علاج قرآني لضعف العزيمة والهمة:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)﴾ (التوبة).

 

العلاج يكون بتصحيح المفهوم والتصور وضبط النية، لأن السبب الرئيس في القعود والكسل، أو الخوف والوجل من العمل الصالح وما يترتب عليه من بعض المكروهات، هو الخوف من الخسارة للمكسب الدنيوي، بينما المؤمن يعلم أن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات.

 

ثلاث أعمدة رئيسة يدور حولها هذا الموضوع:

العمود الأول: أن المستفيد الأول من الطاعات هو أنت، الخاسر الأول من القعود عن الطاعات أو البخل بالنفقات من كل صور الإنفاق من الوقت والجهد والمال والعلم هو أيضًا أنت، وهنا إذا ترسخ في النفس هذا الدافع بمنطق المكسب والخسارة وتغليب الحرص ما ينفع على ما يضر، وما يبقى على ما ينفي، كان هذا هو منتهى الذكاء والفطنة "الكَيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" (رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد)، بل وبمنطق التجارة والربح والخسارة، فالأعمال الصالحة هي أعلى استثمارًا، وهذا هو الذي أدركه عثمان بن عفان التاجر الغني الدارس جيدًا للسوق التجارية، فقد باع قافلة التجارة لله الذي يعطي على الحسنة عشرة أمثالها، على سبعمائة ضعف، فأي بورصة دنيوية، وأي مشروع في الدنيا يحقق سبعمائة ضعف رأس المال، هكذا أفحم الصحابي الجليل جميع التجار الذين جاءوا يزايدون على شراء القافلة بعد أن باع لله- عز وجل- وهذا هو صهيب بن سنان الرومي الصحابي الجليل سابق الروم كلهم إلى الإسلام، الذي حصل على ربح شهد به النبي صلى الله عليه وسلم عندما مدح صنيعه بالهجرة من مكة لله تاركًا ماله ابتغاء مرضاة الله فقال له الرسول الكريم: ربح البيع يا صهيب، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)﴾ (الصف) لعلها مقولة الإفلاس والخسارة يضبط ميزانها التجاري رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول للصحابة رضوان الله عليهم: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المفلس من جاء يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام وحج، ويأتي وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرح على سيئاته ثم طرح في النار" (رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم).

 

العمود الثاني: ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية 12) لكتابة بقلم القدر الذي جف ورفع وطويت الصحف التي كتب فيها تعطي المؤمن عزة وقوة وطمأنينة إلى جنب الله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51)﴾ (التوبة)، والملاحظ لنا هنا ولهم هناك، فكله لنا وليس علينا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فتلتقي الأحداث كلها على أنها من رب العزة القوي القادر العليم اللطيف الخبير، فتطمئن إلى أن الخلق كلهم أدوات، وأنك تسترد القدرة وتأخذ الأجرة.

 

ومن زاوية ثانية أنك لا تهرب من تكليف خشية أن يصيبك مكروه، فلو أن الله يعلم أن في هذا ضررك ما كلفك به وهو يحبك وأنت تحبه ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: من الآية 19)، واعلم أنه لا يغني حذر من قدر، بل إن الأصل في الحذر ليس القعود، ولكن أخذ الحيطة قبل التنفيذ والجد والعزم على المسارعة في الخبر جمعت في كلمتين: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النساء: من الآية 71).

 

العمود الأخير: ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: من الآية 121)، تأمل يا أخي- هدانا الله وإياك- هذه الجملة الموجزة.. ما دام الجزاء سيكون من الكريم على مستوى أحسن أعمالك، ألا يدفع هذا المؤمن الفطن الكيس إلى أن يجيد ويتقن في كل المرات لكي يحاسب على هذا المستوى العالي، وهذه الفئة والشريحة الحسابية، كلما حققت مستوى أفضل، وأداءً أكمل من أي عمل صالح، سجلت رقمًا قياسيًّا في أعمالك سيحاسبك الكريم يوم القيامة على كل أعمالك بمستوى هذه القمة التي بلغتها ولو مرة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: من الآية 26)، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يدل أمته على الخير: "إذا سألتم فسلوه الفردوس الأعلى" رواه مسلم.

 

حديث يحيى بن زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا- عليهما السلام- بخمس كلمات أن يعمل بهن، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى- عليه السلام- إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن.. أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وآمركم بالصلاة، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة فيها مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، وقال لهم هل لكم أن أفدي نفسي منكم، فجعل يفدي نفسه منه بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله، وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في أثره، فأتى حصنًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان، إذا كان في ذكر الله".

 

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأنا آمركم بخمس أمرني بهن: الجماعة والسمع والطاعة، والجهاد في سبيل الله، والهجرة، فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من حثى جهنم، قالوا يا رسول الله: وإن صام وصلى فقال وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله- عز وجل- المسلمين المؤمنين عباد الله" رواه الإمام أحمد وهو حديث حسن وجاء في تفسير القرآن العظيم للإمام بن كثير ج1 ص 56.

 

مرض الاختلاف بعد العلم:

جميع آيات القرآن الكريم ما عدا الآية 93 من سورة يونس: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ذكر فيها سبب الاختلاف بعد العلم بسبب مرض واحد هو البغي بين أهل العلم أو من جاءهم العلم، وقد يكون الاختلاف بسبب الجهل مفهومًا ومتوقعًا، أما أن يكون الاختلاف بعد أن يأتي العلم فهذا سبب لا يمكن أن نستنتجه من عندنا إلا أن نعلم خبايا النفوس، ولا ينبئك مثل خبير عليم بذات الصدور، فأخبرنا بالسبب الحقيقي الدفين: البغي والتحاسد، والتضاغن في القلوب والنفوس يدفع للاختلاف حتى مع العلم، حتى وبالعلم نفسه، كأداة للبغي والظلم وأكل الحقوق والتدليس على الآخرين، ولي النصوص، وتسخير الدين للهوى، والتلاعب بالأحكام، وكل هذا بعد نزول العلم، فيؤدي والعياذ بالله إلى الضلال: ﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (الجاثية: من الآية 23)، لذا كان الحديث الجامع المانع، والمحذر من مكامن الخطر من أن نار جهنم أول ما تسعر بعالم من العلماء جاءه العلم فاستعمله في غير موضعه، فأضاع العلم، وأضاع نفسه، وحرم الأمة من خيره وخير ما حمله الله، فكان كالحمار يحمل أسفارًا، بالتشبيه القرآني المنفر.

 

يقول الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم: "تعلموا العلم لا لتماروا به السفهاء، ولا لتجادلوا به العلماء، ولا لتحوزوا به المجالس" (رواه ابن ماجه والحاكم).

 

فتكون ألفاظ الحديث محذرة ومنبهة وناهية قبل أن تكون آمرة، خاصة فيما يتعلق بالنية والقصد من تعلم العلم، فكان من البديهي أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم تعلموا العلم لتحققوا به كذا وكذا، أو لتكون نيتكم في تعلم العلم وقصدكم من هذا الغرض النبيل غاية كذا وكذا، ولكنه الموحى إليه من ربه العليم بذات الصدور، حذرنا من هذه النيات الثلاث الخطيرة والتي فعلاً أهلكت من قبلنا، والتي إذا فعلت أهلكت كثيرًا من أبناء هذه الأمة.

 

وعندما ندقق في علم رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف استخدمه في تعليم أصحابه، وكيف ترفق بهم في تعليمهم وتربيتهم، لأنه لم يكن هدف نقل العلم فقط، ولكن الحرص الشديد على نجاة من يعلمه، وإنقاذه من الظلمات إلى النور، ودلالته برفق وحب وشفقة على طريق الهدى، وفي قصة الشاب الذي جاء يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الزنا، لم يواجه بالحكم الشرعي، ولا بالعقوبة الدنيوية والأخروية، ولكنه أجلسه وعالجه وأوصله إلى بغض المعصية عن اقتناع وحب الطاعة عن رضا، ولقد تعلم في بيت النبوة الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فلما رأيا الشيخ الذي لا يحسن الوضوء كان هدفهما نقل العلم إلى الجاهل، وتقديم القدوة مع التلطف في النصيحة، وعدم ترك المخطئ على خطئه، مع المحافظة على احترام الكبير، كل هذا راعياه في النموذج العلمي عندما قال أحدهما: للشيخ: يا عماه إنني وأخي هذا اختلفنا أينا يحسن الوضوء، فاحكم بيننا، فتقدم الحسن فتوضأ وأحسن، وتقدم الحسين فتوضأ وأحسن، فقال الرجل: والله إنكما تحسنان الوضوء وأنا الذي أسيئه، فصلى الله عليه وسلم وبارك على جدهما وزوجاته أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته، واحشرنا اللهم معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

 

﴿َلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الأنعام: من الآية 92)، ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: الآية 19)، وكل الدنيا هي حولها، حتى قيل: إن مكة هي مركز الأرض.

 

دوائر نشر الدعوة الإسلامية ذكرت بتلميح ينتفع به لكل الدعاة في كل زمان ومكان، وهذا يفرض الحركة في جميع الاتجاهات والدوائر، وهذا تنبيه إلى عدم ترك موقع جغرافي، ولا شريحة بشرية، ولا ظرف زماني، إلا كان علينا نشر الدعوة فيه، يا أيها الداعية في كل مكان وزمان قد جاءت السنة النبوية الشريفة، والسيرة الطاهرة، شارحة مبينة وضاربة المثل الأعلى في هذه الشمولية الموضوعية والزمانية والمكانية والبشرية، بل وللإنس والجن قاطبة، فكانت البداية رجلاً وامرأةً وصبيًّا، وحرًّا وعبدًا، وعربيًّا وأعجميًّا، وإنسيًّا وجنيًّا، شملتهم الدعوة ولاقت في الصالحين منهم قبولاً.. بل تعال معي أخي لنسمع قول الحبيب المصطفى غضًا طريًّا شارحًا موضحًا بل سابقًا علوم البشر وأجيالاً تأتي من بعده تحبه صلى الله عليه وسلم وتؤمن به، وبما جاء به، بل وتقف مبهورة مندهشة وسعيدة بما سبق به الإسلام علوم البشر في هذه اللمحات الذكية للدعاة العالمين الذين ينتفعون بما بعثه الله من الهدى، فكانوا كالأرض الخصبة تنتفع وتنفع غيرها بخيره والخير الذي أنزله الله إليهما.

 

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الدال على الخير كفاعله" (رواه الترمذي)، وعند الإمام مسلم "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى الهدى كأن له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" (رواه مسلم)، إنه عمل تمتد آثاره إلى يوم القيامة، وإلى من سمع منه وأخذ عنه، فمن علم أو لم يعلم، وممن أخذ عنهم وهكذا إلى يوم القيامة.

 

هذه خطة الدعوة الإسلامية الشاملة يرسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أثر العمل الصالح، فالله يصلح، أي ببركة عملك الصالح، أي بقدوة عملك الصالح، أي بأثر عملك الصالح في الآخرين، وليس بك شخصيًّا، وإلا فما كان لغياب أهل الكهف كل هذا الأثر في غير وجود أشخاصهم وذواتهم ومجهوداتهم.

 

فهو دين الله وهي دعوة الله، وأنت عبد الله، شرف لك أن يستعملك لدينه، وعز لك أن تكون من جند دعوته وإلا: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: من الآية 54).

 

﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (الأعراف: من الآية 179).

 

يتكرر هذا الوصف في القرآن الكريم عن الغافلين أو الذين حرمهم الله الانتفاع بسمعهم وأبصارهم وعقولهم وقلوبهم رغم أنهم يسمعون الأصوات ويرون الأشكال والألوان، ولكن استنتاجات العقل وتأثرات القلب غير موجودة.. بدليل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (الرعد: من الآية 19)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (ق: من الآية 37)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" (رواه الطبراني بسند حسن)، فهل هناك سمع آخر غير سمع الأذنين، أو رؤية أخرى غير رؤية العينين، أو لب آخر غير العقل، أو بالأحرى عقل آخر غير المخ، أو قلب آخر غير المضغة اللحمية التي في الصدر؟

 

لقد شغلني هذا المعنى كثيرًا، وأتوقع أن يكون هناك للروح سمع وبصر ولب كما للجسد، وأن يكون بين سمع البدن وسمع الروح صلة، وبين بصر الجسد وبصر الروح صلة، وبين عقل أو مخ الجسد وعقل أو لب الروح صلة، وكذلك بين قلب الجسد وقلب الروح صلة، ما هي؟ الله أعلم، ونسمع عن تبديل صمامات القلب، بل وزرع القلب، فهل بعد تغيير قلب الجسد يتغير شيء في قلب الروح؟ أبدًا، كذلك لو نجحوا في تغيير العينين والأذنين فهل الاستفادة البصرية والسمعية والانتفاع الحقيقي يختلف؟ أبدًا، لأن هذه الحواس لها صلة بالجسد، والمردود على النفس والروح يأتي من مصدر واحد.. ولنستمع لقول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: من الآية 46)، ولقد ورد في الأثر: (فإن القلوب إذا كلت عميت)، فما هو هذا العمى إذن؟ هل هو عدم القدرة على الرؤية؟ أم عدم القدرة على البصيرة والفقه والاعتبار؟ ومن هنا ما هو مفهوم أن يختم الله على القلوب، أو يضع على العين غشاوة، أو يكون على القلب قفل، أو يضرب الله على الأذن؟ وما هي الحكمة في أن يكون للقلب أذينان يشبهان صوان الأذن الخارجية، وتبدأ منهما المركزية العصبية لانقباضات القلب، وإذا كان ذلك كذلك فما هو المرض القلبي؟ وإذا كان المرض القلبي في القرآن الكريم له اهتمام كبير، وينبه إليه المؤمنون حتى ينزعجوا لأمراض قلوب أرواحهم أكبر من انزعاجهم- بمراحل- لما يصيب قلوب أجسادهم من تلف صمامات أو اضطراب ضربات أو ضيق الأوعية الشريانية الموصلة للتغذية الدموية.

 

ومن هو أخصائي القلب الروحي الذي نهرع إليه فزعًا مما أصاب قلوب أرواحنا من تلف أو مرض أو حرمان من تغذية الروح من غذائها بمعنى يقابل نقص التغذية الدموية لعضلة قلب البدن.

 

إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، طب القلوب ودواؤها، وشفاؤها بينته وسيرته وخلقه وإيمانه ونصائحه ووصاياه وتحذيراته فهو يحلل لك التحليلات التي تكشف عن أمراض قلبك، ويصف لك الدواء الناجع لعلاجها، والتي ليس لها علاج في سواه، بل من شفقته بالأمة، وحرصه على قلوبها وسمعها وأبصارها أن تظل تؤدي وظيفتها الفسيولوجية للبدن والروح، فإنه يحذر من أسباب الأمراض، وأسباب الغشاوة على العين، وأسباب الختم على القلوب والأسماع.

 

فران صدأ على القلب الروحي، والصدأ يمنع حساسية المعدن، ويقلل من جودة توصيله للحرارة الإيمانية، والكهرباء الوعظية؛ لذلك كانت روشتة رسول الله صلى الله عليه وسلم- لجلاء هذا الصدأ- وعلامة وجل قلب الروح، ارتعاش واهتزاز ضربات قلب البدن ﴿إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 3)، ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (الزمر: من الآية 23)، ويقول الصحابي الجليل أبي نجيح العرباض بن سارية- رضي الله عنه- "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، فكما أن ما يصل إلى قلب البدن من أدوية عن طريق الدم يعيد توزيعها إلى الحواس لتحقق علاجها وشفاءها من أمراضها، كذلك العلاقة بين قلب الروح وعين الروح.. والله أعلم.

 

وتعالوا إلى هذا التحليل الدقيق لأعراض أمراض القلوب بأجهزة حساسة لا تخطئ، لأنها من المعصوم صلى الله عليه وسلم: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" (رواه البخاري ومسلم)، أما من ناحية الشفاء من الأمراض فقد لاحظ كثير من الأطباء المتخصصين تداخلاً عجيبًا بين تحسن الحالة الإيمانية الروحية، وتحسن الحالة الصحية البدنية، والعكس صحيح، ولعلها نصيحة واجبة لكل الأطباء المسلمين الراغبين بصدق في الشفاء الحقيقي لمرضاهم، أن يضمنوا روشتاتهم لمرضاهم بعض النصائح والتوجيهات الإيمانية مع الوصفات الدوائية والغذائية، لأن القلق على الرزق والعمر والمستقبل، وعدم اليقين بأن كل ذلك من أقدار الله الحكيم الخبير، هذا القلق سبب كثير من الأمراض العضوية المستعصية، ولا يجدي معه العلاج الدوائي فقط.. وانظروا بعين قلوبكم أيها القراء إلى قول الله- عز وجل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (9)﴾ (النساء)، هذا وحده علاج رباني لكثير من أمراضنا، ألم يقل ربنا عز وجل- عن القرآن الكريم: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: من الآية 57)، ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ (فصلت: من الآية 44)، أليس الامتناع عن أكل المحرمات من المأكولات والمشروبات علاجًا لأمراض أو وقاية من أمراض بدنية جسدية بحتة؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم" (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح)، أليس يلحق بهذا أكل المال الحرام سواء بسواء مع أكل لحم الخنزير، وشرب الخمر والمسكرات والمفترات؟ إن الاهتمام بهذه الأوامر والنواهي يجب أن يكون جزءً أساسيًّا من خطة علاج أطباء الباطنة والقلب وجراحي القلوب خاصة، ولا يقول قائل: هل هذه هي أسباب الأمراض؟ إذن فلا داعي للبحث عن أسباب مادية أو لا داعي لعلاج دوائي، وهذا خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عباد الله تداووا" رواه أبو داود، وما ثبت بالدليل العلمي القطعي أن هناك أسبابًا ماديةً للأمراض ولكن يجب أن يكون تفكيرنا شاملاً لعلاج الروح والبدن، ليتم شفاء الإنسان الذي هو روح وجسد، وتداخل تأثير كل منهما على الآخر، مقطوع به، واسمع معي أخي قول المعصوم صلى الله عليه وسلم ما معناه: "ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها، إلا ابتلاهم الله بالأمراض والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم" (رواه ابن ماجه)، ووصيته للصحابي الجليل: "لا تغضب"، "إذا غضب أحدكم فليتوضأ، فإن الغضب من الشيطان"، تفسير ذلك أن الشيطان من نار، والنار يطفئها الماء، فما بالكم بماء الوضوء، رغم اليقين بزيادة الإدرينالين عند الغضب، وآثار الإدرينالين الزائد المضرة بكل أجهزة الجسم وأنشطتها، فإذا تم تقليص الإفراز بطريقة تعالج الأصل وهو الشيطان المثير والمهيج، بل وتم تقوية الروح لترتفع بالبدن عن طينته، وتسمو به عن غرائزه السفلية، وتحصنه من الشيطان، لحققنا كل الشفاء، بل ولكانت هناك وقاية من تكرار الحدوث، وتخيل يا أخي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي ينام حتى تطلع الشمس ويحرم نفسه من صلاة الفجر: "ذاك بال الشيطان في أذنيه" (رواه البخاري ومسلم)، ليس في أذن واحدة بل في الاثنتين، وتصور ماذا يمكن أن يترتب على دخول بولينا الشيطان في الأذنين؟ طبعًا لا أقصد أن ذلك سيعطل السمع المادي للأصوات، ولكنه بلا شك سيؤثر على أذن الروح فيحرمنا من سمع الانتفاع، خاصة مع تكرار حدوث ذلك بدون توبة وإقلاع، فلا نستغرب بعد ذلك أن يقول ربنا- عز وجل: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 179)، ولعله من المفارقات أن تكون الخلقية والخلقية توأمان مع بعض الفروق في تشكيل الحروف، لنهتم بالاثنين معًا عند علاج العيوب والأمراض.

 

وأستعير هنا كلمات مضيئة للإمام البنا- رحمه الله ورضي الله عنه- مع تصرف في الألفاظ لتناسب المقام: (وعمل القلب مقدم على عمل الجارحة، وتحصيل الكمال مطلوب شرعًا وإن اختلفت مرتبتا الطلب)، لذا رأينا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفزعون عند إحساسهم بأن مرضًا ما دخل إلى قلوبهم، أكثر من فزعهم لو أخبرهم طبيب بأن هناك انسدادًا في شريان تاجي أو ضيق في صمام ميترالي؛ لأنهم علموا أن المرض البدني ابتلاء قد يكون عقوبة لمذنب، أو تكفيرًا وتطهيرًا من ذنب، أو دفعًا لدرجة طائع، وكله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن.. ويكون في الصبر على الابتلاء مع الأخذ بأسباب الشفاء المادية والمعنوية- أجر على الصبر وأجر على الأخذ بالأسباب، أما مرض قلب الروح فمثقال الذرة من الكبر تحرم من دخول الجنة مع الداخلين، فبأيها تبدأ يا أخي وبأيها تهتم ومن أيها تفزع، امرأة مسلمة كانت تصاب بنوبات الصرع المؤلمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرها: "إن شئت دعوت الله لك وإن شئت صبرت ولك الجنة"، قالت: "اصبر يا رسول الله، ولكن ادع الله لي ألا أتكشف"، أي أنها تخاف على دينها أكثر من خوفها على بدنها، وتبحث عن سلامة الأول قبل سلامة الثاني، وهذا كما قلت لا ينافي أبدًا البحث عن العلاج عند أهل الطب المتخصصين، والأخذ بجميع الأسباب المادية، ولكني أحببت أن ألفت النظر إلى هذه العلاقة الوثيقة بين الروح والبدن وأمراضهما، وطرق علاجهما معًا؛ لأن اهتمامنا بالثانية فاق بكثير اهتمامنا بالأولى، هذا إن وجد، والله ولي التوفيق وهو وحده القادر عليه ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾ (الشعراء).