يهل علينا هلال شهر رمضان من كل عام؛ فيفتح باب التنافس فيما بين المؤمنين الموحدين على عمل الخير والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، داعين الله سبحانه أن يجعل لهم رمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقًا من النار، لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِم" (صحيح الجامع).
وحتى لا يحرم الإنسان نفسه من رحمة الله، وحتى تحتضنه أبواب الجنة المفتوحة دائمًا في هذا الشهر، ويكون له من الحور العين نصيب، ويصير نومه عبادة وصمته تسبيحًا ودعاؤه مستجابًا وعمله مضاعفًا؛ فإنه يحاول التقلد بالرسول الكريم في فعل صالح الأعمال كالمداومة على تلاوة القرآن، وقيام الليل بين يدي الرحيم الرحمن.
ويتشبه المؤمن بالرسول الكريم في هذا الشهر كذلك في كرمه وسخائه، فقد كان- كما يصفه ابن عباس- أشد سخاء من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في رمضان عندما يأتيه جبريل يدارسه القرآن.
ولذلك نرى الكثير من المسلمين المقتدرين يجودون بما عندهم في رمضان، بل يتسابقون في ذلك عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "داووا مرضاكم بالصدقة، وطهروا أموالكم بالزكاة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع إلى الله".
وما أسعد أن تجتمع الصدقات وزكاة الأموال بزكاة الفطر تلك التي "فرضها رسول الله طهرةً للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين"، ولكن يخطئ الناس أخطاء شائعة ومتكررة في إخراج الزكاة وفي جمعها وتوزيعها على مستحقيها.
أول هذه الأخطاء- أن الكثير من المقتدرين من رجال الأعمال وأصحاب الثراء يؤجلون زكاة أموالهم وصدقاتهم إلى مجيء شهر رمضان فيخرجونها جملةً واحدةً بطرق قد لا تكون منظمة، ويترك الفقير بعدها لا يجد مَن يسأل عنه وكأن الخير مخصص فقط لرمضان، ولكني أقول لهم: إن رب رمضان هو رب جميع الشهور، وفقير رمضان هو فقير بقية الشهور.
وثاني هذه الأخطاء: أن الكثير من الناس ليس عنده الوعي الكافي في إخراج زكاة المال وزكاة الفطر فيدفعونها لأول طارقٍ يطرق أبوابهم حتى لو كان من خارج القرية؛ فيكثر المتسولون ولصوص الزكاة من الجماعات التي تدور في القرى والمدن فيجمعون أموالها ويتركون أهلها يعانون الفقر والحاجة، ولكني أقول لهم: إن الله سبحانه جعل الزكاة والصدقات تبدأ بالأقربين من الأهل والجيران أولاً، ثم تمتد بعد ذلك إلى الأبعد فالأبعد، يقول تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215)﴾ (البقرة).
وهناك مشكلة خطيرة كذلك أن الناس اعتادت أن تخرج زكاتها للفقراء البارزين المعروفين في كل قرية ومدينة وعددهم في كل قرية لا يتجاوز العشرين يدورون على المنازل في رمضان في شكل محموم؛ لأنهم اعتادوا أن يخرجوا من رمضان وفي جعبتهم آلاف الجنيهات، ولكننا لو أمعنا النظر وبحثنا عن الفقراء والمحتاجين حولنا في كل قرية لعلمنا أن عددهم يتجاوز المئات، منهم الموظفون والمعلمون وأصحاب المهن الذين قتلتهم الحاجة وكسرت أعناقهم الديون، ومنعتهم عزة نفوسهم من أن يشتكوا أحوالهم إلا لله، حتى إن الناظر إليهم يحسبهم أغنياء من التعفف يقول تعالى: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾ (البقرة).
ومن هنا أنادي الناس في منازلهم، وكل الجمعيات الخيرية والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية المعنية بجمع الزكاة في رمضان وغير رمضان ألا من نظرةٍ إلى هذه القلوب الموجوعة والعيون الباكية، والأجساد العارية بدون شكوى إلا لله، نحتاج في كل قرية إلى رجال مخلصين يعملون لله، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وما لا يكون بغير الله لا يكون، وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم.
-------------
* دكتوره في اللغة العربية- email:shaaban_bedair@yahoo.com