها في تكتلات قائمة على الشراكة والمساواة مع دول العالم أمرًا حتميًّا بعيدًا عن التبعية للولايات المتحدة، وكذلك الدول الإفريقية الأكثر فقرًا ماليًّا والأعلى وفرةً في المواد الخام البكر ستدخل في مرحلة شديدة القسوة في ظلِّ انحسار المساعدات الإنسانية بسبب الأزمة؛ مما يمكن أن يزيد من حدة الصراعات فيها، والحروب الأهلية من أجل الغذاء والثروة، وهذه لا بد أن تدخل في تكتلات جديدة تضمن لها السلام الاجتماعي الداخلي والأمن الذاتي، كما أن الحديقة الخلفية للولايات المتحدة تتململ منذ حين من سياسات الولايات المتحدة في حقها سواء بالاغتيالات السياسية لقادتها أو التأثير المباشر على الانتخابات والاقتصاد والمال ومع بزوغ قوى جديدة في العالم راغبة- دون شك- في زحزحة الولايات المتحدة عن قيادة العالم فإن فرص قيام تكتل يجمع الدول الإفريقية ذات الموارد ودول الخليج ذات الفوائض المالية ودول أمريكا الجنوبية آسيا والدول الراغبة في لعب دور أكبر إقليميًّا وعالميًّا يبدو أمر متاحًا وممكنًا في ظلِّ التراجع الغربي والأمريكي تحت وطأة الأزمة المالية الحالية وتكلفة الحروب المحمومة التي شنتها أمريكا وحلفاؤها في معركةٍ خاسرة من قبل أن تبدأ.

 

تقارب الحكام مع الشعوب:

 الصورة غير متاحة

فلسطينيون أمام معبر رفح ينددون بتخاذل الحكام عن نجدة غزة

من تجليات الأزمة المالية الحالية أنها يمكن أن تفرز أنظمة أكثر قربًا من شعوبها؛ حيث إن العلاقة بين الأنظمة والولايات المتحدة تتناسب عكسيًّا مع علاقات الأنظمة بشعوبها، فشعوب العالم  كله تقريبًا تكره الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي تشي به استطلاعات الرأي حتى في أوربا الحليف المفترض للولايات المتحدة، ففي ظل تقلص الدعم المالي والعسكري المتوقع من السيد الأمريكي لكثير من دول العالم المرتبطة بتحالفات مع الولايات المتحدة يمكن أن يؤدي إلى دعم المطالبات الشعبية خصوصًا في الشرق الأوسط في قضايا مثل فلسطين والعراق وأفغانستان؛ وهو الأمر الذي يمكن أن يوطد أركان الحكم لكثير من الزعماء من خلال الاعتماد على الدعم الشعبي عوضًا عن الدعم الأمريكي.

 

إذا ليست الأزمة المالية الحالية- رغم كل شيء- ليست كلها عيوب بل علينا أن نرى الضوء في نهاية النفق، وعلينا أن نعلم أن النظام الرأسمالي الربوي للبنوك والفساد الإداري الذي نظن أنه فقط موجود عندنا هو سبب الأزمة الأساسي، وأنه لعلاج الأزمة لا بد من علاج الأمراض لا الأعراض فلا بد من وقفة ضد الربا؛ وهو الأمر الذي بدأ الغرب يتنبه إليه حتى الفاتيكان بدأ في المطالبة بالنظر بعين الاعتبار للأسس الأخلاقية للتعاملات المالية الإسلامية.

 

ولا بد كذلك من التفكير بإيجابية في الحلول المقترحة للأزمة وكيفية محاصرتها بل والاستفادة منها على المدى المتوسط والطويل؛ وذلك من خلال عدم وضع كل البيض في السلة الأمريكية وخلق إستراتيجيات جديدة مع القوي البازغة في العالم على أن تكون علاقات شراكة ومساواة، وليست علاقات تبعية تعتمد لغة المصالح دون التفريط في الأساسيات والثوابت.

----------------

(*) باحث ومُحلِّل سياسي