يأمرنا الإسلام بالإنفاق في طاعة الله وفي مجال الطيبات دون إسراف أو تبذير أو ترف، وأن يكون الإنفاق معتدلاً وسطًا، ومن أهم الضوابط الشرعية للإنفاق التي يجب أن يلتزم بها المسلم سواء في رمضان أو غيره ما يلي:

الإنفاق في طاعة الله:

يستشعر المسلم التقي الورع الصائم أن المال الذي بيده ملكٌ لله سبحانه وتعالى، وأن ملكية حيازته تنتهي بموته، وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تؤكد هذا المعنى؛ منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)﴾ (الحديد)، ويقول الله عزَّ وجلَّ في آية أخرى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: من الآية 33).

 

تؤكد هذه الآيات أن على المسلم أن ينفق المال طبقًا لأوامر شريعة مالكه الحقيقي أي في طاعة الله سبحانه وتعالى، وعليه قبل أن يهم بإنفاق درهم أو دينار معرفة هل هذا في طاعة الله أم لا؟ فإذا كان في طاعة الله فليسرع بالإنفاق، وإن كان في غير طاعة الله، فليمتنع عنه، وأساس ذلك قول رسول الله صلى الله علية وسلم: "إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن كان خيرًا فأمضه، وإن كان غيًّا فانته عنه" (متفق عليه).

 

 الصورة غير متاحة

 د. حسين شحاتة

كما يجب على المسلم أن يؤمن أن له وقفة مع الله سبحانه وتعالى يحاسبه على هذا المال من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟، وأساس ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن تزول قدما عبد يوم القيامة؛ حتى يُسأل عن أربع- منها- عن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه (رواه الطبراني والترمذي).

 

وإن كان هذا هو الواجب؛ فعليك أن تحرص عليه كل الحرص في شهر رمضان.

 

أما واقعنا هذه الأيام، فمناقض لما يأمرنا الله به؛ حيث يقوم بعض الناس بإنفاق جزء كبير من الأموال في السهرات والحفلات التي يشاهدون فيها الأجسام العارية، ويسمعون الأغاني الخليعة، وكثيرًا ما نشاهد في الصحافة إعلانات لدور اللهو التي تعلن عن قضاء سهرات رمضان، وتناول السحور على أنغام الموسيقى والغناء.

 

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)﴾ (الحديد)، ألم يأن لحكوماتنا أن تمنع ذلك؛ حتى تفوز برضاء الله سبحانه وتعالى.

 

الإنفاق في الطيبات:

لقد أمرنا الله أن يكون الإنفاق في مجال الطيبات؛ حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: من الآية 157)، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)﴾ (الأعراف).

 

فعلى المسلم ولا سيما في شهر رمضان أن ينفق ماله في شراء السلع والخدمات التي تعود عليه وعلى المجتمع الإسلامي بالنفع، وأن يمتنع عن الإنفاق في مجال الخبائث؛ حتى لا يضيع صيامه وصلاته وقيامه وقرآنه هباءً منثورًا.

 

ومما نلاحظه في شهر البركات أن فريقًا من الناس ينفقون في شراء السلع الخبيثة مثل: الدخان ومشتقاته، والخمور ومشتقاتها، وفي شراء شرائط الفيديو المنافية للقيم والمثل والأخلاق، وفي شراء تذاكر السينما والمسارح؛ لمشاهدة ما يغضب الله، ويبرر هذا الفعل المحرم بأن فيه تسلية لصيامه.

 

وعلى مستوى الإنفاق الحكومي نجد أن الدولة تنفق من الأموال في شراء أو إنتاج المسلسلات والبرامج التليفزيونية التي تعد خصيصًا لشهر رمضان، بل إن معظمها يتم بثه في وقت صلاة العشاء والقيام، وكأن هذا مقصود.

 

ألم يأن لأولي الأمر من المسلمين أن يستشعروا أن الله سبحانه وتعالى؛ سوف يحاسبهم عن أموال المسلمين، وكيف أنها تنفق في مجال الفساد والخبائث؟!.

 

ولا يعني ما سبق أن الإسلام يحرِّم السينما والمسرح والفيديو والتلفاز، بل يجب أن تستخدم هذه الوسائل في نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة، وتقوية العقيدة، ونشر الفضيلة، وإبراز سير الأنبياء والصحابة، ولا سيما في رمضان؛ حتى يستطيع المسلم المحافظة على صيامه.

 

الاعتدال في الإنفاق:


 الصورة غير متاحة
من قواعد الإنفاق في الإسلام "الوسطية" دون إسراف أو تقتير؛ لأن في الإسراف مفسدة للمال والنفس والمجتمع، وكذلك الوضع في التقتير ففيه حبس وتجميد للمال، وكلاهما يسبب خللاً في النظام الاقتصادي، وأصل هذه القاعدة من القرآن الكريم هو قول الله تبارك وتعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)﴾ (الفرقان)، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)﴾ (الإسراء).

 

وعلى المسلم أن يلتزم بهذه القاعدة في شهر رمضان، فيجب ألا تجرفه السعة في الرزق إلى الإسراف بالتقليد الأعمى للعادات السيئة في رمضان، كما يجب ألا يضيق على أسرته أو أولاده إلى المدى الذي يبدل به نعمه الله تقتيرًا.

 

تجنب الترف في الإنفاق:

تحرِّم الشريعة الإسلامية نفقات الترف والمظهر بصفة قطعية؛ لأنها تؤدي إلى الفساد والهلاك، وهذا التحريم يخص الفرد في ماله والدولة في الأموال العامة، وأصل هذا من القرآن الكريم قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)﴾ (الإسراء)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34)﴾ (سبأ)، يصف القرآن هؤلاء المترفين بصفة الكافرين والكاذبين فيقول جلَّ وعلا: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (المؤمنون: من الآية 33).

 

والسنة النبوية حافلة بالأحاديث التي تحذِّر الناس من حياة الترف وإنفاق المال في الملذات والتفاخر والخيلاء، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف أو مخيلة" (رواه ابن ماجه)، وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلوا واشربوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا ترف؛ فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (رواه أحمد والنسائي).

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: "إياك والمخيلة ولا تلام على كفاف" (رواه ابن ماجه)، ويقول صلى الله عليه وسلم: "يأتي على الناس زمان همهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم، ودينهم دراهمهم ودنانيرهم؛ أولئك شر الخلق لا خلاق لهم عند الله" (رواه الديلمي).

 

أما واقعنا الآن في رمضان، فقد ابتعدنا عن شريعة الإسلام، وأصبح الترف والتفاخر هو الأساس حتى اعتاده الناس، وظنوا أنه المعتاد فتهتم المرأة عند إعداد ولائم رمضان بـ"المحمر والمشمر والمكسرات والعصائر وغيرها"، وربما تعلم أن زوجها قد اقترض مالاً.

 

كما أن بعض شركات القطاع العام والخاص تنفق الأموال لإعداد ولائم الإفطار لموظفيها في الفنادق ذات النجوم الخمسة، وربما تكون خاسرة، وعليها ديون أثقل من الصخور.

 

لذلك يجب على المسلم الصائم أن يبتعد عن كل سبل الترف؛ حتى لا يكون ذلك إحباطًا لعمله وخسرانًا له في الدنيا والآخرة.

 

تجنب نفقات التقليد والبدع:

لقد أمرنا الإسلام أن نتجنب تقليد غير المسلمين في سننهم وعاداتهم وتقاليدهم، وحذَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: "لتتبعن سنة من كان قبلكم باعًا بباع، وذراعًا بذراع، وشبرًا بشبر؛ حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه"، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن إذًا غيرهم؟" (رواه ابن ماجه).

 

كما حذَّرنا من البدع فقال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليه بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" (رواه الترمذي).