إياكم وجلد الذات
الإخوة الأحباب..
تحيةً من عند الله مباركة طيبة.. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد،
فأحيانًا ما يحدث للفرد والجماعة إذا فاتها نصر أو فشلت في تحقيق إنجاز أو لم تستطع إحراز تقدم فى معركةٍ ما، سرعان ما يقع بعض الأفراد فريسةً للأحزان والأوجاع ونهبًا للوساوس والأوهام، وقد يذهب بعضهم بعيدًا فيجلدون ذواتهم بقسوةٍ وعنفٍ، ومنهم مَن ينتابه شك في فكرته أو منهاجه أو وسائله، ولو أنهم عادوا إلى مصدر عزتهم وهدايتهم ونهضتهم، أقصد بذلك القرآن والسنة النبوية المطهرة والسيرة العطرة، لوجدوا ما يزيل الالتباس ويكشف الغموض ويضع القواعد الصحيحة للتعامل مع الحدث بما يرأب الصدع ويلملم الجراح ويعيد للفرد والجماعة المؤمنة تماسكها وترابطها وقوتها وعافيتها، وبالتالي قدرتها على استعادة نشاطها واستئناف مسيرتها.
إننا كثيرًا ما نقع أسرى لهمومنا وجراحنا، وننسى أن لخصومنا وأعدائنا همومًا وجراحًا ربما تكون أشد وطأةً عليهم من همومنا وأكثر إيلامًا لنفوسهم من جراحنا.. هذا هو المعنى الذي أراد المولى سبحانه وتعالى- وهو أعلم بمراده- أن يلفت أنظارنا إليه في قوله: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)﴾ (النساء)، لكن الفارق بينكم- أيها المؤمنون- وبينهم أنكم موصولون بالله، تحيون في معيته، تجاهدون في سبيله، تعملون من أجل عقيدتكم وأمتكم وابتغاء مرضاة ربكم ورجاءً فيما عنده من ثواب، لا من أجل مغنم أرضى أو مأرب ذاتي أو مصلحة شخصية.
إن تصور الإنسان أن الهموم قد لحقت به وحده والجراح قد ألمت به هو دون خصمه أو عدوه يُزيد- بلا شك- من شدة همومه وجراحه وآلامه على نفسه، وقد يُقعده ذلك عن التفكير واستجماع شتات النفس لمواجهة الموقف وآثاره وتداعياته، فضلاً عن الاستمرار في التصدي للتحديات الأخرى.
الإسلام- إذن- يريد أن يحدث لدينا هذا التوازن النفسي الذي يجعلنا قادرين، ليس فقط على الثبات والصمود، ولكن على مواصلة تحمل أعباء الدعوة، وإذا كان الإنسان مطالبًا بألا يتوقف عن السعي المستمر والدائم لتحقيق رسالته وبلوغ أهدافه، فمن الضروري له أن يستعيد سريعًا قوته النفسية وبناءه العصبي والوجداني.
في أُحد بعد أن وقعت الهزيمة بالمسلمين على إثر معصية الرماة لأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وما حدث بعد ذلك من تلاوم، نزل القرآن الكريم لكي يعيد المسلمين إلى صوابهم ورشدهم وإلى القاعدة الإيمانية التي تربوا عليها والتي تميزهم عن غيرهم حتى لا تختل الموازين أمام أعينهم أو تؤثر الهزيمة في نفوسهم أو تنال من عزيمتهم: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران)، جاءت الآيات تُذكرهم بالحقائق الكبرى والسنن الإلهية التي لا تتبدل ولا تتغير، وهي أن للنصر أسبابه التي يتعين الأخذ بها وللهزيمة أيضًا أسبابها التي يجب تداركها وعدم الوقوع فيها، وأن المعارك سجال بين أهل الإيمان والكفر، بين أهل الحقِّ والضلال، وأن الهزيمة حين تقع لا تمثل نهاية المطاف، وإذا كنتم قد هُزمتم اليوم فقد هَزم الله تعالى عدوكم من قبل، وهذا وذاك إنما يحدث للتمحيص والفرز للصفِّ المؤمن، فضلاً عن اصطفاء المولى تعالى لصنفٍ من المؤمنين بالشهادة، وهذا واضحٌ وجلي على مدار التاريخ، القديم والحديث.. يقول الحق جل وعلا: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)﴾ (آل عمران).
الأخ الحبيب..
لا يجب أن يتصور الإنسان إذا ما فاته مغنم، أو وقع عليه ظلم، أو أصابته مصيبة، أو حلَّت به كارثة أن ذلك خارج عن قضاء الله وقدره، أو أنه جرى بمنأى عن إرادة الله ومشيئته.. يقول المولى تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)﴾ (الحديد)، حتى لا يأكلنا الغم، ويفترسنا الهم، أو يُدمرنا الكرب.
وعلى المؤمن ألا ينفكَّ أبدًا عن الارتباط بالآخرة، والاستعداد ليوم الحساب، يرجو رحمة الله ويخشى عذابه، يتذكر ما أعدَّه الله تعالى للمؤمنين الطائعين من نعيمٍ مقيم، وللعصاة والمذنبين ما يستحقونه من عقاب، وما ينتظر الكافرين من عذابٍ عظيم، كما يجب عليه ألا ينفك في الوقت ذاته عن أن الحياة الدنيا متاع الغرور، وأنها لعب ولهو، وأنها دار ممر سرعان ما تفنى وتزول، وبالتالي لا يجب أن تنال منا من اهتمامٍ إلا على قدر ما وصفها الله تعالى به.. لماذا؟ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)﴾ (الحديد).
جاء في صفوة التفاسير: قال المفسرون: والمراد بالحزن الحزنُ الذي يوجب القنوط، وبالفرح الفرحُ الذي يورث الأشر والبطر، ولهذا قال ابن عباس: "ليس من أحدٍ إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرًا وغنيمته شكرًا"، وقال عمر- رضي الله عنه-: "ما أصابتني مصيبة إلا وجدت فيها ثلاثة نعم: الأولى؛ أنها لم تكن في ديني، الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يعطي عليها الثواب العظيم والأجر الكبير".
الأخ الحبيب..
غني عن البيان أن الناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في طاقاتهم وقدراتهم ومدى تحملهم للمصائب التي تحل بهم، كما أن الأمر يتوقف في جانبٍ منه على طبيعة المصائب وشدتها، بل وعلى الظروف والسياق والمناخ الذي يمر به الإنسان.. وفي الصدارة يتبوأ الأنبياء والرسل الكرام المكانة العليا في تحمل أعباء الدعوة والقدرة الفذة على تجاوز الأزمات واستيعاب المشكلات مهما كانت حدتها وصعوبتها وتعقدها وتشابكها؛ ولذا كان اصطفاء الله تعالى لهم.
ونظرة- على سبيل المثال- إلى ما وقع لأبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات وأزكى التسليمات على يد قومه من إلقائه فى النار، ووحي الله له بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام وشروعه في ذلك يُعطيك إحساسًا فوريًّا بالطاقة الإيمانية المعجزة التي تحلَّى بها الخليل عليه السلام، بل والقوة النفسية المبهرة التي تعامل بها مع الأحداث، ولا أكون متجاوزًا إذا قلت إن المرء منا حين يتوقف ويتدبر ويتأمل تلك المشاهد يتزلزل كيانه ويصيبه الهلع والفزع، ويتأكد له أن الطريق طويل وشاق والمرتقى صعب ووعر، ويحتاج إلى همم عالية وإرادة فولاذية صلبة، وهو ما يتطلب إلى إعادة بناء وصياغة وتشكيل للإيمان.
أحيانًا كثيرة أقف مشدوهًا ومذهولاً أمام حادثة الإفك التي واجهها الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وابتُلي بها المجتمع المسلم آنذاك، وكيف تحمَّل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الظروف العصيبة بكل ثباتٍ وجلدٍ وصلابةٍ وصمود ورباطة جأش.
إن الحادثة بتفاصيلها والآلام التي سببتها للحبيب المصطفى ولأم المؤمنين عائشة وللصديق رضي الله عنهما، وللصحابة رضوان الله عليهم تُوجع القلب، ولمجرد أن يمر عليها الإنسان يصيبه الأسى والحزن والألم.. لكنه حين يصل إلى قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (النور: من الآية 11) يثوب إلى رشده ويعود إلى صوابه، ويُفهم من هذا الخطاب أنه موجَّه لعموم المؤمنين، وليس للنبي صلى الله عليه وسلم فقط، أو لأم المؤمنين عائشة أو للصديق رضي الله عنهما وحدهما، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الأذى قد طال الجميع، فضلاً عن أن القضية جاءت بهدف تشريع يضع القواعد الصلبة لصيانة المجتمع المسلم من أي زيغٍ أو انحراف.
إن حادثة الإفك أُثيرت حول شخصية هي من أحبِّ الناس إلى قلبِ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وفي بيئةٍ تعرف للشرف مكانته العليا ومنزلته الكبرى.. في بيئةٍ يتردد فيها قول القائل:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
ثم هي بالأساس استهدفت الحبيب المصطفى.. النبوة والرسالة.. الزعامة والقيادة.. استهدفت حاضر الأمة ومستقبلها، بل استهدفت البشرية كلها وإلى أن تقوم الساعة، وهو ما يعني أن المصاب كان فادحًا والخطب كان جللاً.
الأخ الحبيب..
إضافةً إلى ما سبق أحب أن أذكِّر نفسي وإياك بهذه النصائح والتوجيهات العملية إذا أصابك- لا قدر الله- ما تكره أو وقع ما لا ترجوه:
1- أكثر من الذكر والدعاء والاستغفار، وإليك بعضًا مما أُثر عنه- صلى الله عليه وسلم- قدَّر الله وما شاء فعل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيَّ حكمك عدلٌ في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي وجلاء حزني وذهاب همي، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شرِّ ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
2- أقبل على القرآن.. اقرأ بعض آياته، تدبر معانيها، تأمل في مرادها، حاول أن تعيش معها بكل خلجات قلبك، تذكَّر أنك تُكلم خالق الأرض والسموات، مالك الملك والملكوت، فذلك ينقلك من حالة التشتت والضعف والعجز إلى حالةٍ من التماسك والقوة والقدرة على الفعل، وتذكَّر أيضًا أن من أُتيحت له فرصة الحديث مع رب العالمين طالت قامته وعَظُم شأنه وهانت عليه الدنيا بأسرها وشفاه الله من كل سقم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)﴾ (يونس).
5- قم فتوضأ وصلِّ ركعتين تقف فيهما بين يدي مولاك تبثه همومك، تلقي إليه سبحانه بأحزانك، تطلب منه أن يفرج كربك، ويزيل غمك، ويأخذ بيدك إلى الهدى والرشاد.
4- لا تبق وحيدًا، اتصل والتقِ أحد الأصدقاء الأحباء ممن تثق بهم وتُقدِّر فيهم رجاحة العقل والحكمة وبعد النظر.. تحدث إليه عله يخفف عنك، ينصحك، يدلك على حل، أو على الأقل يخفف من وطأة المشكلة عليك.. نحن في حاجةٍ إلى هذه المصارحة، خاصةً في هذا الوقت، وحبذا لو كانت مع شخصية لها طاقتها الإيمانية العالية.
5- ثق في نفسك وإمكاناتك، وأنك قادر- بإذن الله- على الخروج من المأزق، واعلم أن لكل مشكلة حل، إن لم يكن اليوم فغدًا، شريطةَ ألا تسوف.
6- لا تأخذ قرارًا وأنت غاضب، أو متوتر، بل تريث وتمهل وتأنى.
7- اجتهد أن تدرس المشكلة التي تواجهك بشكلٍ دقيق، حددّ طبيعتها، حجمها، شدتها، تعرَّف على أسبابها كي تصل إلى ما تستلزمه من حلول.
8- إذا كانت المشكلة مركبة حاول أن تقوم بتفكيكها إلى مشكلاتٍ صغيرة كي يسهل التعامل معها مشكلة وراء أخرى، وابدأ بالمشكلة السهلة حتى تعطيك ثقةً في نفسك وتغريك بالمضي قدمًا في علاج بقية المشكلات.
أسأل الله تعالى أن يجعل أيامنا رغدًا، وأن يعافينا ويعفو عنا، وأن يكتب لنا في هذه الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وأن يتوفنا مع الأبرار، والله من وراء القصد.
-----------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين