- المتضررون: المسئولون يطلقون وعودًا زائفةً للاستهلاك الإعلامي

- خبراء طبقات الأرض: الإهمال وتراخي الحكومة سبب توالي الانهيارات

 

تحقيق- إيمان إسماعيل والزهراء عامر:

شهدت مصر في الآونة الأخيرة أكثر من هبوطٍ أرضي في مناطق متفرقة بالقاهرة وعددٍ من المحافظات الأخرى، كان آخره الهبوط الذي شهده شارع الجيش بمنطقة باب الشعرية بوسط القاهرة؛ ففي 26 مارس الماضي، أصابت حالة من الهلع سكان منطقة شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية؛ بسبب حدوث هبوط أرضي في أحد الشوارع الملاصقة لمبنى مدرسة عمار بن ياسر الإعدادية بنات، وشهدت مناطق المعادي القديمة والسيدة زينب والعتبة ووكالة البلح أكثر من هبوط مماثل ما زالت آثارها موجودة حتى الآن؛ لأن الردم والمعالجة للأرض لم تكن على أسس صحيحة؛ لذلك تتكرر المشكلة باستمرار، وتبقى الأوضاع على ما هي عليه، فكل ما يحدث هو وضع أعمدة حديدية على منطقة الهبوط لتغطيها، وتحذير الأهالي من الاقتراب دون الاهتمام بما سيحدث لهم بعد ذلك‏.‏

 

وفي أسيوط شهدت منطقة الوليدية بحي شرق مدينة أسيوط انهيارًا أرضيًّا؛ وذلك نتيجة انكسارٍ كبيرٍ في خط الطرد الرئيسي قطر 35‏ بوصةً‏ الذي يحمل شبكات الرفع إلى محطة الصرف الرئيسية‏، وكاد الانهيار يهدد بكارثة لعشرات المنازل بالمنطقة.

 

(إخوان أون لاين) نزل إلى موقع الهبوط بشارع الجيش، وحاول رصد الحقيقة الكاملة، رغم الكردون الأمني الذي يحاصر المكان لحين صدور التقرير الفني والانتهاء من كافة الإصلاحات، من خلال لقائنا بمهندسين هيئة المساحة المسئولة عن السيطرة على الهبوط، والعمال في موقع الهبوط، والضباط المحاصرين للموقع، والأهالي المتضررين، وأصحاب المحلات التجارية المجاورة، إلى أن وصلنا إلى الخبراء والمتخصصين:

المسئولون خائفون!

بدايةً الجولة كانت مع أهالي المنطقة من المتضررين، الذين أُجبروا على إخلاء مساكنهم على الفور، والذين قابلونا بصرخاتٍ استغاثية من كمِّ الظلم الواقع عليهم، ومن الوعود الزائفة التي يُطلقها المسئولون، والذين اكتفوا بالجلوس تحت الظل لمتابعة الهبوط من بعيد.

 

وذكر عبد الحكيم (أحد الأهالي بالمنطقة) أن المسئولين جاءوا متأخرين جدًّا، وعندما جاءوا خافوا أن يقتربوا من موقع الحادث خوفًا من سقوط الأرض بهم، وقام الأهالي وأصحاب المحلات بسرعةٍ لإنقاذ باقي العربات من السقوط داخل الحفرة، في ظلِّ محاصرة الأمن وقوات الإنقاذ للموقع، واكتفاؤهم بمتابعة الحدث من الخارج إلى أن اطمأنوا للوضع فبدءوا في الانتشار.

 

 الصورة غير متاحة

شارع الجيش من أكثر شوارع وسط القاهرة ازدحامًا

ويقول علاء عبد الله (أحد سكان العقار رقم 6 والذي تم إخلاؤه): إنه من أكثر سكان العقار تضررًا؛ لأنه وقت إخلاء الشقة لم يكن موجودًا نظرًا لظروف عمله، وعندما عاد رفض الحي أن يصعد إلى شقته ويجمع ممتلكاته أو يحصل على أيٍّ منها، فضلاً عن عدم امتلاكه لسكنٍ آخر، ومنذ حدوث الهبوط وهو يتنقل عند أصدقائه يومًا بعد يوم؛ مما يُشعره بالمذلة، وعندما حاول أن يقوم بتأجير شقه طلب منه المالك مبلغ وقدره خمسة آلاف جنيه، معللاً ذلك بحصوله على 30 ألف جنيه كتعويضٍ من الشركة في الشهر.

 

أما عن التعويضات التي وعدهم الحي بصرفها، قال علاء إن الحي قام بصرف مبالغ مالية لهم، قيمتها ثلاثة آلاف جنيه تعويضًا عن يوم الجمعة والسبت والأحد الماضية، وفاجأهم الحي يوم الإثنين الماضي بتخفيض المبلغ إلى 500 جنيه فقط في اليوم، وعندما استفسروا عن سبب التخفيض قال لهم الحي: "لقينا 1000 جنيه كتير على الشقق اللي كنتم قاعدين فيها، وأن 500 جنيه تكفي!!".

 

ناس وناس!

ويقول عماد الديب (صاحب مقلة بركات بحي باب الشعرية) والذي كان شاهدًا على الانهيار الذي حدث، فقال إن هذا الانهيار حدث على مرحلتين، فكانت بداية الحفرة على عمق 25 مترًا، ثم بعد ذلك وصلت إلى 50 مترًا، وكالعادة تحرَّكت قوات الإنقاذ والأمن بعد حدوث الوقعة بساعات عديدة، فضلاً عن مكوثها لساعاتٍ أخرى طويلة أمام الهبوط مرتبكة وحائرة فيما تفعل ومن أين تبدأ، وقال وصفًا للعشوائية التي تعاملت بها الحكومة: إنها صرفت تعويضًا فوريًّا قدره 10005 جنيهات، لأحد الأهالي الذي ابتلعت الأرض عربته في الهبوط، وفي نفس الوقت لم يتم صرف أية تعويضاتٍ لأصحاب المحلات أو الأهالي المتضررين.

 

وقال لنا أحد الأهالي المطرودين من مسكنهم: إنهم بعد أن نفَّذوا كلام الحي بإخلاء شققهم، تم نقلهم إلى فندق القوات المسلحة، بمصر الجديدة، وظلوا هناك لمدة يوم واحد، وفي صباح اليوم الثاني طالبتهم إدارة الفندق بالرحيل على الفور وترك المكان فورًا، وعندما تساءلوا عن السبب قيل لهم: "أنتم مش عارفين تتعاملوا مع تقنيات الفندق وآلياته ودا مستوى تاني"!!.

 

تحت الظل!!

وذكر لنا آخر، والذي افترش الأرض، أن الحي يتبع معهم سياسة الإرهاب، وأضاف قائلاً: "لا أحد يجرؤ أن يقترب من مكان كبار اللواءات والمباحث الذين يجلسون في الظل، وواضعين "رِجل على رجل"، ومرتدين للنظارة الشمس، ومكتفين بأن يتم تصويرهم من قِبل وسائل الإعلام، وحتى يُقال "يا عيني مفحوتين وشايفين مصالحهم"، فمن الطبيعي اللي هيحاول يقترب من هذا الجو المكهرب سيفكر ألف مرة قبل أن يخرج الكلام من فمه، وقبل أن يذهب إلى هناك".

 

مفيش تعويض!

 الصورة غير متاحة

 أحد المنازل المضارة من الانهيار الأرضي

وانتقلنا إلى أصحاب المحلات التجارية المحيطة بموقع الحادث، والتي شُوهد أن جميعها مغلقة، وأصحابها افترشوا الأرض في حالةٍ يُرثى لها، وبادرنا صلاح محمد (صاحب محل للكاوتش) الذي افترش الأرض أمام محله، قائلاً إن الحي طلب منه غلق المحل على الفور وقهرًا، وعندما سألهم عن التعويضات التي سيحصل عليها نتيجة الخسائر التي سيتكبدها نتيجة غلقه للمحل، لم يجبه أحد، وقالوا له بصيغه تهديدية "لو مقفلتش مش هيحصلك طيب ومفيش تعويضات هتأخذها وإحنا مالنا"، ورغم ذلك قام صلاح بفتح المحل مرةً أخرى وهو يقول: "بقالنا 6 أيام ومفيش تعويضات، ولا في حد راضي يكلمنا، ولذلك أنا فتحت واللي يعملوه يعملوه".

 

وعلى نفس الوتيرة يؤكد صاحب محل سباكة مجاور للمحل السابق أنه لم يتم صرف أية تعويضاتٍ لهم عن الأيام التي قاموا فيها بغلق المحل، ويعدُّ هذا هو اليوم الأول الذي قام فيه بفتح المحل، بعد أن طالت وعود وتأجيلات المسئولين الكثيرة، وبعد أن أخذ في اعتباره فقط الموظفون الذي يعملون معه والبالغ عددهم أكثر من 10 موظفين، بمعنى أن 10 أسر حياتهم مهددة، بعدما فقدوا مورد رزقهم الرئيسي، وأنهى حديثه بقوله: "حسبنا الله ونعم الوكيل في هذه الحكومة، كل يوم والتاني مش سيبانا في حالنا بكوارثها".

 

مماطلة!

بصرخات استغاثية قال محمد فهمي (صاحب شركة تسويق العقاري)، "كل التصريحات والوعود اللي بتقولها الحكومة نصب في نصب، ومفيش حد ولا تعويضات ولا حتى راضي يكلمنا، ولما نروح عايزين نكلمهم في رئاسة الحي يقولوا لنا الريس مشغول، تعال كمان ساعة، ولما نيجي بعدها بساعة يقولنا ده مش موجود وإحنا بأعيننا شايفينوا جوه".

 

وأضاف قائلاً: إن مطالبتنا الشركة بأن تُعطي لنا تعويضات، ليست زكاةً أو صدقةً يمنون بها علينا، ولكن التعويض حقٌّ لنا على الخسارة التي تكبدناها نتيجة إهمالهم، ومن المفترض أن يكون تعويض الخسائر بناءً عن حجم الخسائر بالضبط، ويقول فهمي: إنه من الطبيعي أن يكون هناك بيننا وبين الشركة الفرنسية القائمة على المشروع اتصال مباشر؛ لأننا نعلم جيدًا أن الأموال التي تصل إلينا هي الفتات؛ لأنه سيتم تقسيم الأموال على الكبار، وفي النهاية نجد المماطلة للهروب من إعطاء الناس حقوقهم، وأول البشاير تخفيض تعويض الأهالي من 1000 جنيه في اليوم إلى 500 جنيه.

 

هنفتح من تحت لتحت!

ولفت نظرنا رجل يفتح دكانه نصف فاتحة، ويتردد عليه واحد تلو الآخر، ويقوم بإعطائه أكياسًا من الأرز أو العدس وغيرها، ثم يقوم بغلق الدكان مرةً أخرى إلى أن يأتي غيره، فكان هذا هو الحاج محمد صاحب دكان البقالة أسفل العقار رقم 6، والذي تمَّ إخلاؤه؛ حيث ذكر لنا أن رمضان بالنسبة له هو الموسم الذي ينتظره من العام للعام، وبقرار الحي بإخلاء المكان يكون قد دمَّر هذا الموسم، وأضاف أن ما يتردد من أنباء أن الشركة الفرنسية قامت بصرف مبلغ قدره 40 مليون دولار تعويضاتٍ للخسائر، وإلى هذا الوقت لم يتم صرف أي تعويضاتٍ للأهالي أو أصحاب المحلات، التي تُقدَّر بـ25 محلاًّ تجاريًّا قاموا بإغلاقها، ووعدنا الحي بصرف ما بين 60 جنيهًا و250 جنيهًا في اليوم عوضًا لنا عن إغلاقنا للمحلات، وإلى هذه اللحظة لم ينفذ كلام المسئولين ولم نرَ "ولا تعويضات ولا غيره".

 

تعتيم!!

واتجهنا بعد ذلك للمحاولة من الاقتراب من موقع الهبوط الذي تمَّ إحاطته بكردون أمني، ولكن دون جدوى وتمَّ منعنا تمامًا من الدخول، وعندما حاولنا أن نسأل رئيس العاملين بهيئة المساحة التي تعمل داخل موقع الحدث عن أية استفساراتٍ عن طبيعة الوضع، ومدى استقراره رفض الحديث مطلقًا، وقال: غير مصرح للحديث مع الإعلام، فقلنا له أليس هذا شيء يدعو إلى الشك والريبة، قال لنا "هذه أوامر علينا.. والأمن متابعنا كويس إن كنا بنتكلم ولا لأ".

 

وفي خلسةٍ وبعيدًا عن أعين الأمن اتجهنا إلى أحد المهندسين العاملين بهيئة المساحة، والذي تحدَّث إلينا على عجلة وتواريًا عن أعين الأمن قال لنا: إن الوضع الحالي للتربة مستقر نوعًا ما، بالرغم من ردمهم للتربة منذ يومين وهبوطها مرةً أخرى، إلا أنهم الآن يقومون بحقن التربة بواسطة ماكينات "جاست" لمنع حدوث هبوط للتربة مرةً أخرى، وفي نفس المكان يقومون بملء التجويف الأرضي بالإسمنت والخرسانة لغلق الحفرة نهائيًّا.

 

وذكر مسئول آخر من داخل الموقع- رفض ذكر اسمه- أن "القومية للأنفاق" قامت بصبِّ أعمال خرسانة بلغت كميتها 550 مترًا مكعبًا في موقع التصدع بهدف تثبيت التربة السطحية، كما تواصل الهيئة استكمال أعمال كبس التربة ومراقبة أي تطورات يمكن أن تحدث خلال الأيام المقبلة في منطقة الهبوط الأرضي.

 

مخلفات!

 
 
واتجهنا بعد ذلك إلى الخبراء والمتخصصين لتوضيح الوضع ولبحث مدى خطورته ومدى احتمالية تكرار هذه الظاهرة مرات أخرى عديدة في مناطق مختلفة؛ حيث قال الدكتور علي السكري خبير الجيولوجيا: إن هناك ثلاثةَ أسباب رئيسية تسببت في حدوث الانهيار بمنطقة باب الشعرية، مرجعًا السبب الأول إلى عمليات الحفر والتكوين بالنفق، التي تسببت في إحداث خلل بالهندسة الأرضية للتربة، والسبب الثاني يرجعه إلى تهالك شبكات الصرف الصحي، وتزامنها مع عمليات الحفر، وتوالي الانفجارات بشكلٍ متتابع داخل التربة، وترك المياه داخل الأنفاق مع التراخي في حلها؛ مما أدَّى إلى ضعف التربة، وبالتالي عدم تحملها لأيٍّ من عمليات الحفر التي تتم بها.

 

أما السبب الثالث فيرى د. السكري أن ارتفاعَ منسوب المياه الجوفية في التربة بدرجةٍ عالية جدًّا قد تصل إلى غمر بعض القرى والبيوت القروية هناك، وأكد أن الانهيار في منطقة باب الشعرية متوقع بصفة عامة لأن هذه منطقة، مكان سكني قديم، فضلاً عن أن التربة هناك تربة "ريدبية" نتيجة ترك الأجيال المتوالية لمخلفاتهم، دون وجود أي محاولةٍ لتصليح ما أفسده الجيل القديم، بالإضافةِ إلى أن منطقة باب الشعرية كانت من قبل منطقة قبور ومخلفات الموتى أدَّت إلى ضعف التربة.

 

وأشار د. السكري أن العلم تطوَّر بشكلٍ ملحوظٍ وعالٍ جدًّا دون وجود لأي قيود له، فأصبح يوجد مجالات هندسية خاصة بتطور التربة، فهناك مواد يحقن بها حبيبات التربة "مواد بلاستكية"، وأخرى تُستخدم لسدِّ الفجوات بين حبيبات التربة، وتعطي التربة صلابةً وقوةً تمنعها من تسرب المياه خارجها، فضلاً عن وجود الحوائط الخرسانية التي تساعد في صدِّ المياه الجوفية، وفي نفس الوقت تقي التربة.

 

وأضاف أن الانهيارات كلها محلية ومؤقتة ومرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأماكن معينة وبمواقع بعينها ويجري التعامل معها بواسطة مجموعة من العلماء والمتخصصين، الذين يقومون بالرصد العلمي للوصول إلى مخرج، وللتغلب على أسباب تكرار الانهيار مرةً أخرى، موضحًا أن هذه المشاكل تقابل العديد من بلدان العالم، وفي نفس الوقت تتغلَّب عليها وتقوم في النهاية بعمل المشروع بنجاح.