إن الإسلام هو الدين الخاتم الذي ارتضاه الله تبارك وتعالى وأكمله وأتم به على المسلمين نعمته، أراد لهم به أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس ريادة وقيادة وشهادة، وهذه الخيرية التي أرادها الله للأمة هي تكليف شرعي يجب السعي إليه وتحصيله، شأنه شأن جميع الواجبات الشرعية، ومن ثم فإنه في حالة التقصير فيه وعدم السعي لتحصيله وتحقيقه تقع الأمة كلها في حرج وإثم.

 

ولكي تصل الأمة إلى هذا المستوى كان ولا بد من إعدادها إعدادًا خاصًّا يتناسب مع متطلبات هذه القيادة، وهذا الإعداد لا يحتاج إلى وفرة في الأموال والموارد الطبيعية والقوة العسكرية، كما يزعم البعض ويروج إنما تحتاج إلى نفوس أبية كريمة عزيزة لا يقهرها الطمع، ولا تصغر أمام الدنايا، ولا تذلها الشهوات، ولا تستعبدها الأهواء، كما تحتاج إلى إرادة قوية صلبة لا تلين ولا تضعف أمام المغريات، ولا تقهر أمام العقبات.

 

وهذا ما يظهر لكل باحث في تاريخ الأمم، بل في تاريخ الأمة الإسلامية ذاتها، فالأوراق الزابلة في تاريخ الأمة كان وراءها طمع وجشع، ونفوس صغرت أمام الشهوات الدنيئة، وإرادات لينة متهالكة لم تصمد طويلاً أمام محنة أو شدة فكانت الهزيمة وكان التقهقر والتراجع وغيره.

 

لقد حرص الإسلام من خلال تشريعاته وتكليفاته أن يوجد هذا المسلم الذي لا تقهره الشهوات، ولا يتراقص طربًا أمام غنيمة أو دنيا، إنما يعرف أن غناه وسعادته واستعلاءه في إيمانه ودينه.

 

واليوم إذ تعيش الأمة في نفحات رمضان ونسمات الصيام عليها أن تقف على المعاني الحقيقية التي من أجلها شرع الصيام ودور هذه الفريضة في عملية إعداد الأمة وبنائها؛ لتقوم بدورها المنشود وتحقق الخيرية الموعودة، ولا تقف عند حدود شكل العبادة ومظهرها الخارجي دون أن تغوص في أعماقها وتصل إلى لبها.

 

إن الأمة اليوم مدعوة إلى تحقيق مقاصد الصوم في بناء وصياغة شخصية المسلم القادر على حمل تكليف القيادة والشهادة والنهوض بالأمة من عثرتها ووهدتها، ويتجلى ذلك من خلال الوقوف والاستفادة من المعاني التالية:

أ- الصوم والتغيير:

إن بداية النهوض لأي أمة أو أي فرد هو تغييره لنفسه تغييرًا إيجابيًّا يقطع فيه العادات الضارة، والتقاليد البالية، وتكون نفسه طيعة لينة في يده يوجهها حيث يريد، وحيث تكون النجاة ولا تجمد وتتصلب أمام موروثات العشيرة والعائلة وتربية الطفولة، بل الحكمة ضالته يبحث عنها فإذا وجدها فهو أحق الناس بها، والصوم يحدث هذا التغيير الإيجابي في حياة المسلم؛ حيث يمتنع المسلم طوعًا عما ألفه واعتاده من نظام في مأكله ومشربه ونومه ويقظته وهي أمور جوهرية في حياة الفرد كم قضت مضاجع أناس لعدم انتظامها في غير رمضان فإذا ما جاء رمضان تقبلها المسلم بصدر رحب، واستعذب عذابها وألمها ولم يتضجر منها بل احتسبها وفرح بها.

 

فهل يكون صوم رمضان فرصة لمن لا يقدرون على نفوسهم المتصلبة الجامدة العاكفة على الموروثات البالية وإلف الطفولة وغيرها؛ فيغيرونها إلى حيث يريد الله ورسوله فينتقل بنفسه من حالة الخذلان والضعف إلى الإيجابية، ومن حالة التميع والذوبان في الغير والإمعة إن أحسن الناس أحسنوا وإن أساءوا أساء إلى حالة توطين النفس إن أحسن الناس أحسن وإن أساءوا أحسن؟

 

ب- الصوم والعزة:

إن العزة مطلب تسعى إليه الأمم والأفراد، ولكل وجهة هو موليها في الوصول إلى مبتغاه، وقد قضى الله سبحانه وتعالى للأمة أن تكون عزيزة مهابة لكنه حدد سبيل المؤمنين للوصول إلى هذه العزة كما قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (فاطر: من الآية 10) وقوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، وعندما ظن نفر أن العزة قد تستجلب بولاية غير المؤمنين من المنافقين والكافرين؛ صحح القرآن الكريم هذا المفهوم الخاطئ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)﴾ (النساء).

 

فعزة المؤمنين واستعلاؤهم وهيبتهم بين الأمم في إيمانهم وامتثالهم لأمر الله ونهيه لا فيما بأيديهم من موارد وقوى، وهو ما فطن له أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما قال في فتح بيت المقدس "نحن قوم أعزنا الله بهذا الدين فلو ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".

 

إن الصوم الذي يرفع المسلم فوق الشهوات والصغائر، ويسمو بنفس الصائم ويحلق بها في الأفق العالي فلا ينظر لمأكل وإن كان شهيًّا، ولا لمشرب وإن كان عذبًا فراتًا باردًا، ولا لرغبة في زوجة مهما كانت، ويرفع المسلم في خلقه فلا يدرأ السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح وإن سابه أحد أو شاتمه أو قاتله قال إني صائم إني صائم، إنه الصوم الذي يرفع المسلم فوق الشهوات والأهواء والمطامع والدنايا، فقد غرس فيه الصوم تقوى الله ومراقبته وشعاره دائما ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ (المائدة: من الآية 28)، فلا رشوة، ولا ربا، ولا زنا، ولا قول زور، ولا جهر بالمعاصي إنما توقير لله وتعظيم أمره وندائه وتلك حالة جديرة أن يغرس الله في قلوب العالم تعظيم الأمة وتوقيرها.

 

هذا الصوم هو الذي يصنع عزة المسلم وسؤدده ومجده، ومهما لحق بالمسلم من بلاء فلا يهن ولا يحزن فهو الأعلى كما قال تعالى ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران).

 

فهل يكون صوم رمضان فرصة لمن ذلوا أنفسهم طمعًا ورغبًا في شهوة من شهوات الدنيا الزائلة؛ فيستعلون بإيمانهم وصومهم على هذه الشهوات، وهل يكون فرصة لمن وقعوا في كبائر الذنوب والمعاصي دناءةً منهم وضعفًا فيهم، فلم يملكوا أنفسهم بل ملكتهم أنفسهم الأمارة بالسوء فوجهتهم إلى حيث الخزي والعار؟

 

ج- الصوم وقوة الإرادة:

إن قوة الأمم والشعوب إنما تقاس بقوة إرادتها ورغبتها في التقدم وقهر الصعاب، والأمم التي تخر صريعة أمام أي اختبار لها هي أمم غير جديرة بالحياة فضلاً عن أن تكون جديرة بالقيادة، والإسلام إذ أراد للأمة أن تكون رائدة قائدة، فقد ركز على بناء إرادتها وتثبيتها وتقويتها وتحصينها من عوامل الضعف واللين.

 

إن الصوم يمد المسلم بغذاء روحي يوفر لإرادته جميع أسباب القوة فينهض ملبيًا نداء ربه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، مؤثرًا إجابة ربه على داعي نفسه وهواه، فيقدم ما يبقى على ما يفنى مستعذبًا ما يكابده ويعانيه طمعًا ورغبًا فيما عند الله؛ ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى اختار شهر الصوم لينزل فيه المنهج الذي يحتاج إلى أولي عزم يحملونه ويبلغونه وينافحون عنه.

 

إن هذه الإرادة هي التي تفتقدها الأمة في مواجهة خصومها، بل وفي بناء نفسها فكم مرة نهضت وتراجعت، وكم مرة وثبت ثم تقهقرت، وما ذلك إلا لتذبذب إرادتها وضعفها إن لم يكن فقدانها.

 

فهل يكون صوم رمضان فرصة لأصحاب الإرادات اللينة، ولأصحاب مشروع الاستسلام والانهزام والانبطاح فتقوى إرادتهم بالصيام، وتشتد بالقيام والاعتكاف وتخرج من رمضان وهي الأصلب عودًا والأقوى نفسًا فتقود الأمة إلى حيث يريد الله ورسوله لا ما يريده لها خصومها؟

 

د- الصوم والانضباط:

ما تذكر الأمم التي نهضت وتقدمت في مجالات الحياة المختلفة إلا ويذكر معها حالة الانضباط والنظام التي تشهدها في حياتها، وفي المقابل لا تذكر الأمم المتخلفة إلا بسجلها الحافل في الفوضى واللانظام في شتى وسائل الحياة.

 

والعجيب أن أمة الإسلام تنتمي إلى هذا المربع المخزي مع أنها مكلفة بفرائض تعنى بغرس الانضباط في سلوك أهلها، فالصلاة وهي فريضة يومية متكررة لها ميقاتها المعلوم، والزكاة مقدار معلوم من جنس معلوم تخرج في أوقات معلومة لأفراد معينين، والصوم عبادة سنوية لها وقتها المحدد شرعًا، والحج أشهر معلومات... ومع كل ذلك لا أثر لهذا الضبط في حياتنا ولا في خططنا ولا في برامجنا ولا في إداراتنا إنما هي عشوائيات وتخبط.

 

فهل يكون صوم رمضان فرصة لمن يتخبطون في حياتهم، ولا يحددون لأنفسهم هدفًا في الحياة، ودأبهم الانفلات من كل نظام فتستقيم أمورهم وتنضبط؟

 

إن الصوم الذي ينتهي بصاحبه إلى مجرد المعاناة من الجوع والعطش وشهوة الجماع دون أن تزكو نفسه بهذا الصيام، ويسمو بصيامه فوق الشهوات والمطامع، ويحدث تغييرًا حقيقيًّا جوهريًّا في حياته واختياراته ورغباته وأهوائه؛ هو الصيام الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

-------

* أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف