المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الله عزَّ وجل كثيرًا ما يقرن في كتابه بين أمرين؛ فقد قرن الله عز وجل بين فريضتين، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: من الآية 43)، وقرن الله بين حقين فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: من الآية  23)، وقرن الله بين فضيلة وفريضة فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (البقرة: من الآية 45)، وقرن الله بين الشكر والزيادة فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: من الآية 7)، وقرن الله بين الصيام والدعاء حتى تداخلت آية الدعاء في ثنايا الحديث عن الصوم، يقول الله عزَّ وجل فيما فرضه علينا من صيام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، ثم تتواصل الآيات إلى أن تصل إلى قوله عز وجل ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ..﴾، ثم تتواصل الآيات حتى ينزعك الله من الحديث عن الصيام نزعًا ليحول الحديث إلى اتجاهٍ آخر بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾ (البقرة)، ثم تعود الآيات للحديث ثانيةً عن الصيام فيقول: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ...﴾.. صيام.. فدعاء.. فصيام.

 

وكأنَّ الدعاءَ جزءٌ لا يتجزأ من الصيام، فهنيئًا للصائم دعوته المستجابه حين يصوم النهار فتسمو روحه فيتوجه إلى ربِّه فيدعوه ويرجوه فيستجيب الله دعاءه.

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أي رقة.. أي شفقة.. أي ود.. أي حب.. أي إيناس؟ وأين تقع مشقة الصوم إذن؟! وأين تقع مشقة التكليف؟! في ظلِّ هذا الود والحب والعطف والإيناس.

 

يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)﴾ (غافر) أي إن الذين يستكبرون عن دعائي، ويقول صلى الله عليه وسلم: "ليس شي أكرم على الله من الدعاء"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "مَن لم يسأل الله يغضب عليه"، فأنت في الدنيا إذا كانت لك حاجة عند أحدٍ من الناس ملَّ منك وتضجر وغضب، أما الله فإنه يغضب إن لم تسأله.

لا تسـألنَّ بنـي آدم حـاجةً         وسل الذي أبوابه لا تُحجب

الله يغضب إن تركت سـؤاله         وإذا سألت بني آدم يغضب

 

يقول عمر بن الخطاب: "إني لا أحمل همَّ الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء فإذا أُلهمنا الدعاء كانت الإجابة معنا".

 

لا يحمل همَّ الإجابة؛ لأنه يدعو رحيمًا ودودًا عفوًا غفورًا.

 

لا يحمل همَّ الإجابة؛ لأنه يعلم أنه يدعو مَن يعلم السرَّ وأخفى.

 

لا يحمل همَّ الإجابة؛ لأنه يعلم أنه يدعو مَن يجيب دعوة المضطرين.

 

"ولكني أحمل همَّ الدعاء"؛ لأنه يعلم أن الدعاء لا بد أن يخرج من قلبٍ موصولٍ بالله عز وجل، لأنه يعلم أن الدعاء لا بد أن يكون بُذلٍ وافتقارٍ وانكسارٍ واحتياج، ولأنه يعلم أن الله يحب من عبده التذلل إليه؛ لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، فكلما ذللت نفسك لله اقتربت من الله.

 

التذلل والتضرع سبب النصر والتمكين

وقد حكى الله عز وجل عن سبب نصره للمؤمنين يوم بدر فقال: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)﴾ (آل عمران)، فحين ذللتم أنفسكم لله نصركم الله، وعلى العكس يوم حنين إذْ تعلَّقوا بالأسباب المادية من عددٍ وعدةٍ وقوة وعتاد ولم يركنوا إلى جنب الله عز جل فكانو على وشك الهزيمة، والقرآن يصور ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (التوبة: من الآية 25)

 

رسول الله سيد المتضرعين

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلمنا كيف يكون التذلل والتضرع بين يدى الله:

* ففي يوم الطائف تنكَّرت له الدنيا، وتخلَّى عنه الناس فلم يجد إلا بابًا واحدًا يقف به فطرق باب الله ففتح الله له.. "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي.. إلى مَن تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري.. اللهم إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أقوم لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك"، وقبل أن يستتم النبي دعاءه جاءه نصر الله عز وجل وفرجه.

 

* ويوم بدر يتوجه النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى ربِّه متضرعًا باكيًا "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض بعد اليوم"، وظلَّ يلح على الله بالدعاء حتى كان النصر المبين.

 

الأنبياء قدوة

وقد قصَّ الله قصص الكثير من الأنبياء الذين كان لهم مع الذل والتضرع حال:

* نوح عليه السلام: دعا ربَّه عزَّ وجلَّ فقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)﴾ (القمر).

 

* أيوب عليه السلام مرض مرضًا شديدًا، وعجز الأطباء عن علاجه فتوجَّه إلى ربه سبحانه: ﴿أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء: من الآية 83)، تضرَّع إلى ربه فاستجاب الله له: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ (الأنبياء: من الآية 84).

 

* يونس عليه السلام ابتلاه الله فتضرَّع إليه بظلمه لنفسه فقال: ﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: من الآية 87) تضرَّع إلى ربه فاستجاب الله له ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾ (الأنبياء).

 

* موسى عليه السلام أظهر فقره بين يدى الله عز وجل ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (القصص).

 

*يوسف عليه السلام ابتُلي ابتلاءاتٍ شديدة فدعا ربه قائلاً: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)﴾ (يوسف).

 

الدعاء سلاح فعَّال يصل العبد بربه إذا لجأ إليه، وتوكل عليه، وتضرَّع بين يديه، وتخلَّى عن حوله وقوته وارتكن إلى قوة الله عز وجل وحده.

 

رمضان شهر دعاء

* كان صلى الله عليه وسلم يستقبل رمضان بدعاء فكان يقول "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان" (إسناده فيه ضعف)، "وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا أقبل رمضان يدعون ربهم: "اللهم سلمنا إلى رمضان، وسلم رمضان إلينا، وتسلَّمه منا متقبلاً".

 

* يقول صلى الله عليه وسلم: "أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرم" (صحيح الجامع).

 

* وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور عن سلمان الفارسي إنه صلى الله عليه وسلم قال: "... واستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غناءَ بكم عنهما؛ فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة ألا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناءَ بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار"، ويقول صلى الله عليه وسلم "للصائم عند فطره دعوة لا تُرد".

 

وكان السلف رضوان الله عليهم يقولون: "كنا نعدُّ لرمضان دعواتٍ مخصوصة"، فما أحوجنا لأن نحدد دعوات ودعوات ونتوجه بها إلى أرحم الراحمين ليستجيب لنا.

 

الدعاء لمَن؟

* لأنفسنا.

* زوجاتنا.

* أبنائنا.

* والدينا.

* جيراننا.

* أرحامنا.

* مجتمعنا.

* حكامنا.

* أمتنا.

 

ولا ننسى الدعاء لإخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، فلا عجبَ أن تكون جل انتصارات المسلمين في رمضان حين تصفو القلوب وتسمو النفوس وتتوجه إلى خالقها بالدعاء والتضرع والتذلل فيستجيب الله لها.