سأحاول بعون الله وتوفيقه أن أسير مع أسماء سور القرآن الكريم فهي عناوين دروس تربوية تحتاج إلى تدبر وتأمل، ولماذا سميت بهذا الاسم؟ ولماذا أسماء بعض سور القرآن الكريم؟ وهل لذلك من آثار تربوية؟
فاتحة الكتاب:
هل تخيلت- أخي المسلم وأختي المسلمة- أن فاتحة الكتاب تدربنا على الدخول على الله؟ وكيف تفتح لنا باب الدخول بل تفتح لنا أبواب كل خير في الدنيا والآخرة.
أناشدكم الله أن تتدبروا لماذا أمرنا الله أن نردها ونكررها على الأقل سبع عشرة مرة في اليوم والليلة؟ ولماذا قسَّمها ربنا- عز وجل- في حديث "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي؛ إذا قال العبد الحمد لله رب العالمين. يقول الله: حمدني عبدي.. أثني علي عبدي ومجدني عبدي..." هل شعرت بالأثر التربوي ولو مرة في نفسك وذقت حلاوة مخاطبة ربك بعد أن أذن لك بالدخول فتحولت لغة الخطاب من الحديث عن الله- عزَّ وجل- إلى الحديث مع الله عز وجل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وهي قمة الخلوة مع الله، ولكنك في نفس الوقت يجب ألا تنسى إخوانك المسلمين جميعًا فتقول بصيغة الجمع "نعبد ونستعين"، كما لم ينسنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلقى تحيةً خاصةً من ربه عند سدرة المنتهى في ليلة المعراج "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".
هل تصورتَ أن الله يحدث الملائكةَ عنك بعد كل آيةٍ تتحدث فيها بالثناءِ على الله "فيذكرك في ملأٍ خير من ملئك "حمدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجدني عبدي".. تدرب أخي على أدبِ الحديث عن الله، وحِّد ربك وانتظر سماع ردِّ ربك عليك، فلا تقرأ القرآن هذرَا لأن بعد كل آيةٍ من الفاتحة رد من ربك عليك، إنها محادثته ومخاطبته لا تعد لها الدنيا كلها، وجاهد نفسك حتى تسمع الرد وكأنك تسمع مباهاة ربك بك في الملأ الأعلى حتى إذا بلغت قوله عز وجل الذي تنطقه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كان هذا بمثابة عقدٍ بينك وبين ربك نطقته أنت بنفسك وتحدثت به وعندها لا يحدث ربك ملائكته عنك بل يكون الصفاء كله: "هذا بيني وبين عبدي"، ويكون الرضا والقبول "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"؛ لأنك تطلب شيئًا واحدًا في الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فإذا علمت أن هذا مراد ربك منك طلبته فقط فهو جماع كل خير، والحماية من كل شر المغضوب عليهم.
بل شرع في ختام السورة بما نزل به الأمين جبريل على قلب الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو مفتاح سر الاستجابة وادخره رب العزة لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وقد حفظ لفظ "آمين" وحجبه عن كلِّ الأنبياء، والمرسلون- صلوات الله عليهم جميعًا- ينتظرون معرفة هذا المفتاح ليخبروا به أممهم، ولكن لم يعرفوه فلمَّا أُهدي إلينا نقلته كل الأمم التي عاصرت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، واحتفظت به كما هو ولم تترجمه إلى لغتها فنطقته هكذا "آمين"؛ لذلك بيَّن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن اليهود يحسدوننا على قولنا "آمين".. فهل استشعرنا ذلك؟ وهل استخدمنا الفاتحة وعشنا لتفتح لنا كل المغاليق؟
اسأل الله أن يعيننا على ذلك فهو وليه والقادر عليه.
سورة البقرة:
هذه السورة الأولى من السبع الطوال عنوانها وعنوان درسها البقرة، فما موطن التربية فيه؟ ولماذا سُميت هذا الاسم بالذات؟ وهي زاخرة بالعبر والدروس؟ البقرة درس لبني إسرائيل رسبوا فيه، والتحذير منذ بداية القرآن لأمتنا الخاتمة: إياكم يا أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- أن تتحايلوا على أوامر الله أو تتلكأوا في التنفيذ بانتحال الأعذار والتسويف والمماطلة؛ لأنكم إن فعلتم تعرضتم لغضبِ الله تعالى، وهذا هو الدرس الأول قبل أن تنزل الأوامر والنواهي، فستكون العاقبة كما حدث لبني إسرائيل شددوا فشُدد عليهم، وستتعب نفسك بذلك وستنفذ أمر الله رغمًا عنك وبتكلفةٍ أكبر، ولا حسنة لكَ، بل بالوزر والعقاب، كما حدث لهم، وضع أمام عينيك ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)﴾ (النساء).
سورة آل عمران:
من العجيب أن تسمى سورة من السبع الطوال، وهي إحدى الزهراوين باسم عائلة رجل صالح ليس بنبي على أرجح الأقوال فلماذا؟ أليس هذا تكريمًا للأسرة الصالحة ورفعًا لشأنها على طول الأزمان وعلى اتساع الأمم؟ يتعبد بها على يوم القيامة.
فعمران رجل صالح، وامرأة عمران زوجة وأم صالحة، وابنتها مريم العذراء البتول أم نبي الله عيسى وأختها زوجة نبي الله زكريا وأم يحيى نبي الله عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أسرة عريقة في التقوى والتقرب إلى الله بشتى أنواع الطاعات، وصلتها بربها مضرب المثل للعالمين، وكبير العائلة عمران أصل هذه الشجرة، وهذا تكريم له ولعائلته ولكل عائلة صالحة، ولذا تمَّ الجمع بين أسرته وأسرة سيدنا إبراهيم في التكريم والاصطفاء لقوله الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)﴾ (آل عمران)، فيا كبراء العائلات صلاح عائلاتكم امتداد لذكركم بالخير إلى يوم الدين.
سورة النساء:
أيضًا سورة من السبع الطوال تطالعنا في أوائل كتاب الله، وتتحدث ضمن ما تناولت عن النساء، وتسمى باسمهن، وأستأذن القارئ والقارئة الكريمين أن أخرج على قواعد ترتيب أسماء السور في الكتابة؛ فأجمع مع اسم هذه السورة باقي أسماء السور التي حملت رمزًا يمت للنساء بصلة؛ لتكون عناوين دروس تربوية نحتاجها جميعًا رجالاً ونساءً، هذه السور اسمها يكنى بالنساء شرفًا في ترتيب أهمية أسماء سور القرآن الكريم وباقي السور مريم- الحجرات- المجادلة- الطلاق- التحريم، لها صلة ما مباشرة أو غير مباشرة بالنساء وسنتناولها بعون الله تباعًا.
سورة المائدة:
اسم السورة يحمل درسًا في طلب الآيات والمعجزات؛ لأن الناس دائمًا يريدون حدوث المعجزات ويلحون في طلبها ويستعجلونها وما يدرون أن لنزولها سننًا وتترتب عليها توابع وتبعات لا يتحملونها، ولو علموا ذلك لاكتفوا بما بين أيديهم من الآيات المنثورة في الكون والمسطورة في القرآن ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء: 59)، ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (البقرة: 211)، ماذا نريد من الآيات والمعجزات؟.. اليقين؟.. ألا تكفينا الآيات التي حولنا؟ والتي نزلت علينا وعلى من قبلنا ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (يوسف: 105)، ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: 101)، ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (العنكبوت: من الآية 51)، بل إن هذه الأمة الإسلامية قد شرَّفها الله بآيات تفوق كل الآيات التي شاهدتها الأمم السابقة.. كيف؟.. إن الذي يحكي لنا الآيات التي جاء بها جميع الأنبياء والمرسلين والمعجزات التي رآها أقوامهم الذي يحكيها لنا ليس بشرًا منا ولا نبيًّا مرسلاً، إنه الله رب العالمين، ويحكي لنا الآية المعجزة في آية قرآنية معجزة.. فهي لهم آية ولنا آيتان معجزتان.
ولذا كان درس اسم المائدة لو تتبعنا آيات السور لنتعلم منها معجزة طلبها أتباع عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وحواريوه فقال الله تعالى: ﴿قَالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة: 115)، وهكذا ينتهي درس اسم السورة المائدة التي هي عنوان الدرس.
لعل الله ينفعنا بكل آيات الله المنثورة والمسطورة ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 185)، آمنا بالله وصدقنا بآياته.
سورة الأنعام:
الأنعام اشتقاق لغوي جميل، وكذلك النعم والنعم هي الأفضال من جزيل النعمة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ (النحل: من الآية 18)، فما لنا بنعم الله.
![]() |
فهل تصورنا وتخيلنا كم يدفعنا القرآن دفعًا حتى لا نعتبر النعم الدائمة حقًّا مكتسبًا يقول لنا القرآن ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (القصص: من الآية 71)، مجرد هذا الأسلوب من التفكير يكسر الإلف والعادة ويمنع الغفلة عن النعم الدائمة ويدعو الإنسان إلى الشكر، ويوقظ القلب والعقل والتخيل ماذا سيكون الحال إذا فقدنا النعمة الموجودة؟
وهذا أسلوب تربوي جميل بل منهاج حياة يدلنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه "اللهم إني أصبحت- أمسيت- منك في نعمة وعافية وستر" اعتراف بالموجود من نعم الله وفضله لأشكره عليه قبل أن أطلب المفقود "فأتم على نعمتك وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة" ليس كل طلباتنا دنيا زائلة، ولكن يعلمنا أيضًا عليه الصلاة والسلام أن نقرن طلباتنا من خيري الدنيا والآخرة.
فلو تخيلنا دنيانا هذه بغير الأنعام التي منها طعامنا وشرابنا ومنها بيوتنا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ ومنها كساؤنا ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (النحل: من الآية80)، وأثاثنا ومتاعنا ومن جلودها أحذيتنا، والغذاء متنوع لا يغني عنه غذاء آخر أبدًا.. لحوم، وألبان، وأجبان، ودهون، واللبن شراب سائغ فيه بركة وكامل العناصر الغذائية والصوف والوبر والشعر والمنسوجات، ولنا فيها منافع أخرى كثيرة؛ لذلك سبق عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هذا العصر الحديث بخمسة عشر قرنًا عندما قال لنا "ثوروا القرآن".. أي أثيروه لتستخرجوا كنوزه قبل أن يحدثنا أهل الغرب حديثًا عن العصف الذهني، كانت هذه تربية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لأصحابه ولنا؛ حتى تنتبه عقولهم وتقدح زناد أفكارهم.
سورة الأعراف:
الأعراف جبلٌ بين النار والجنة يقف عليه أناس تساوت حسناتهم بسيئاتهم فلم يستطيعوا دخول الجنة بذرة حسنة واحدة تضاف لتثقل ميزان الكفة اليمنى، ولم توجد ذرة سيئة واحدة تذهب بهم إلى النار، وهذه غاية الدقة والعدل في الموازين الربانية.
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ (الأنبياء)، إذن اسم الأعراف لمَن لم يعرفه يُثير الخوف والرعب من هذا الموقف الرهيب بين الجنة والنار، يرى الاثنين ويتعرف عليهما وقد عرف كلٌّ مصيره، ولكن هذا الانتظار القاتل كم سيبقى، وقد يطول، ولكن الأخطر والأخوف إلى أين سينتهي؟ والأمر متعلق بمشيئة الله فقط وقد انتهى الحساب وهم يطمعون في ذرةٍ تُضاف هنا وهناك، ويصور القرآن هذا المشهد تصويرًا يهز النفوس البشرية، ولا أعمق من هذا: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)﴾ (الأعراف).
وتأمل أخي- هدانا الله وإياك- هذا اللفظ ﴿أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ألا ترى الشوق والأمل والأماني تنطق بين حروفه؟ وأكمل الآية: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)﴾، أرأيت هذه الحالة النفسية؟ ثم انقل قلبك وبصرك للآية التالية ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (الأعراف: 47)، هل توقفت معي أمام هذا الفعل المبني للمجهول؟ لماذا؟ لأنهم لا يرغبون أن ينظروا هناك فهم يعرفون ماذا يعني النظر إلى الجهة الأخرى إذا صرفت أبصارهم، ومن العجيب أن نسمع الحديث عن الجنة والنار بأفعال الماضي ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ﴾ الأعراف: من الآية 48)، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: من الآية 44)، فبماذا تحس من أثر هذه الكلمات؟ لا شك أنها تعمق اليقين بيوم الدين والجزاء، فالفعل الذي لم يحدث رغم مرور أكثر من 14 قرنًا ولم يحدث بعدُ يحكي عنه القرآن أنه حدث ومضى، فهل بعد ذلك من يقين ترسخه آيات الذكر الحكيم في قلب المؤمن صادق الإيمان بوعد رب العالمين؟
فيا مَن تقرأ سورة الأعراف: الآن إنك ما زلت في الدنيا، ويمكن أن تهزم شيطانك، وتحطم كسلك وقعودك، وتسارع إلى كسب الحسنات التي قد تحتاج ذرةً واحدةً منها يوم القيامة لتنجو من الوقوف على الأعراف، والله لأدري بماذا تكسب ذرة الحسنة إن التسبيحة أو التحميدة الواحدة لتملأ ما بين السماء والأرض، إذًا لا تُضيِّع آلاف الأطنان من الحسنات في الدنيا ثم تتحسر يوم القيامة لحظة الأعراف على مثقال ذرة حسنة واحدة، وها هي السيدة عائشة رضي الله عنها تعلم المسكين الذي تعجَّب من حالها وهي تدفع إليه ثمرة واحدة فقالت له: "كم فيها من ذرات!"، ويحضرني حديث آخر جميل وكل أحاديثه صلى الله عليه وسلم جميلة وهو الذي بأمته رءوف رحيم "مَن كان في حاجةِ أخيه كان الله في حاجته" (رواه الترمذي ومسلم).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر وأُعدت له الدرجة العالية الرفيعة والمقام المحمود قال: "وما أنا بأغنى عن الأجر منكما"، فهل أنت أغنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هيا قم وسارع نجانا الله وإياك من غضبه وسخطه ومن نار جهنم بل ومن الوقوف على الأعراف.
سورة الأنفال:
مشكلة الأنفال وكيف عالجها القرآن الكريم:
إن مشكلة الأنفال هي المشكلة المتكررة في الصراع على متاع الدنيا في كل وقتٍ وحين حتى ولو بين المجاهدين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى ولو بعد حدوث النصر المبين وهزيمة المشركين يمكن أن تشغلنا الدنيا ونختلف عليها وتسوء في النزاع عليها أخلاقنا كما حدث فنزلت سورة الأنفال: "تنازعنا أنفال بدر حتى ساءت فيها أخلاقنا فأنزل الله عز وجل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ﴾"، فكيف كان علاج القرآن بتربيته للصحابة في هذا الموقف العصيب؟ لقد جاء الرد والعلاج حاسمًا ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ﴾ (الأنفال: من الآية 1)، إغلاق باب الخلاف وسحب المسألة كلها، وردها إلى الله ورسوله ثم تبدأ جرعات العلاج، أتدرون ما سبب الخلاف؟.. إنه حب الدنيا، إنه نسيان فضل الله، وأصلحوا ذات بينكم فهو أهم وأخطر، ففساد ذات البين هي الحالقة التي تحلق الدين، ثم قيسوا أنفسكم على صفات المؤمنين ينفقون ويضحون، يتحابون، لا يطمعون، لا يبخلون لا يتباغضون، ثم تعالوا لنرد الفضل إلى صاحبه سبحانه وتعالى.
ما أصل هذه المعركة التي أثمرت هذه الغنائم التي اختلفتم عليها وتنازعتم، هل كنتم أنتم الراغبين في الحرب؟ ألم تكونوا كارهين، كيف جاءكم النصر أليس من عند الله؟ فعلام الخلاف ولا فضل لكم في شيء؟ وبعد 40 آية من نفائس التربية الإيمانية القرآنية الغالية التي تهزُّ القلوب وتطهر الأرواح وتزكيها جاء الرد بتوزيع الغنائم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنفال: من الآية 41)، أتدرون إخوتي المسلمين ماذا فعل الصحابة الذين كانوا يقتتلون على الغنائم؟ لقد رفض بعضهم أخذ نصيبه الذي قُسم له من الغنائم بعد أن وعى الدرس واغتنى قلبه ولو افتقرت يداه، وهذا هو الحل الجذري لكل مشاكل الدنيا المادية.
اترك المشكلة، وارجع إلى الأصل، فهذه صفات المؤمنين التي تدخل بها الجنة؟ عندها ستجد الجواب وتجد الحل لكل الصراعات الدنيوية المادية.
سورة التوبة:
حلاوة هذا اللفظ وهذا الاسم الذي سُميت به السورة (التوبة) أي الرجوع إلى الله بعد الضياع وحلاوة الطمع في كرم الله بالمغفرة بعد الوقوع في الذنب "فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (رواه الترمذي بسند صحيح)، فكل مَن تخافه إذا أخطأت في حقه تهرب منه إلا الله عز وجل إذا أخطأت في حقه وخفت منه فررت إليه فإنك لا تستطيع أن تفر منه ﴿َفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ (الذاريات: من الآية 50).
هذا الاسم نبحث عنه في السورة ونجد أن التوبة التي تشرف بها الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك ذات العسرة سعدوا بها أيما سعادة، بل وضرب الله بهم مثلاً في الصدق والعودة المخلصة لله عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾ (التوبة)، وإن كنت أحيل حضراتكم في قصة الثلاثة الذين خلفوا إلى شرح أي حديث أو تفسير للآيات القرآنية؛ لنعرف قصتهم، وننفذ أمر الله بأن نكون معهم ومثلهم، ولكني ألتقط بعض الآثار التربوية والعبر من قصتهم بما يناسب المقام:
أولاً: الاعتراف بالخطأ بل القسم لإدانة الذات: "والله يا رسول الله ما كنت أيسر حالاً مني يومها، ولكني كنت أقول: غدًا أخرج أو بعد غد أخرج"، "لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا فأنا رجل ذو لسان ولكني خفت إن قلت غير الحق أن يفضحني الله".
ثانيًا: سبب التخلف عن الغزوة حيل وخطوات الشيطان وتلبيس إبليس مستغلاً الشهوات أو الشكوك والشبهات، فهو الذي وسوس لكعب بن مالك بأنه يمكنه غدًا أن يخرج ويلحق برسول الله وركب المجاهدين معه، ويمكن بعد غد أيضًا، ولكن جاء له بعد التسويف بحيلة هي عكس الأولى فجاء بالشيء ونقيضه وزينه وقبلت النفس الراغبة في القعود بالتبرير، فقال له الآن لا تستطيع أن تلحق بهم، وبلع الطعم وقعد، فإياكم والتسويف في عمل الخير فإن الموت يأتي بغتة، كما حذَّر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: صدق التوبة ظهر بجلاء ووضوح في صبر الثلاثة على عقوبة المجتمع المسلم لهم؛ تأديبًا مع حبه لهم، كما ظهر بعد توبة الله عليهم، هل تتصور مقاطعةً تستمر لمدة اثنين وخمسين يومًا من كل الصحابة حتى الزوجات، فضلاً عن عدم مخاطبتهم لهم؟

رابعًا: الفرحة بالتوبة عند المذنب الراغب في التوبة بصدق، "وهل قتل الرجل الراغب في التوبة بعدما قَتَلَ تسعًا وتسعين نفسًا، هل قتل عابد بني إسرائيل إلا لأنه أغلق دونه باب التوبة وهو حريص ومُصِرٌّ عليها مهما حدث؟"، وأما بقية أسماء السورة التي تناولت قضية المنافقين "الفاضحة- الكاشفة"، فكما أنها شرَّفت التائبين باسم التوبة كشفت المنافقين بصفاتهم "ومنهم... ومنهم... ومنهم"، ولهذا فالحرصَ الحرصَ على التوبة، والبعدَ البعدَ عن كل صفات المنافقين! فيكفي أن يُقسَّم الناس في أول سورة البقرة: (ثلاث آيات للمؤمنين، وآيتان للكافرين، وثلاث عشرة آية للمنافقين).
كيف تربَّى الثلاثة الذين خلفوا؟
على مائدة القرآن مأدبته، نجلس نحن الجوعى لغذاء الروح، والعطشى لنبع الوحي الصافي؛ لنتغذى ونرتوي كما فعل سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، حتى المخطئون منهم ثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك في وقت شدة وحر وانشغال بالدنيا؛ فعاشوا في همٍّ وغم طيلة سفر الغزاة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وقد زادت على الشهرين ذهابًا ومكثًا وعودة من حدود الروم مع الجزيرة العربية، فما تمتعوا، ولا فرحوا بهذا القعود مع أهليهم وزوجاتهم وأولادهم وأموالهم؛ لأن فيهم إيمانًا، ولهم نفس لوامة تؤنبهم على الخطأ فتنغص عليهم لذة الدنيا إذا كانت في ظل المعصية، بينما غيرهم يجمع الحسنات، ويتحمل المشقات حبًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، نصرةً لدين الله، بل ودفاعًا عنهم هم أنفسهم.
ولما رجع رسول الله وصحبه الكرام بما نالوا من أجر وثواب زادت الحسرة في نفس الثلاثة الذين تخلفوا حتى تنكرت لهم الأرض التي يمشون عليها وإخوانهم وزوجاتهم، بل وضاقت عليهم أنفسهم فما الذي جنوه من التخلف عن الغزوة إلا الهم والنكد والضيق وضياع الأجر؟ بل الخوف والرعب من عدم قبول التوبة، ولكن هذه الأيام والليالي الإثنين والخمسين مدة المقاطعة لم يستطع الشيطان أن يهزمهم فيها بعد أن صدقوا العزم على التوبة وتحملوا العقوبة من الله ورسوله كي يتطهروا من ذنوبهم، ولم يتمادوا في الخطأ، والتمسوا لأنفسهم العذر أن أهليهم الصحابة لم يعاملوهم معاملةً طيبةً، وتنكروا لهم وكأنهم لا يعرفونهم.. فما الذي يجبرهم على تحمل ذلك؟ وكان الاختبار الذي أرسله الله لكعب بن مالك على يد ملك الغساسنة، وقال له: "الحق بنا نواسك، وقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان"، فقال هذه أيضًا من الفتنة.. وهكذا نجحوا في الامتحان، ونزلت التوبة من السماء في خير يوم طلعت عليهم فيه الشمس، يوم التوبة النصوح وقبول العمل، ثم التنبيه على كل المؤمنين أن يكونوا أمثال هؤلاء في الصدق مع الله حتى ولو أخطأوا فإنهم من خير الخطائين وهم التوابون، وهؤلاء خير بني آدم.
احذر أن تقعد عن فرائض الله؛ حتى لا تكون من الذين يثبطهم الله ويكره انبعاثهم في الخير.
اسمع أخي- هداك الله- إلى أصل القضية: إن مَن يقعد عن أداء فرض ويفرح بذلك سيجد نفسه مع مَن قال الله عز وجل فيهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ (التوبة: من الآية81)، أي من يقعد عن تنفيذ فرائض الإسلام والدعوة لا يظن أنه ربح أو استفاد أو استراح، إن عقوبته أن يحرم من شرف الخروج مرةً أخرى كي يفهم حقيقة الأمر، وإن الخروج للطاعة مكسب، والقعود خسارة، وإلا لكانت العقوبة أن يخرج رغمًا عنه في المرة القادمة.
وهنا ملحوظة عجيبة أن هؤلاء لا يقولون إنهم أرادوا القعود أو عدم الجهاد؛ ولكنهم سيبررون لأنفسهم وللناس سبب القعود بأن الجوَّ كان حارًّا والأفضل أن نخرج في وقت غير هذا؛ حرصًا على الجهاد وأفضل وانجح، بينما القرآن يفضح حقيقة أمرهم في قول الله عز وجل عنهم إخراجًا لمكنون ما في نفوسهم، وإخراجًا لضغائنهم "بفرح- وكرهوا" أحاسيس قلبية قبل أن يخبرنا بما قالوا وهو ما ظهر لنا وما يسمعه الناس، فهو سبحانه عليمٌ بذات الصدور يفضح المنافقين في سورة الفاضحة، التوبة.
وانتقل يا أخي إلى قول الله عز وجل ﴿كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)﴾ (التوبة: من الآية 46)، هل نتصور أن الله يثبطهم ويضعف عزيمتهم على ما في نفوسهم، ويكره أن يكونوا بين المؤمنين في أعمال الطاعات وهو سبحانه الذي يُرغِّب عباده في الطاعات ويحفزهم إلى طلب الجنة؟.. نعم ولكنها عقوبة وأي عقوبة أن يحرم الله إنسانًا من شرف طاعته والحضور مع الطائعين، فإذا وجدت نفسك يومًا ما قعدت عن العملِ الخيرِ بغير عذر؛ فاحذر أن يكون الله عز وجل كره أن تكون مع هؤلاء الصالحين وأقعدك بنيتك لتكون مع القاعدين، ففر إلى الله عز وجل، ولا تفر منه، لا ملجأ منه إلا إليه.
