﴿يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلاَّ لا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)﴾
ما أكثر الأوقات التي يحتاج المرء فيها للفرار، هل جلست يومًا ضيق الصدر, متوتر الأعصاب, راثيًا لحالك؟ أم هل تذكر حين ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وضاقت عليك نفسك، والتمست الخروج من هذه الحال بأي ثمن؟ أم تراك نسيت تلك الساعات حين تغشاك الكرب, واستبد بك القلق, وأحاطت بك الهموم, والتفت حواليك باحثًا عن مخرج أو ملتمسًا لمفر؛ خبرني إن كنت من المخبرين, وأجبني إن كان عندك جواب للسائلين.
قال أحدهم: أما أنا فأجلس أمام التلفاز أقلب القنوات, وأبحث في البرامج والمسلسلات؛ حتى تمر تلك العاصفة من القلق, ويهدأ في داخلي بركان الهموم والأحزان.
أما الآخر فإن همومه لا تفارقه, وأحزانه لا تنفك عنه, فهو يجلس إلى التلفاز وعينه لا تراه, ويجلس بين أصحابه، ويقوم عنهم، ولا يدري فيمَ كان القوم يتحدثون، لا بأس أن يجرب المخدرات، فقد قالوا إنها تنسيك الهموم, وتباعد بينك وبين الأحزان, فإذا بك تسبح في عالم من الوهم تنمحي فيه حدود الزمان والمكان.
لا شك أن هناك من الهموم ما هو مرتبط بسبب من الأسباب, وهذا النوع من الهموم لا سبيل إلى التخلص منه إلا بقطع أسبابه، فمعظم الهموم والأحزان سببها فقد شيء ما، ودفع هذه الهموم يكون بالجد في تحصيل المفقود, أو أن يكون السبب هو الحرمان ودفع الهم حينئذٍ يكون بالإشباع.
في مثل هذه الحالات يعرف المرء سبب الهم ومصدر الحزن، فإذا عالج السبب بما يناسبه زال همه, وتلاشى حزنه، وإذا عجز- وكثيرًا ما يعجز المرء- فليله طويل, ونومه قليل, وهمه ثقيل, وقلبه عليل, فلا طعام يسيغه, ولا عمل يجيده, ولا خليل يؤنسه, ولا مكان يسعه, يريد الفرار ولكن أين المفر؟
أي سماء تظله, وأي أرض تقله, وهمومه معه حيثما حل, والأحزان لا تفارقه أينما كان, فلا اللهو يغنيه, ولا الترحال يكفيه, ولا المخدرات تشفيه؛ حينئذٍ تصبح الحياة بلا معنى, بل تغدو الحياة عبئًا لا يُطاق، وإذا بالمرء يصرخ كما قال أحدهم:
يا موت زر إن الحياة مريرة يا نفس جدي إن دهرك هازل
عندئذٍ يأتي النداء العلوي ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51)﴾ (الذاريات).
فروا من الفوضى إلى الحكمة, ومن العبث إلى الهدف, ومن النار إلى جنات النعيم.
أيها المسكين إن ما تعانيه من قلق وحيرة, وما يضيق به صدرك من الهموم والأحزان, وما تتدثر به من انقباض وكآبة, كل ذلك لن يدفعه عنك كنوز الدنيا ولو ملكتها, وشهوات الجسد مهما أشبعتها, وظاهر العلوم ولو أتقنتها.
الذكر لا يكون إلا بالأنثى, والنبات لا ينبت في غير أرض, والمحب لا حياة ولا عيش له بغير المحبوب.
روحك مشتاقة تحتاج إلى وصل, روحك في ظمأ تحتاج إلى ري, روحك في قلق تحتاج إلى قرار.
كل وصل دون المحبوب انقطاع, وكل ري دون المحبوب هو عين الظمأ, وكل تشمير لغير المحبوب لن يجني صاحبه إلا التعب والنصب.
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾، ففي كنف الله ستجد راحة العقل, وخلاص الروح, وبهاء الوجه, وزينة البدن.
إذا داهمتك الحيرة وأنت تتأمل أحوال الكون والإنسان والحياة؛ ففر إلى الله، وستجد عنده الإجابة عما يحيرك من الأسئلة، فإذا بجهلك وقد استحال علمًا, وإذا بقلقك قد تبدل طمأنينة واستقرارًا.
إذا استبد بك الحزن، وأحاط بك من كل جانب، وصرت لا تملك له دفعًا، ففر إلى الله, فإذا بحزنك وقد تبدل سرورًا وحبورًا، وما تقول في عبد يسير بين الناس ملكًا، وإن كان غير متوج إلا أنه لا يعتريه ما يعتري الملوك من خوف وقلق.
فهو أغنى الناس لأنه عبد لله الغني، ومهما احتاج؛ فإن ربه يعطيه ما هو في حاجة إليه، وهو أقوى الناس لأنه يأوي إلى ركن ركين, ويتحصن بحصن حصين، فهو يسمع بسمع الله، ويبطش بيد الله, ويمشي برجل الله, ويرى بعين الله.
وهو أكثر الناس سرورًا وحبورًا، فهو يأوي إلى محبوبه وقتما شاء يكلمه ويكلمه, ويركع له ويسجد له مع الساجدين، وكيف لا يفرح محب إذا كان محبوبه له الجمال كله وله الكمال كله وله الجلال كله، كيف لا يفرح من كان محبوبه كل أسمائه حسنى, وكل صفاته عليا, والخير كله بيديه والشر ليس إليه والعبد منه وإليه.
حسب نفسي عزًّا أنني عبد يحتفي بي بلا مواعيد رب.
هو في سلطانه أعز لكنني ألقى متى وأين أحب.
إذا أردت بهاء الوجه وزينة البدن ففر إلى الله؛ فمن تخلَّص من الهموم والأحزان, ومن ترك القلق وراءه ظهريًّا، فقد تخلص من هرمونات الانقباض، واستبدلها بهرمونات الانبساط، فإذا السرور يعلو وجهه، وإذا البريق يشع من عينيه، وما سمي السرور سرورًا إلا لأنه يؤثر في أسارير الوجه, قال الشاعر:
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
وقد سُئل الحسن البصري- رضي الله عنه- ما لنا نرى المتهجدين أحسن الناس وجهًا؟ فقال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم حلة الحسن والبهاء، وقد رأينا أن المحب مع طول عشرته للمحبوب يأخذ من طبعه ومن صفاته، بل حتى من شكله الظاهري, فما بالك بمن كان محبوبه له الجمال كله، وله الكمال كله وهو نور السماوات والأرض.
أخي!! أدعوك أن تجرب فقد جربت كل شيء، خاطب نفسك وحفزها, خاطب من حولك، وحفزهم، وستجد أن ما أخبرتك به هو عين الحقيقة، ووالله لو وجدت الحياة الطيبة في أي طريق لسلكته, ولكن هيهات أن تجد الحياة الطيبة في غير طريق الله ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾ (الجاثية).
الكل يفر, ولكن هذا يفر إلى الله، وذلك يفر من الله؛ حيث لا مفر منه إلا إليه.
انظر إلى هؤلاء الكفار والملحدين واللاأدريين؛ إنهم أيضًا في حالة هروب دائم، هروب من الأسئلة التي تتوارد إلى عقولهم عن المبدأ والميعاد, هروب من أشواق الروح التي تهفو إلى بارئها وخالقها، لقد وضعوا مذهبًا سموه اللاأدرية، وهو يعني الهروب من الأسئلة الكبيرة عن المبدأ والميعاد بقولك لاأدري.
الرقص الدائم, والسفر الدائم, والسكر الدائم, والعمل الدائم, تلك هي منظومة حياة الغربي، لا شك أن العمل الدائم قد أدى إلى هذه المدنية الحديثة التي تجني البشرية ثمارها، ولكن ما مردود هذا الكم الهائل من الإنجازات المدنية على الوئام النفسي والعيش الطيب في حياة الغربي؟ إذًا ما قيمة النور بالنسبة للعين العمياء, وما قيمة الصوت للأذن الصماء؟ إن العين المريضة ترى الحياة، وتستمتع برؤية المناظر الجميلة، ولكن هل رؤيتها كرؤية العين السليمة؟ وهل استمتاعها كاستمتاع العين السليمة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾ (فاطر).
بل قل أين من يتسلى بالمحبوب عن آلامه وأحزانه ممن يتسلَّى عن المحبوب من حزن لا يبرح ولوعة لا تنقضي؟!
الفار إلى الله إذا أناخ رحله عند ربه يجد أن حاله قد تبدلت, وطبيعته قد تغيرت, فإذا بضعفه صار قوة, وإذا بذله قد صار عزًّا, في سبيل المحبوب قد صار العذاب عذبًا, والبعد قربًا, قد فنى المحب عن مراد نفسه، ولم يعد يرى إلا مراد المحبوب.
عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب.
وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب.
حسبي من الحب أني لما تحب أحب.
ما تقول في عبد في معية ربه وخالقه فلا يسمع إلا أطيب الكلام, ولا يرى إلا الجمال التام, أي أنس يشعر به هذا المخلوق, وأي فرح قد حواه صدر هذا المخلوق، ما أهنأ عيش هذا العبد, ليتني كنت هو, فإن عجزت فليتني أحشر يوم القيامة في زمرة المحبين.
خبرني إن كنت خبيرًا, وأبن لي إن كنت تقدر على البيان، أين هذا ممن فقد محبوبه, بل ممن طرد من رحابه بسوء صنيعه, وقلة حيائه, وإيثاره لهواه على مراد المحبوب، لقد هام على وجهه يبحث عن سلوى, ولكن أي شيء يتسلَّى به من قد فقد الله, وأي عزاء يتعزى به من لم يجد طريقه إلى الله, وأي سخط قد باء به من لم يفر إلى الله.
يمكن للمحب أن يتسلَّى إذا وجد من هو أفضل من محبوبه، فما بالك إذا كان المحبوب هو الله فأي شيء يسلِّي عن الله؟ أي مال هذا الذي يغنيك عن الله؟ وأي جاه هذا الذي تغفل به عن الله؟ وأي شهوات تلك التي تفني فيها عن الله؟
لا شيء يعوضك عن الله, هذه هي فطرتك التي فطرك الله عليها، فإذا كنت حفنة من التراب, ونفخة من روح الله, فإن غذاء البدن مشتق من التراب, أما الروح فغذاؤها الصلة بالله، يمكن أن تتسلى بالغفلة, أو الانهماك في الشهوات, أو الاستغراق في العمل وتحقيق الإنجازات؛ لكن روحك دائمًا في وحشة, لكن صدرك دائمًا في ضيق, أعصابك متوترة, نفسك منقبضة, تبحث عن مخرج ولا مخرج, تريد الفرار ولكن أين المفر؟!
هل يستوي من كان غذاؤه الخبز الجاف, ومن كان غذاؤه ما تشتهيه النفس من الطيبات؟ كلاهما قد يسد الجوع، ولكن هل يستويان في الشعور بالبهجة والإحساس بالرضا؟
أين من يواجه الحياة وحده, أو يعتمد على خلق محاويج مثله, ممن يرى أن ربه حاميه وعاصمه وكافيه، كيف شعور هذا وشعور هذا, قل هل يستوي القلق والأمن؟
أين من يرى شأنه في الحياة كسائر الحيوانات والأنعام يتمتع ويأكل، ثم يموت, ممن يرى أن مكانته عظيمة في هذا الكون ما دام موصولاً بالله العظيم، ويوم القيامة يُرد إلى نعيم مقيم.
قل هل يستوي من ينظر إلى هذا الكون، فلا يرى فيه إلا العبث وأنه يفتقد الغاية, ومن يرى الحكمة في هذا الوجود ويردد قول خالقه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾.
تأمل البيان القرآني وهو يحكي قصة هذا العبد الكريم الذي أحس من أعماقه بحاجته إلى إله يفسر له معنى الوجود, ويتوجه إليه بالحب والتضحية, يخافه ويرجوه, ويستعين به ويتوكل عليه, يأنس به إذا استوحش من الناس, ويفر إليه إذا خاف الناس ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (79)﴾ (الأنعام).
لقد كفر بكل الآلهة ليؤمن بالله الواحد, وهو لا يخاف أحدًا إلا الله خالقه ورازقه, لا يحني هامته إلا لله, لا يسجد إلا لله, وكيف يخاف أحدًا والله وحده هو الذي يملك النفع والضر؟ وكيف يرجو أحدًا والله وحده هو الذي يملك قلوب العباد يقلبها كيف يشاء, فلا يتحرك أحد ولا يسكن إلا بإرادته؟
وكان الحجاج, وكان الصخب وكان اللغط في شأن إبراهيم ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ (الأنعام).
لقد أتاه الله الحجة وعلمه البيان, وهذا شأن العبد الذي فر إلى الله, فهو إذا نطق نطق بالحجة, وإذا سكت فسكوته بيان؛ أي الفريقين أحق بالأمن؟ من يرى أنه في كنف الله ورعايته، ولن يصيبه إلا ما كتب الله له وقدر عليه، أما من يعتقد في بشر أو آلهة لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؟ ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: من الآية 5).
قال قائل: إذا كانت حياة الفارين إلى شهواتهم ولهوهم وأعمالهم كما ذكرت من النقص والعور, وحياة الفارين إلى الله كما ذكرت من العيش الطيب والغبطة والحبور, فما بال المعرضين- وهم أكثر الناس- لا يفرون إلى الله؟
قلت: هناك سببان رئيسيان؛ أولاً: إن أكثر الخلق لا يعلمون, وثانيًا: الذين يعلمون لا يقدرون؛ لأن الفرار إلى الله, وإن كانت عاقبته البهجة والسرور إلا أن بدايته محفوفة بالمكاره، بل بدايته تحتاج إلى عزائم الرجال.
وأضرب مثلاً لرجل يعيش في قرية من القرى أو نجع من النجوع؛ حيث لا كهرباء ولا مياه نقية ولا وسائل ترفيه ولا خدمات ولا مستشفيات، وهو مع ذلك سيد في قومه يغبطه قومه على عيشه، ويتمنون أن لو كان لهم من حياته من نصيب، إلا أن هذا الرجل لم يطلع على المدنية الحديثة، ولم يشاهد هذا الكم الهائل من الإنجازات التقنية والحضارية التي يسرت سبل العيش، وكفت الإنسان المجهود العضلي وجزءًا كبيرًا من المجهود الذهني، ناهيك عن وسائل الترفيه والتعدد الذي لا حصر له في المطاعم والمشارب والملابس والسيارات، هذا الرجل البدائي- لأنه لا يعلم- يظن أنه يعيش أطيب العيش، ويحيا أكمل حياة, إلا أنه لو اطلع على الحياة المدنية لعلم أنه في شقاء وهو لا يعلم, في ضنك وإن كان لا يدري, وهذا شأن الذين لا يعلمون.
كذلك فالبعيد عن الله الذي لم يذق طعم السجود, ولم يعرف معنى الشوق الذي لم يذكر الله يومًا فيعرف معنى الأنس, والذي لم يتفكر في الأسماء والصفات فيتعلق قلبه بالمحبة, هذا البعيد عن الله في شقاء وهو لا يعلم, في ضنك وهو لا يدري, في ظلمة وإن أضاء بيته بالثريات, في دنس وإن تعطر بأطيب الرياحين.
أرى في قلبك إنكارًا وجحودًا وما ذلك إلا لجهلك ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)﴾ (سبأ).
إذا كان الصنف الأول من الناس يعاني من ضعف العقل بل قل لا يعقل، ولذلك فهو ينكر أن يكون هناك عيش أطيب من عيشه, أو حياة أكمل من حياته, ومن ثم فهو لا يتحرك إلى لون آخر من الحياة لا يعرفه بل ينكره, فإن الصنف الثاني من الناس يعاني من ضعف الإرادة ودنو الهمة؛ وإن كان من المؤمنين.
إن بداية الطريق إلى الله صعبة؛ لأنها قائمة على كبح جماح الشهوات, تشعر فيها بالغربة لقلة السالكين, قد وضعت فيها العقبات لاختبار صبر الصابرين وجهاد المجاهدين ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)﴾ (محمد).
الطريق إلى الله صعبة تحتاج إلى عون, طويلة تحتاج إلى زاد, قليلة السالكين تحتاج إلى صاحب أو أنيس، إذا كان الله غايتك من السير فما هي وسيلتك؟ من ذا الذي يقوى على الوصول إلى الله بغير الله؟ ومن ذا الذي يصبر في طريق الله إلا أن يصبره الله؟ ومن ذا الذي يجاهد في سبيل الله بغير عون من الله؟
الأمر يحتاج إلى اصطفاء فإذا اصطفاك سهَّل لك الوصول, وإذا اجتباك فنعم العيش عيش المجتبين.
----------