لا شك أن أوضاع ومآسي المسلمين في شتى بقاع الأرض، تحتاج منا جميعًا لوقفة ودراسة متأنيتين.

 

وجَزَى الله خيرًا أستاذي الدكتور عصام العريان على مقاله الأخير المعنوَن "جراح الأمة النازفة في رمضان"، والذي طاف بنا سريعًا وسط جراحات مؤلمة، وَجَبَ علينا الانتباه لها والتفكير في كيفية التعامل معها وتربية أبنائنا على أننا أمة واحدة والجرح الذي يصيب جزءًا منها فإنما يصيبنا جميعًا، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ المؤْمِنينَ في تَوَادِّهِم وَتَرَاحُمِهِم كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِد إِذَا اشْتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى والسَّهَر".. الحديث أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

 

ولكن، اسمح لي يا أستاذي الدكتور عصام أن اختلف مع حضرتك في جملةٍ واحدة من المقال، وهي التي علَّقتَ حضرتك فيها على تعامل حكومة غزة مع أحداث رفح قائلاً: "ولم نكن نتوقع أن تتعامل حكومة غزة بهذه السرعة؛ وذلك الحسم، وأن يتم قتل ذلك العدد الكبير دون قبض ولا تحقيق ولا محاكمة ولا مقدمات أو معلومات، وحتى الآن فالمعلومات شحيحة والأخبار متضاربة والصورة ضبابية".

 

اسمح لي يا أستاذي، أن نستعرض الموضوع مما نُشِرَ عنه في مختلف وسائل الإعلام، في محاولةٍ منا أن نحلل الأحداث، علَّنا نرى الصورة أكثر وضوحًا.

 

فالحدث أساسًا ليس إعلان د. عبد اللطيف موسى إقامة الإمارة الإسلامية المزعومة من خطبة الجمعة، إنما هذا الإعلان هو حادثة نهائية في سلسلةٍ من الأحداث بدأت قبل ذلك بكثير؛ حيث تم اكتشاف بعض عناصر هذا التنظيم وغيره من التنظيمات التي تتبنى الفكر السلفي الجهادي- بحسب ادعائها- تحت أسماء متعددة، منها: (أنصار السنة)، (جلجلت)، (جند أنصار الله).. إلخ وكَشْف علاقتهم بأحداث تفجيرية مختلفة في أنحاء القطاع لصالونات تجميل ومقاهي إنترنت وبعض دور العبادة الخاصة بالمسيحيين، إلى جانب مسئوليتهم عن بعض العمليات البدائية التي استهدفت قوات الاحتلال في القطاع، التي كان آخرها قيام عشرة من عناصر هذه الجماعة بمهاجمة موقع عسكري صهيوني يقع على الخط الفاصل بين القطاع و"إسرائيل"، وهم يمتطون صهوات الخيول، وهي العملية التي أسفرت عن مقتل خمسة من منفذي الهجوم، دون أن تعترف "إسرائيل" بإصابة أي من جنودها!! هذا بالإضافةِ أيضًا لاختطاف عددٍ من الصحفيين الأجانب، وفي مقدمتهم مراسل هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" آلان جونسون وعدد من العاملين في المنظمات الإغاثية ومحاولتهم اغتيال جيمي كارتر، فضلاً عن استهداف عدد من المسيحيين الفلسطينيين، فقط لكونهم غير مسلمين، وهو ما أسفر عن حالة سخط عارمة في القطاع!.

 

كُتِبَ ذلك في صحيفة الشرق الأوسط ومواقع قناة (الجزيرة) و(فلسطين الآن) و(المركز الفلسطيني) للإعلام، وبحسب الشرق الأوسط: فإن حركة حماس وحكومتها، قررتا خوض "نضال فكري" في مواجهة أتباع هذه التنظيمات إلى جانب المعالجة الأمنية.

 

وقال مصدر في حماس طلب عدم الكشف عن اسمه لـ"الشرق الأوسط": إن الكثيرَ من رجال الدين التابعين لحماس، شرعوا في زيارة الأشخاص الذين ينتمون لهذه التنظيمات، أو الذين يبدون تعاطفًا مع أفكارها، ودعوتهم إلى منتديات خاصةً لإقناعهم بالعودة عن تبني هذه الأفكار.

 

وقد صرَّح الدكتور يحيى موسى نائب رئيس كتلة حماس (التغيير والإصلاح) بالمجلس التشريعي: "إن التطرف ليس ظاهرة فلسطينية، يدور الحديث عن مجموعات صغيرة تتغذى على الفهم غير الصحيح للدين، ولا يمكن المقارنة بين حجم هذه الظاهرة في القطاع، وأي من الدول العربية، وبالتالي فإنه في حال تمت معالجتها بحكمة، فإنها لن تتقلص فقط بل ستزول وللأبد"، وحول الأسباب الكامنة وراء ظهور مثل هذه الجماعات، قال موسى: "إن انبعاث هذه الجماعات يأتي كردة فعل على ما تتعرض له الشعوب الإسلامية في كلٍّ من العراق وأفغانستان والسودان وفلسطين، وردًّا على ما تعرَّض له الشعب الفلسطيني في غزة خلال الحرب الإجرامية الإسرائيلية".

 

وأشار موسى، إلى أنه لا يوجد مسوغ منطقي لوجود مثل هذه الجماعات، على اعتبار أن العمل الوطني لا يعاني من فراغٍ حتى يتقدَّم هؤلاء لملئه. ويرى أنه يتوجب معالجة هذه المشكلة بشكلٍ شاملٍ وعدم حصرها في الجانب الأمني، موضحًا أنه شرع بالفعل" في حملات توعية ثقافية ودينية، ومحاججة أفراد هذه الجماعات غير المتورطين في أعمال مخلةٍ بالأمن والنظام"، مشيرًا إلى أن جميع الذين ثبت تورطهم في أعمال مخلة بالأمن محتجزون انتظارًا لتقديمهم للمحاكمة.

 

أبعد كل هذا الرقي في الفهم والتعامل من قِبَل حركة حماس نقول: أين الحوار وأين التحقيق وأين المحاكمة؟!

 

وهنا وَجَبَ إبراز التحدي الذي بفضل الله نجحت فيه حركة حماس، وهو عدم إصرارها على سحب السلاح من الفصائل الأخرى المقاوِمَة حتى لا تُتَّهَم بأنها تريد احتكار المقاومة، وبالفعل السلاح في يد كل الفصائل التي تمارس المقاومة من الجهاد وكتائب الأقصى التابعة لحركة فتح وغيرهما من الفصائل، وبخاصة أن حماس نفسها رفضت تسليم سلاحها عندما كانت خارج السلطة، فلم تُرِد أن تطلب من الناس أن يفعلوا ما لم تَفْعَلْهُ هِيَ، وفي نفس الوقت مطلوب منها أن تحفظ الأمن مع وجود السلاح بيد الناس! وهي معادلة صعبة بحق، ولكنَّ استعراضًا حقيقيًّا للوضع الأمني بغزة منذ سيطرة حماس عليه يجيبنا بمنتهى الوقعية عن مدى نجاح الحركة في نشر الأمن ومنع فوضى استخدام السلاح، وهو الإنجاز الأكبر للحركة.

 

وقد ظهر أحد قيادات هذه المجموعات في مقابلة صحفية قبل أسابيع من أحداث رفح وقال: "إننا ننتظر العملية الكبيرة التي نهديها للشيخ أسامة بن لادن ونطلب البيعة على أساسها"، في إشارةٍ للبحث عن وكالة تنظيم القاعدة داخل قطاع غزة كما يقول الكاتب ياسر الزعاترة.

 

ومن الحوارات مع أفكار هذه الجماعة- أو الجماعات- وُجِدَ أنهم يرون أن حماس لا تطبق الشريعة الإسلامية، لأنها لا تطبق الحدود ولا تجبر النساء على الحجاب!! وفي مقالٍ للشيخ حامد العلي من رموز الحركة السلفية بالكويت، والذي نُشِرَ بأكثر من موقع منها (المختصر) و(المركز الفلسطيني للإعلام) أنكر على هذه الجماعة هذا الإعلان وهذا الخروج.

 

تطورت الأحداث إلى أن وصل الأمر للحدث النهائي في سلسلة الأحداث كما ذكرنا، وهو إعلان عبد اللطيف موسى، وما كان من الحكومة الحريصة على عدم إثارة الفتنة ومعالجة الأمور إلا أن أرسلت وسيطًا للتفاهم معه ومجموعته وبشأن ذلك يقول الأستاذ إيهاب الغصين المتحدث باسم وزارة الداخلية بالحكومة بعد السيطرة على الوضع في تصريحٍ لقناة (الجزيرة): "تم انتهاء العملية في محافظة رفح وتم التأكد من مقتل المدعو عبد اللطيف موسى ومساعده بعد أن قاموا بتفجير أنفسهما بعد إعدام الوسيط الذي ذهب لهما صباح هذا اليوم". والوسيط هو المجاهد القسامي محمد جبريل الشمالي الذي نعته كتائب الشهيد عز الدين القسَّام قائلةً: "حيث كان شهيدنا القائد يقوم بدور الوساطة لإقناع الخارجين بالعودة إلى رشدهم والرجوع عن غيّهم؛ فقاموا بإطلاق النار عليه فور وصوله إليهم! فارتقى شهيدًا بإذن الله".

 

هذه الجماعات للأسف من السهل جدًّا أن تُختَرَق أمنيًّا- وهي إحدى الصفات التي ذكرها أستاذنا الدكتور راغب السرجاني في مقاله: "لكِ الله يا غزة" معلقًا على الحدث- فينتمي إليها مَن يُعلِنُ عاطفةً أو اتفاقاً مع الأفكار أو حَمَاسةً في التفاعل، دون أن ينال قسطًا من التربية والعناية.

 

وذلك ما نُشِرَ على الجزيرة نت بتاريخ 16/8/2009م في تقرير بعنوان "اتهام مقربين لدحلان بتمويل جند الله" نَقَلَ عن مصادر فلسطينية موثوقة معلومات تفيد بتلقي الجماعة أموالاً وأجهزة من مخابرات دولة عربية ومن مقربين من دحلان لإحداث الفلتان الأمني بالقطاع لإثبات فشل حركة حماس في السيطرة على الوضع وإظهارها في صورة العاجز أو السلطة القمعية التي تقمع معارضيها وبخاصة ممن يُعتَبَروا إسلاميين!.

 

وفي قراءة لمقال الدكتور إبراهيم الحمامي المنشور على موقع (المركز الفلسطيني للإعلام)، وعلى صفحة المعرفة بـ(الجزيرة نت): "أحداث رفح ليست وليدة الصدفة" بتاريخ 24/8/2009م، نرى أن هناك إصرارًا على إثبات وجود تنظيم القاعدة في قطاع غزة، وقد أثبت بالسَّرْد التاريخي كيف أن الصهاينة بالتعاون مع عباس ودحلان منذ زمن ياسر عرفات يحاولون توصيل هذه الفكرة للمجتمع الدولي، إذن نصل إلى ما وَصَلَ إليه الدكتور بعد تحليله قائلاً: "ما حدث في رفح ليس صدفة أو ظاهرة عابرة، لكنه حلقة في مسلسل طويل يستهدف استعادة غزة وبكل الوسائل والطرق، وفي ظل ما يجري لا نستبعد عدوانًا صهيونيًّا جديدًا على قطاع غزة من أجل هذا الهدف"!!.

 

الآن الصورة ليست ضبابية، بل واضحة تمامًا، وحاولت حماس معالجة الموضوع من جذوره- ولا زالت؛ حيث تَرَحَّمَت على الدكتور عبد اللطيف موسى وكل مَن مات في المواجهات على الرغم من خروجه على الحكومة بالسلاح!! وقالت على لسان أكثر من متحدث أنها كانت تتمنى ألا تصل الأمور لما وصلت إليه- فالحكومة لم تتعامل مع هذا الحدث بمنتهى السرعة، وكان التعامل بالسلاح هو آخر ما اضطُّرَّت إليه الحركة بعد نفاد كل سبل الحوار مع هذه الجماعة ورفضها له، بل وإعلانها المباشر بالخروج على الحكومة الشرعية المنتخبة وبالسلاح!! فكان لا بد من الحسم وفَرْض القانون ووأْد الفتنة قبل أن تستشري في المجتمع، وإلا فماذا كان بعد رفع السلاح صراحة وإطلاق النار على وسيط الحكومة الذي ارتقى شهيدًا بإذن الله؟!.

----------

* مهندس مصري melgibaly@gmail.com

مصادر المقال: المركز الفلسطيني للإعلام: http://www.palestine-info.info/ar
مقال الشيخ حامد العلي: http://www.almokhtsar.com/cms.php?action=show&id=4144

حلقة ما رواء الخبر عن الموضوع بقناة الجزيرة:

ttp://aljazeera.net/NR/exeres/9D61E384-0D40-4ACC-B8B4-CB58741FA39E

مقال الدكتور راغب السرجاني عن الحدث:http://www.islamstory.com/لك_الله_يا_غزة
مقال الدكتور إبراهيم حمامي:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/A339F4B4-4EA0-41D2-823A-6ACD1C31194C.htm