رئيس وحدة حوض النيل بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام:

- الصهاينة يدعمون تعنت دول مجرى النهر والسبب غياب مصر

- السودان هي الوحيدة التي تقف معنا واستقرارها في مصلحتنا

- مصدر الخلاف يتمثل في الرقابة المسبقة على مشروعات "المنبع"

- فرض الأمر الواقع يهدد بالدخول في صراعات على النهر

- لا توجد اتفاقية جماعية والمبادرة المصرية تستهدف لم الشمل

- امتلاك مصر والسودان حق الفيتو على التعديلات.. ضروري

- فرص التغلب على الخلافات محدودة والتحلي بالنفس الطويل مطلوب

- التهديد بضرب أديس أبابا سبب توتر العلاقات مع إثيوبيا حتى الآن

 

حوار- إيمان إسماعيل:

"مصر تدخل حيز الندرة المائية".. مقولة مخيفة وتصريح جعل الكثيرين يتحدثون عن السبب وراء هذه الكارثة التي تتمثل في عدم توافر الماء اللازم مستقبلاً، خاصة بعد النزاعات والخلافات القائمة حول بعض البنود في اتفاقية حوض النيل بين مصر والسودان من ناحية، وبين بقية دول الحوض من ناحية أخرى.

 

هذه هي القضية التي طرحها (إخوان أون لاين) على الدكتور هاني رسلان رئيس وحدة حوض النيل بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام للوقوف على أبعاد تلك الأزمة، وأسباب تعنت تلك الدول ورفضها بعض البنود في المبادرة المصرية وتهديدها بعقد الاتفاقية دون موافقة مصر، خاصة بعد تأكيداته بوجود الكيان الصهيوني القوي حول حوض النيل فكان الحوار التالي:

* ما الاتفاقيات التي تنظم حصص مياة نهر النيل؟

** أولاً.. يجب أن نوضح أنه لا توجد اتفاقية جماعية تجمع كل دول حوض نهر النيل، وأن الموجود الآن هو اتفاقيات قديمة كانت ذات طابع ثنائي، حيث كانت أول اتفاقية عام 1929 بين مصر وبريطانيا بصفتها الاستعمارية لكل من (أوغندا وكينيا وتنزانيا)؛ وهي التي أعطت مصر الحق في الموافقة أولاً على إقامة أي مشروعات لأي بلد حتى تتأكد أنها لن تؤثر على حصتها من ماء النهر، ولا على تدفق المياه نحو مصر في الشمال على اعتبار أن مصر آخر دولة في المصب.

 

أما الاتفاقية الثانية فكانت عام 1959 بين (مصر والسودان) وكانت بخصوص تنظيم عملية بناء السد العالي لعام 1961، لتقسيم المياه المتواجدة خلف السد بين مصر والسودان.

 

* ولكن هناك اعتراضات من هذه الدول على هاتين الاتفاقيتين؟

** مجموعة الدول مثل إثيوبيا الموجودة في الحوض الشرقي، أو المنابع الشرقية للهضبة الإستوائية لا تعترف بالاتفاقيتين، وتقول إنها ليست طرفًا فيها، بالإضافة إلى أن قول تلك الدول أن اتفاقية عام 1929 كانت الدول مستعمرة من بريطانيا، وهي الآن كدول مستقلة غير ملزمة بهذه الاتفاقيات، ولم توقع عليها وأنها لا تعبر عن مصالحها، ويعتبر هذا هو لب الخلاف الكائن الآن.

 

ونتيجة لهذا فإن دول منابع النهر دائمًا ما تقول إنها غير موقعة على هذه الاتفاقيات، وأنها غير ملزمة بها وتعتبر هذه الاتفاقيات غير قانونية وغير ملزمة، وأنها لن تلتزم بالنصوص الواردة فيها، بالإضافة إلى أنها تحتج على اتفاقية 1959 لأنها تجاهلت تلك الدول وجعلوا مصب النهر في دولتين فقط هما (مصر والسودان).

 

فالسودان تعتبر دولة معبر ومصر دولة مصب، فمصر تحاشيًا لتلك الخلافات ولإدراكها أنها مقبلة على أزمة مياه وأنها ستدخل في حيز الندرة المائية اقترحت مشروع المبادرة المشتركة لحوض النيل.

 

* وعلام تنص تلك المبادرة؟

** تم طرح هذه المبادرة عام 1997، وبدأ التشاور الفعلي فيها عام 1999، تم خلالها دراسة مجموعة كبيرة من المشروعات، وهذه المشروعات يلزمها جزءان ضروريان هما الخبرة الفنية والتمويل.

 

وفكرة هذا المشروع تنص على أن النابع من النهر ضخم ويصل إلى 1300 مليار متر مكعب، لا يصل منه خلف السد العالي سوي 84 مليار متر مكعب فقط بما يعني نسبة الـ5% فقط من جملة نابع النهر في الوقت الذي لا يصل لمصر 95% فاقد من هذا النابع.

 

وأحب أن أؤكد أن الدول التي لديها مشاكل وتحتاج إلى إقامة مشروعات على مجرى النهر سواء لتوفير المياه أو لتوليد الطاقة من المفترض أن يتم عبر مبادرة مشتركة تشمل كل دول حوض النيل العشرة، وهذه الدول العشرة على أن يتم دراسة تلك المشروعات لصالح الدول العشرة كلها، حتى أن استفادت دول من هذه المشروعات ولم تستفد أخرى، على أن تكون الموافقة على إقامة المشروع يكون بشرط عدم الإضرار بالصالح العام.

 

* ما أهمية تلك المبادرة وما دور مصر تحديدًا فيها؟

** مصر هي الراعي الأساسي لهذه المبادرة، لأنها الطرف الأساسي في دول حوض النيل الذي يمتلك خبرة كبيرة، ولأنها تمتلك أعرق مؤسسة ري على مستوى العالم، حيث إنها تعمل في مجال الري منذ آلاف السنين، وهي بذلك لديها كم من الخبرات العالية، فضلاً عن امتلاكها لعلماء أجلاء في شئون المياه والري.

 

أما عن جانب التمويل؛ فمن المفترض أن يلتزم البنك الدولي كمؤسسة دولية في تمويل أي مشروعات بالالتزام بالقانون الدولي، والذي ينص على أن "المياه في حوض النهر تكون للدول الأعضاء في الحوض" وأن يكون "الاستخدام منصفًا وعادلاً ولا يضر بمصالح أطراف أخرى".

 

فهذه المبادرة ضرورية لتحديد أطر التنسيق والتعاون بين دول الحوض، ولتفعيل الاستخدام العادل والمنصف للمشروعات المختلفة، وللحصول على التمويل اللازم للمشروعات في البلدان المختلفة، ولأن من غير تلك المبادرة التمويل سيتم حتى لو هناك إضرار بمصالح الآخرين، فضلاً عن أن المبادرة ستجعل العائد القادم من أي مشروع يتم اقتسامه بالتوافق، فلا أحد يطلب حصة أكبر أو أصغر مما هو مسموح له؛ لأن المفاوضات تتم في إطار القوانين المنظمة وهي الاستخدام المنصف والعادل وعدم الإضرار بمصالح الآخرين.

 

حلول شكلية

* إذا كانت مبادرة كهذه تعود على جميع الأطراف بالنفع.. فما هو سبب الخلاف إذن؟

** نقاط الخلاف كبيرة على المستوى الفني وما تم التوصل إليه مؤخرًا حلول شكلية فقط، فعندما اكتملت دراسة المبادرة في 2009، تم التغلب على معظم نقاط الخلاف الفنية والتي كانت تشمل 18 نقطة متعلقة بمكان البلد التي سيتم فيها المشروعات وبأي شكل ستقوم.

 

ولكن يكمن محور الخلاف الآن بين مصر والسودان من ناحية، وبين الدول الثمانية الأعضاء من ناحية أخرى، في ثلاثة محاور تتلخص في الأمن المائي والاعتراف بالحقوق التاريخية، وفي الرقابة المسبقة على المشروعات، وفي طريقة تعديل اتفاقية الإطار.

 

حق الفيتو

* وعلام ينص التعديل في اتفاقية الإطار؟

** ينص على ضرورة إنشاء إطار قانوني يحكم تلك المشروعات، وينظم تلك العلاقات بين دول الحوض العشرة، حيث يعتبر الإطار القانوني مهمًّا للغاية خاصة أنه سيكون أول اتفاقية جماعية تلزم دول حوض النهر ومن ثم سينتج عنه مشروعات وسيكون أساسًا للمستقبل لتنظيم العلاقات.

 

 الصورة غير متاحة

 امتلاك مصر والسودان حق الفيتو على التعديلات.. ضروري

فدول المنابع تريد أن يتم هذا التعديل بالأغلبية بين دول المصب (مصر والسودان)، ودول المنابع الثمانية، فبالتالي هم لديهم أغلبية عددية، فمن الممكن أن يقوموا بإجراء تعديلات على الأطر القانونية بعد أن يتم التوقيع عليها، وهو التعديل الذي لن يكون في مصلحة (مصر والسودان) وقد يؤدي إلى الإضرار بمصالحهم.

 

ولذلك (مصر والسودان) تطالب بأن يكون هذا التعديل بالإجماع أو بالأغلبية المشروطة بوجود (مصر والسودان) ضمن تلك الأغلبية، بمعنى أنهما كدولتين تريدان "فيتو" حيث لا يتم تعديل الإطار القانوني إلا بموافقتهم.

 

* وماذا عن الخلاف على بند الرقابة المسبقة على المشروعات؟

** مصر تشترط أن يكون هناك رقابة مسبقة على المشروعات المنفردة، بمعنى ألا تأتي (إثيوبيا وتنزانيا) وتقومان بعمل سدود من نفسها دون تشاور لدول المصب وهي (مصر والسودان)، حتى تكون على معرفة دقيقة بأن تلك المشروعات لن تؤثر على تدفق كمية المياه إليها.

 

* .. والأمن المائي والحقوق التاريخية؟

** الأمن المائي يمكن تقسيمه إلى شقين هما: الاعتراف بحق مصر التاريخي، وأن ما يصلها من الماء الآن لن يتم المساس به، ولن يقترب منه أحد، والثاني في آلية التشاور المسبق على المشروعات المنفردة على مجرى النهر.. حيث إن دولة كمصر- دولة مصب- إذا أقامت مشروعات فلن تؤثر على أحد، لكن من قبلها من البلدان لو أقامت أي منها مشروعات من الممكن أن تؤثر عليها، وبالتالي فإن هناك ضرورة من التشاور المسبق وموافقة مصر أولاً.

 

ويعتبر هذا هو مصدر الخلاف الذي ترفضه دول المنابع رفضًا كليًّا وتتمسك مصر به تمامًا.

 

* وما أسباب تعنت ورفض دول المنابع للاتفاقية من جهة وتمسك مصر بها من جهة أخرى؟

** دول المنابع تقول إنها أصل المياه المتوافر لديها بكثرة، فكيف يطلب منها أن تظل عطشى، والماء لديها، فضلاً عن رفضهم الاعتراف بالحقوق التاريخية لمصر برفضهم لاتفاقيتي 1929، 1959.

 

أما مصر فحصتها من مياه النيل 5% فقط، وتطالب بزيادتها أو على الأقل عدم الوقوف عندها خاصة عندما تنظر إلى المستقبل، ورغبة في الحصول على حصص إضافية من الماء لأنها البلد الوحيدة في دول الحوض التي تعتمد بشكل كبير في 90% من استخدامها للمياه على إيرادها من النهر، أما باقي الدول فلديها مصادر أخرى من الماء الجوفية والأمطار، كما أن دول المنابع دول وفرة، ومصر لا تمانع من إقامة تلك الدول لمشروعاتها بشرط أن لا تؤثر على حصة مصر من المياه!!.

 

وتعتبر مصر تلك النقاط خطًا أحمر وتتعلق بالأمن القومي المصري ولن تقدم أي تنازلات فيها، والدول الأخرى تقول أيضًا أنها غير معنية بهذا الكلام وأنهم سيقومون بالتوقيع على الاتفاق الإطاري للمبادرة بغض النظر عن توقيع (مصر والسودان) وسيتركون التوقيع مفتوح لهم أن ودوا الالتحاق بالاتفاقية فيما بعد، مما ينذر بأزمة، وكارثة خطيرة مقبلة عليها مصر.

 

* كيف ترى تلك الكارثة المقبلة على مصر؟

** نظرًا لاتباع سياسة فرض الأمر الواقع بقوة من جانب دول المنبع بغض نظرها عن العواقب التي ستحدث، فبالتالي سيترتب عليه أن العلاقة التعاونية بين دول حوض النهر العشرة من المتوقع جدًّا أن تنتقل إلى إطار صراعي، الأمر الذي سيترتب عليه بالطبع إلحاق ضرر شديد بمشروعات مبادرة نهر النيل والتي تمت دراستها على مدى السنوات العشر الأخيرة، خاصة أن هذه المشروعات ملك لدول الحوض العشرة وليس لدولة محددة، فضلاً عن الأضرار التي ستواجهنا في مشكلة التمويل لأي من المشروعات حيث إن الإطار القانوني الذي سيوقع لدول الحوض والذي سينشأ عنه مفاوضية لدول حوض النيل، ستكون فاعليتها محدودة جدًّا؛ فطبقًا للقانون الدولي هذه المفاوضية لا تعبر عن دول حوض النهر إنما تعبر عن الدولة الموقعة فقط.

 

* وماذا عن احتمال لجوء مصر إلى القوة كما هدد الرئيس السادات من قبل في أزمة مشابهة بضرب أديس أبابا؟

** هذا الاحتمال غير قائم بالمرة، لأن تهديدات الرئيس السادات كان لها ظروفها الخاصة والمختلفة، حيث تخلت مصر الآن عن هذا النهج تمامًا ولا تريد العودة إليه، وحسب التصريحات الرسمية بعدم وجود أي نية أو توجه للعودة لمثل هذا الإطار، بل إن هناك تماسكًا كاملاً وحرصًا على العلاقة التعاونية، وهو السلوك الرشيد الذي ينم عن قدر كبير من الوعي بالظروف المحيطة، مع الإشارة إلى أن التهديد بضرب أديس أبابا أيام السادات بقيت آثاره إلى الآن في توتر العلاقات المصرية- الإثيوبية، وهو مرتبط بموضوع المياه وموضوع التوازن الإستراتيجي في القرن الأفريقي.

 

ولأن حصتنا من الماء الحالية غير كافية وفي حاجة إلى حصص إضافية من المياه، فليست من مصلحتنا اللجوء إلى القوة، خاصة أن الحصص الإضافية لن تأتي إلا من خلال التعاون عبر مبادرة حوض النيل المشتركة، حيث إن بدخول مصر إطار الصراعات والقوة فإننا نقضي على هذه المبادرة ونقضي على فرص الحصول على حصص ماء إضافية في المستقبل.

 

كما أن النفقات التي ستبذل في الصراع من الممكن أن تبذل في التعاون لتحسين موقف تلك الدول من مصر، خاصة أننا أعضاء في نهر واحد، في ظل أنه موردنا الوحيد للمياه، كما أن الحتمية الجغرافية تفرض علينا وجود هذه الدول، فالذهاب للصراعات والحروب مضر للجميع، وبالتالي فمصر لا تتحدث عنه مطلقًا، ولأن مشروعات التنمية لا يمكن أن تقوم إلا في ظل استقرار وسلام.

 

أزمة

* وماذا بعد اجتماع المجلس الوزاري لدول حوض النهر في السابع والعشرين من يوليو الماضي؟

** في اجتماع الإسكندرية الأخير تم تجاوز تلك الأزمة شكليًّا فقط، لأنه تم الاتفاق على مهلة إضافية 6 شهور لمزيد من المفاوضات، بين (مصر والسودان) من ناحية وبين دول حوض النهر من ناحية أخرى لمحاولة التغلب على النقاط محل الخلاف التي تم ذكرها سابقًا.

 

* وهل تتوقع أن يتم التغلب على تلك النقاط بعد مهلة الـ6 شهور؟

** لا أحد يدري إلى الآن ماذا سيحدث، ولكننا يجب أن نتمتع بالنفس الطويل، خاصة أن فرص التغلب على تلك النقاط تبدو محدودةً في ظل الموقف الحالي لـ(مصر والسودان) ومواقف الدول الأخرى، وإصرارها وتعنتها بهذا الشكل يوضح أننا في أزمة في حال غياب مصر عن القارة الأفريقية وعن دول حوض النيل، وأنه في حال فرض تجاوز الأزمة يعني أن مصر ستقدم العديد من التنازلات بخصوص النقاط الثلاثة موضع الخلاف.

 

* إذًا.. كيف سيكون الوضع وقتها إذا قدمت مصر التنازلات؟

** سيكون الوضع خطيرًا جدًّا، لأننا في اللحظة الحالية دخلنا في حيز الفقر المائي حيث إن حصة الفرد في مصر في الوقت الحالي هي 860 مترًا مكعبًا في السنة، في حين أن المتوسط العالمي لاستهلاك الفرد من المياه 1000 متر مكعب في السنة، وبالتالي فنحن بالفعل دخلنا حيز الفقر المائي في المياه بالفعل، وعلى شفي حيز الندرة المائية بحلول عام 2017 حيث سنتحرك بالنقص لتكون حصة الفرد 580 مترًا مكعبًا فقط للفرد في السنة، وبالتالي الحصة الحالية 55 مليار متر مكعب من الماء لا يمكن النقاش فيها على الإطلاق.

 

كما أن القبول بتعديل آلية الإطار القانوني بدون موافقة مصر، من الممكن أن تعمل الأغلبية العددية ضدنا في أي وقت.

 

النقطة الثالثة وهي التشاور المسبق وهذه أيضًا لا يمكن تقديم تنازلات فيها لأنها إذا ما قدمت تنازلات، وأبدت عدم موافقتنا على التشاور المسبق معناه أن هذه الدول من الممكن في المستقبل أن تقيم مشروعات تلحق الضرر بمصر، ونحن قانونًا لا نمتلك حق الاعتراض، لأننا سنكون وقتها وقعنا على إطار قانوني يشمل على هذه النقطة.

 

تهديدات

* وماذا عن احتمال انسحاب مصر من الاتفاقية؟

** هذه التصريحات أطلقت على استحياء وتم سحبها على الفور، عندما صرح مسئولون مصريون أنه إذا ما وقعت الدول منفردة على هذه المبادرة، فإن مصر ستنسحب على الفور!!، ولكن تم سحب هذه التصريحات في إطار عدم الرغبة في التصعيد، وكان بها تلميح للدول الأخرى أن تعنتهم هذا من الممكن أن يلحقهم بضرر، بمعنى أدق كان نوعًا من التهديد المبطن.

 

 الصورة غير متاحة

فرص التغلب على الخلافات محدودة والتحلي بالنفس الطويل مطلوب

* وماذا لو اضطرت مصر إلى الانسحاب بالفعل في ظل تعنت الدول الأخرى وتمسكها برأيها؟

** لن نستطيع وقتها الحصول على حصص إضافية من ماء النهر، وسندخل في حيز الندرة المائية وستنذر بكارثة.

 

* وهل يستطيعون أن يمنعوا الماء عن مصر نهائيًّا أو يتم التقليل من حصتها الحالية من الماء؟

** أبدًا.. لن يستطيعوا أن يمنعوا عنها الماء نهائيًّا لأن هذه الدول ليس لديها القدرة لا الفنية ولا المالية لإقامة مشروعات تحجز المياه عن مصر لأنها خارج طاقتها تمامًا في الوقت الحالي.

 

* ولكن قد يكون هناك تمويل ودعم من دول أخرى لهذه المشروعات سواء كانت أمريكا أو الكيان الصهيوني؟

** أيضًا في الوقت الحالي لن يستطيعوا بشكل علني وموسع، لأن المشروعات من هذه النوعية ستكون مربوطة بتوازنات دولية وإقليمية، وبها جزء كبير سياسي وليس اقتصاديًّا.

 

ثانيًا هذه الدول غير مستقرة ولديها العديد من المشاكل ونشأت حديثًا ولم تكن دولاً بالأساس من قبل، فهي نشأت طبقًا لحدود الدول المستعمرة سابقًا، وبها صراعات في الداخل، وعدم استقرار، فضلاً عن مشاكلها في بناء الدولة ومشاكلها في التنمية، فكون أن تأتي أطراف من الخارج وتمول مشروعات ضخمة لها بمليارات الدولارات وعائدها محدود أمر بعيد بقدر ما الآن.

 

كما أن مصر لها دور وثقل في هذه المنطقة، ولا يمكن تجاوزها بسهولة أو تهديد مصالحها لأنه سيؤثر على ملفات أخرى عديدة متشابكة ومتداخلة مع بعضها البعض، فبالتالي ما يمكنهم القيام به الآن هو إقامة مشروعات محدودة من إقامة السدود كما في (إثيوبيا وكينيا وتنزانيا).

 

* وماذا عن تأثير تلك السدود على حصة مصر من النيل؟

** هذه السدود لن تؤثر على حصة مصر من النيل إطلاقًا، ووضح ذلك وزير الري الإثيوبي في مؤتمر صحفي أقامه مؤخرًا وأوضح أن من يقول إن السدود الإثيوبية ستهدد مصر كان ينقصهم المعلومات، وأن هذه السدود مقامة لتوليد الطاقة وليس لحجز المياه، وأنه لو حجزت مياه ستكون كمية محدودة جدًّا لري أراضيهم لأنهم سيستخدمون 9 مليارات متر مكعب من الماء وبالتالي لن يؤثر على حصتنا.

 

كما أنه لا بد من توافر مساحة كبيرة منبسطة خلف السد المقام حتى تخزن به الماء، وهو مغاير للوضع الإثيوبي حيث إن خلف السد هضاب منحدرة فلا يوجد لديها هذه المساحة المطلوبة.

 

قوى الكيان

* إذن من وراء تلك الضجة والإشاعات بأن تلك السدود لتهديد مصر وتقليص حصتها من الماء؟

** بالطبع هناك غموض وشكوك حول هذا الموضوع، ولكن ليس هناك معلومات دقيقة متوافرة حوله ولكننا في مصر لدينا هواجس وقلق دائم.

 

* وماذا عن تصريحاتك في إحدى الجرائد منذ يومين عن تواجد الكيان الصهيوني وبقوة في دول حوض النيل؟

** نعم بالتأكيد، الكيان الصهيوني متواجد بقوة في دول حوض النيل ولا إنكار لذلك.

 

* وما الدليل على ذلك وإن كنت ذكرت أن الكيان الصهيوني لن يستطيع تمويل دول منابع النيل لإقامة مشروعات لحجز الماء عن مصر على الأقل في الوقت الحالي أو بشكل علني؟

** لأن دول حوض النيل من الأساس دول حديثة النشأة، وحدود هذه الدول هي حدود مصطنعة، وقاموا بعمل فواصل سياسية تضم في داخلها قبائل مختلفة، فعندما حصلت هذه الدول على الاستقلال طبقًا لهذه الحدود السياسية أصبح هناك عدم استقرار وتنازعات في الداخل ومشاكل لبناء هذه الدولة، مشكلة في الشرعية السياسية، ومشكلة في التكامل الوطني ومشكلة في خلق الولاء للدولة ومشاكل أخرى في الثقافات والديانات المختلفة، بالإضافة إلى التفاوت الطبقي خاصة أن النخب الحاكمة لديهم تربت في الكنائس الغربية، وأصبحت موالية للغرب بشكل كامل.

 

ولما كان لهذه الكنائس من تأثير في صناعة الكراهية ضد العرب والمسلمين، فكان من السهل اختراق تلك الدول بأي مجهود ولو بسيطًا، فالكيان الصهيوني له وجوده القوي في هذه الدول اقتصاديًّا وسياحيًّا، فضلاً عن الوجود الأمني له في ظل الخدمات الأمنية والاستخباراتية للزعماء والنخب الحاكمة، بالإضافة إلى وجودها التسليحي في التدريب الحر للحرس والرؤساء وفي المخابرات الداخلية وفي تقديم خدمات إلكترونية من التجسس على المعلومات وغيرها.

 

وبالتالي هذا جعل لها نفوذ على النظم الحاكمة في تلك البلدان من التدخل عن طريق عرض المشروعات المختلفة.

 

ولا ننكر أن هذه التدخلات للكيان الصهيوني نتج عنه هذا الموقف المتعنت للدول، فالكيان له تواجده القوي في دول عديدة من دول حوض النيل وبأشكال مختلفة وبشكل موسع، ولكن غير معلن عنه صراحة.

 

 الصورة غير متاحة

د. نصر علام وزير الري المصري

* وزير الري المصري نفى وجود أي تدخلات للكيان الصهيوني على دول المنابع مبررًا ذلك بوجود أقمار صناعية على نهر النيل لمراقبة الأوضاع.. ما تعليقكم على ذلك التصريح؟

** النفوذ موجود والتأثير موجود، ولا يستطيع أحد إنكاره، ولكن الأقمار الصناعية الموجودة ليست على قدر الاحتياطات الآمنة المطلوبة، التي نستطيع من خلالها أن نقر بتواجد صهيوني من عدمه، ولكن من المحتمل أن يكون تصريحات وزير الري نابعة من عدم وجود مشروعات محسوسة أو علنية ظهرت على السطح.

 

ولكن عدم وجود مشروعات فعلية الآن ليس معناه عدم تواجد مخططات صهيونية، لأن أهداف الكيان الصهيوني تطويق مصر والتأثير على أمنها وجعلها في أزمات طوال الوقت، فلن يستطيع أحد أن ينفي هذا الكلام.

 

تأثير

* وهل وجود الكيان في تلك الدول له تأثير على الأمن القومي المصري؟

** بالطبع؛ فمجرد وجود الكيان الصهيوني في تلك البلدان فهو تهديد للأمن القومي المصري، فهو يحمل مخاطر آنية ومستقبلية، خاصة أن تلك الدول هي منبع النيل، لذلك لا بد أن يكون لمصر حضور قوي في كل هذه البلدان، حتى لا تكون الساحة خالية أمام العبث وتأثير الكيان الصهيوني، وحتى يفوق تأثيرنا على تأثير ونفوذ الكيان الصهيوني، لاستغلال الكيان لحاجة تلك البلدان الضعيفة لقطاعات مختلفة، وتقديم المساعدات لهم حتى يكون له النفوذ والسيطرة مستقبلاً.

 

* وما أشكال تلك التأثيرات؟

** هذه الأزمة مثال على هذا التأثر، فالموقف الحالي المتعنت المتخذ لشكل عدائي هو نتيجة لتراكم طويل الأمد، أن هذه النخب ثقافتها غير ودية اتجاه مصر واتجاه العالم العربي، مما جعلها تسمح للكيان الصهيوني بتقديم خططه وقبولها ومناقشتها.

 

* وكيف يمكن أن يفوق تأثيرنا على تأثير الكيان في تلك الدول وما جدوى ذلك؟

** عن طريق المساعدات الصحية والبعثات، والمناهج التعليمية، والتنسيق السياسي، والاستثمار الاقتصادي فبدلاً من استيراد الكميات الهائلة من اللحوم من الغرب يتم استيرادها من تلك الدول، واستثمارات رجال أعمالنا توجه إلى تلك الدول بدلاً من أي بلد آخر، بالإضافة إلى أن استيرادنا لكميات هائلة من الأغذية بعشرات المليارات من الدولارات.

 

فلو وجهت إلى تلك الدول لكان أفضل فعند بدء تجارة ومصالح مشتركة مع هذه الدول ستفكر ألف مرة قبل أن تتخذ مواقف عدائية لأنه بالتالي سيؤثر على مصالحها أولاً.

 

* يعني هذا أن تعنت هذه الدول وتدهور الوضع الحالي بها سببه تدخلات الكيان الصهيوني؟

** بالطبع، فتعنت هذه الدول حصيلة عوامل عدة على رأسها وأهمها التدخلات الصهيونية، ورغبتها في التضييق على مصر.

 

السودان

* هل من الممكن أن تؤثر هذه الاتفاقية على علاقة مصر بالسودان؟

** لا.. من المستحيل، لأن السودان الدولة الوحيدة التي تقف معنا وفي صفنا.

 

* وماذا عن أن حصة مصر من المياه أكثر من حصة السودان؟

** لا تشكل حصة الماء أي أزمة بين مصر والسودان، خاصة أن السودان حتى هذه اللحظة لا تستخدم كل حصتها من مياه النهر، فهي تترك جزءًا كبيرًا من حصتها وتأتي على بحيرة السد العالي، فلا مشكلة بيننا وبين السودان، ولو حدث هذا لتضاعفت الأزمة لأن وقتها سنكون دولة وحيدة ضد 9 دول.

 

* هل استقالة وزير الري المصري أبو زيد لها علاقة باتفاقية حوض النيل؟

** هو أقيل ولم يستقيل، لأسباب غامضة حتى الآن، والمعلن أنه لم يرد بقوة على مؤتمر سابق في مؤتمر لحوض النيل، والسبب الحقيقي غير معروف وغير معلن.

 

الحل

* فما رؤيتك للحل وللإستراتيجية المستقبلية من وجهة نظرك؟

** لا بد أولاً أن نسرع من وسائل التعاون بقوة مع تلك البلدان، أما الأمر الثاني فلا بد من زيادة الحضور المصري بكثافة في تلك البلدان وإعطاء هذا الأمر أولوية قصوى.

 

ثالثًا: أن نكف عن الحجج الفارغة التي نطلقها هنا في مصر من أننا نعاني من نقص في الموارد، لأن ذلك التواجد لا يتطلب موارد مادية فقط، فنحن في مصر نمتلك مستثمرين نستطيع أن نوجههم إلى تلك البلدان، بالإضافة إلى المنح التعليمية وغيرها التي ذكرناها سابقًا، أما رابعًا فلا بد من ضرورة المحافظة على وحدة السودان واستقراره، لأن السودان هو أكثر الدول العربية التي لديها خبرة في التعاون مع القارة الأفريقية.

 

* وماذا عن نطاق الشعوب.. هل هناك أي دور لإنقاذ الأزمة؟

** بالتأكيد، فيجب أن يكف الشعب عن الإسراف المخيف في استخدام الماء، واستخدام المياه برشادة أكثر، لأننا لدينا فاقد 4% من الماء، فلو تم ترشيد استخدام المياه لتم توفير 40% لمياه الشرب و30% لمياه الزراعة، ووقتها لن نكون بالطبع في حيز الفقر المائي.

 

ولكن بالطبع الحل ليس بيد المواطن كاملاً، فالحل في ترشيد الاستهلاك من جانب الشعوب، والبحث عن موارد إضافية من جانب الحكومة.