الحِلْم: خلق من أخلاق الإسلام العظيمة، والذي يتمثل في تريث الإنسان وتثبته في الأمر، ويعني الأناة وضبط النفس (1).

 

وهو ضبط إرادي للانفعال في مواجهة إساءات الآخرين، ابتغاء وجه الله.

 

وهذا الضبط الإرادي يعطي الحليم الفرصة للتفكير الهادئ والتقدير السديد لتلك الإساءات، فيقرر بطريقة سليمة خلقيًّا ودينيًّا أن يقابلها بمثلها، أو يعفو عنها.

 

وهكذا يكفل الحلم لصاحبه البقاء ضمن إطار القانون والفضيلة ويجنبه تجاوزهما. أما الخير الذي يجنيه الغير من حلم الحليم فهو الأمن من الظلم أو انتهاك الفضيلة والقانون بالاعتداء أو بالعقاب المخالف لهما، وكذلك يتيح الحلم للغير الفرصة لنيل العفو والصفح عن إساءته (2).

 

وعندما نتأمل آيات القرآن الكريم التي تعالج الحلم نجد أنها تذكره كصفة لله- عز وجل- ثم لأنبيائه- صلوات الله وسلامه عليهم. وأنها تقرنه- غالبًا- بالمغفرة.

 

يقول تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)﴾ (البقرة).

 

وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 235).

وقوله- عز وجل- ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة: من الآية 114).

 

ويلاحظ أن الصيغة اللغوية التي ذكر بها الحلم في القرآن هي الصفة؛ ولكنها مع ذلك تشير إلى حث القرآن على الحلم بطريقة غير مباشرة، فهي صفة رفيعة وصف الله بها ذاته تعالى، ثم وصف بها أنبياءه عليهم الصلاة والسلام (3).

 

وفي كتاب الله فضلاً عن هذا ثناء كبير على  ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 134). وتقدير مرموق للمؤمنين الذين ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: من الآية 37).

 

وقد ورد في السنة النبوية العديد من الأحاديث التي تحث على فضيلة الحلم وتغري المسلمين على الالتزام بها.

 

يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله" (4)

 

ويقول- صلى الله عليه وسلم: "ألا أدلكم على أشدكم؟ أملككم لنفسه عند الغضب" (5)

 

ويقول- أيضًا-: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (6)

 

ففي هذه الأحاديث- فضلا عن الحث الصريح والندب الواضح إلى فضيلة الحلم- بيان لعدة حقائق تتعلق بهذه الفضيلة.

 

أول هذه الحقائق: كون الغيظ أو الغضب العنيف مسلمة أولية للحلم، وإذا لم يوجد غضب لأي سبب، لم يعد للحلم مكان.

 

والثانية: أن الحلم فضيلة صعبة المنال؛ لأنها تتطلب شخصية خلقية قوية، وإرادة خلقية ماضية لضبط الانفعال العنيف.

 

والثالثة: أن الحلم فضيلة عالية القيمة.

 

والرابعة: أن القيمة الخلقية للحلم ترتهن بنية الفوز برضا الله أو قصد وجه الله.

 

ولقد حذر الرسول- صلى الله عليه وسلم- من الغضب الذي يخرج صاحبه عن حد الاعتدال.

 

عن أبي هريرة- رضي الله عنه- "أن رجلا قال للنبي- صلى الله عليه وسلم- أوصني قال: "لا تغضب" فردد مرارًا قال "لا تغضب" (7)

 

- فضل الحلم والصفح:

بالتأمل في صفة الحلم نجد أنها تعود على صاحبها بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة، نجمل منها:

1- جعل الله- عز وجل- الحلم والعفو من صفات المتقين الذين يسارعون إلى مغفرة الله وإلى الجنة، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾  (آل عمران).

 

2-  الحلم يحيل العداوة مودة، يقول الله تعالى ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)﴾ (فصلت).

 

3- جعل الله تعالى الصفح، والعفو والحلم من علامات القوة، وليس من علامات الضعف والعجز، قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (43)﴾ (الشورى).

 

4- الحلم يحبه الله تعالى، فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" (8)

 

وعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه" (9).

 

وعنها- أيضًا- قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه" (10).

 

5- الحليم العفو يدعوه الله يوم القيامة ليخيّره من الحور العين ما شاء، فعن معاذ بن أنس- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء" (11).

 

6- جعل الله تعالى الحلم من صفات عباده الذين يُجزون الغرفة بما صبروا، فقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63)﴾ (الفرقان).

 

7- يُحرِّم الله تعالى النار على كل هين لين سهل، فعن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ألا أخبركم بمن يحرم على النار- أو بمن تحرم عليه النار- تحرم على كل قريب هين لين سهل" (12).

 

8- الحلم من صفات الأنبياء والمرسلين، يقول الله تعالى واصفًا إبراهيم- عليه السلام- ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75)﴾ (هود).

 

ويقول واصفًا إسماعيل- عليه السلام.. ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101)﴾ (الصافات).

 

- نماذج عملية في الحلم:

الحلم من الآداب التي يجب أن يتحلى بها المسلم في حياته، اقتداءً برسول الله- صلى الله عليه وسلم- صاحب الأدب والخلق الرفيع ومن هذه النماذج:

1- حلم النبي- صلى الله عليه وسلم-:

حيث ضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى في الحلم والعفو والصفح الجميل، فعن عائشة- رضي الله عنهما- قالت: "ما خُيِّر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لنفسه في شيء قط، إلا أن تُنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى" (13)

 

وعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: "كنت أمشى مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد أثّرت به حاشية البرد من شدة جبذته- ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم أمر له بعطايا" (14)

 

هذا مثل رائع في حلم النبي- صلى الله عليه وسلم- مع الأعرابي الذي تطاول عليه بيده وبلسانه، وكان رد فعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- في هذا الموقف الذي يطيش فيه عقل أهل الأرض أن يضرب المثل الأعلى في الحلم، فيبتسم، ويأمر له بعطاء على بعيرين، أحدهما عليه شعير، وعلى الآخر تمر.

 

وقد اتسع حلمه- صلى الله عليه وسلم- حتى شمل الناس جميعًا، فقد روى جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: أتى رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-  بالجعرانة (15) منصرفة من حنين، وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقبض منها، يعطي الناس، فقال: يا محمد، اعدل. قال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل"، فقال عمر- رضي الله عنه-: دعني يا رسول الله، فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأًصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم،  يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية" (16)

 

2- حلم أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-:

لقد كان أبو بكر- رضي الله عنه- لين الطبع يؤثر العفو على المؤاخذة، والحلم على الثأر والانتقام، ولكن رغم ذلك فإن موقف مسطح (وكان من أقاربه) من حادث الإفك- حين خاض مسطح مع الخائضين فيه- غضب أبو بكر وأقسم ألا ينفق عليه، فنزل القرآن ليرد أبا بكر إلى صوابه وحلمه وعفوه، فقال تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)﴾ (النور). فرجع أبو بكر مرة أخرى للإنفاق على مسطح.

 

3- حلم عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-:

على قدر ما كان عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قويًّا في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، كان حليمًا عفوًا، فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحُر بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر- رضي الله عنه- وكان القراء أصحاب مجلس عمر- رضي الله عنه- ومشاورته كهولاً كانوا أو شبابًا. فقال عيينة لابن أخيه: (يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير) فأذنْ لي عليه، فاستأذن، فإذن له عمر.

 

فلما دخل قال: هِيْ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل فغضب عمر- رضي الله عنه- حتى هَمَّ أن يوقع به. فقال له الحر: يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى قال لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ (199)﴾ (الأعراف)، والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقّافًا عند كتاب الله تعالى" (17)

 

4- حلم الشافعي رحمه الله:

روى أن الشافعي- رحمه الله- خرج ذات يوم من المسجد فقال له رجل: يا شافعي: قال: لبيك. قال: أنت فاسق!

 

فقال الشافعي: اللهم إنْ كنتُ كما قال فتب عليَّ. وإن لم أكن كما قال فاغفر لي.

وفي اليوم الثاني: حدث كما حدث في اليوم الأول، وفي اليوم الثالث كذلك.

 

فقال له الشافعي: يا هذا: إن العالم كالشجرة والعلم كالثمرة. فخذ الثمر ولا شأن لك بالشجرة، فعاتبه صاحب له: أمَا كان لك أن ترد عليه؟!

 

فقال الشافعي:

يخاطبني السفيه بكل قبح      وآبى أن أكون له مجيبا

يزيد سفاهة وأزيد حلما       كعود زاده الإحراق طيبا

 

ما أحوجنا في هذه الأيام لإشاعة خُلق الحلم والصفح في تعاملنا مع الآخرين. والله الهادي إلى سواء السبيل.

----------------

(1) المعجم الوسيط، 1/201

(2) تفسير المنار، 4/427

(3) الفضائل الخلقية في الإسلام، د. أحمد عبد الرحمن، ص241

(4) رواه البخاري

(5) منتخب كنز العمال، ص166

(6) الموطأ، ص47، حديث (12)

(7) رواه البخاري

(8) رواه مسلم، ومعنى الأناة التثبت وترك العجلة

(9) رواه مسلم

(10) رواه مسلم

(11) رواه أبو داود والترمذي

(12) رواه الترمذي، وقال حديث حسن

(13) متفق عليه

(14) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، كتاب الأدب، 10/503

(15) الجعرانة: مكان قريب من مكة

(16) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، 2/742

(17) رواه البخاري، هِيُ: كلمة تهديد

----------

* nassareg2000@gmail.com