"تكلموا قبل ألا تتكلموا".. هذه العبارة كانت آخر وصايا الحاج السيد أبو شلوع أحد الرعيل الأول للإخوان لمجموعة بارة من إخوان البحيرة في زيارة وفاء له قبل وفاته الجمعة الماضية، فالرجل الذي أصيب بشلل أقعده عن الحركة أو الكلام إلا بصعوبة بالغة، يريد أن يتحدث للناس ولكنه لا يستطيع، يريد أن يبلغهم دعوة الله ولكنه غير قادر، يريد أن يقيم الحجة علينا جميعًا.

 

الحاج أبو شلوع قال لهذه المجموعة أيضًا عن طريق زوجته الوفية العظيمة: "تحركوا قبل ألا تتحركوا، واعملوا قبل ألا تستطيعوا العمل"، ورحل بعيدًا عن الأعين وسط حملات أمنية متطرفة ضد الإخوان تذكره بستينيات القرن الماضي الذي وقف فيها ظلمًا وعدوانًا أمام محاكمة عسكرية غير قانونية.

 

قال عنه الأستاذ محمد الفار أحد الرعيل الأول لجماعة الإخوان بالبحيرة: "الأستاذ أبو شلوع كان شهمًا معي والأستاذ أحمد الجندي عندما أعلن في المحكمة في 1965 أنه هو المسئول عن وأنني والأستاذ الجندي لا دخل لنا بما حدث في الستينيات".

 

ولا أنساه أبدًا عندما قمت بزيارته برمضان الماضي برفقة والدي المهندس محسن القويعي الذي اصطحبني في زيارات أربعة في يوم واحد للرعيل الأول بمدنية دمنهور، حيث أبدى الحاج أبو شلوع فرحًا كبيرًا بأن الدعوة وصلت إلى الشباب ودمعت عينه وشبك يديه الاثنين مع بعضهما وجعل يهزهما، ففهمنا من زوجته الوفية العظيمة أنه يريد أن يقول لي: "تمسك بالإخوان.... كن معاهم"، وبكي الرجل بعدها وطلب من المهندس القويعي بعض الطلبات ثم انصرفنا بعد توصية لي بمتابعة تاريخه والجلوس إليه وإلى زوجته لأسمع منه تاريخًا طويلاً ظل كتومًا عليه حتى يوم وفاته إلا أن القدر لم يسعفني، سامحني الله.

 

هذا الرجل البار بدعوته رزقه الله بزوجة يجب أن أسجل لها عظيم الاحترام والتقدير هنا، فهي إحدى الأخوات الصابرات وخاضت مع زوجها الراحل رحلة كفاح مع مرضه، كانت فيها نعم الزوجة التي نحتاج الملايين منها في أوساط المسلمين لتهنأ بيوتنا وتستريح، فكانت معه كما رايتها "ملاكًا" رحيمًا عطوفًا بارك الله فيها.

 

إن هذا الرحيل الصعب يدفعني إلى التأكيد على أهمية مواصلة الوفاء برموز الدعوة من الرعيل الأول، فهؤلاء هم الذين تحملوا أعباء وعناء الدعوة في أيامها الأولى لتصل إلينا الآن، وهذا الوفاء مطلوب من شباب الدعوة قبل شيوخها في وجهة نظري، كي تترسخ المعاني بصور ذهنية عظيمة شاهدة على تاريخ مجيد.

 

إن الرعيل الأول للجماعة قدم ولا زال كل ما ملك في سبيل دعوة الله وإرشاد العباد إلى رب العباد، وهو ما يضعنا كشباب في محك رئيسي في هذه الحقبة الانتقالية كي نواصل رفع الراية في كل مكان نرتاده، جامعةً أو عملاً أو ناديًا أو غيرهم لنتكلم بدعوة الله ونتحرك بها في أوساط الناس رغم العنت والتطرف والاستبداد.

 

وإني أقدم أسفي إلى الحاج سيد أبو شلوع لأني لم أستطع أن أكون بجواره في هذه الفترة، كي أنهل من معينه الكريم وأستشعر شعوره العظيم وأسجل تاريخ الجماعة الذي أصر على الاحتفاظ على بعض أسراره معه في ثراه الكريم.

 

وأدعو الجميع إلى الوفاء بهؤلاء الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، كما أرجو أن نلتمس الطريق إلى قلوب عائلات هؤلاء العظماء حتى بعد الوفاة وأن نكون بجوارهم، وأن نتواصى به خيرًا.