لا يخفى على أحد أن الماء إذا تُرك راكدًا لفترة فإنه يأسن ويفسد وتعتريه التغيرات التي تذهب بطبيعته النقية الطاهرة والمطهرة لغيرها وتتبدَّل خواصه الطبيعية والحيوية وتنمو به الطفيليات وغيرها من علامات الفساد.
وفي عالم الجماد والآلات فإن الآلة التي تظل دون عمل لفترة طويلة يصيبها تغيراتٌ كثيرةٌ جلها إلى الأسوأ.
وكذلك الإنسان إذا ظل راقدًا في فراشه دون حركة فإن الأمراض والأوبئة ستتكالب عليه لتُهلك هذا الجسد الراكد؛ لتحيله إلى عجز بعد قدرة، وضعف بعد قوة، وشحوب بعد نضرة.
لكن الماء الجاري له شأنٌ آخر من الجمال والنقاء، والآلة العاملة لها رونق آخر من العطاء والإنتاج، والجسد المتحرك له طبيعة رائعة من القوة والحيوية.
إنه قانون إلهي، نراه كل يوم، ويلوح أمامنا كل ساعة، نلاقيه في الملمَّات حين تكون الكلمة للطاقات النافرة، كما نعرفه في أوقات الرخاء سواءً بسواء، فالركود دائمًا شأنه الفساد والإفساد، والثبات في هذه الدنيا من المستحيلات، فإن لم يكن التطور والتغير إلى الأفضل هو الحال القائم كان التقهقر والتراجع للأسوأ هو عنوان الموقف.
لا ينطبق القانون السابق على عالم الماديات فحسب، ولكنه قانون عام ينطبق على عالم الأفكار، ويسري في ميدان المناهج والأنماط أيضًا، فالفكرة التي يتناولها أصحابها بجمود خالٍ من حيوية العقل وروح الفكر ويأخذوها من أسلافهم نمطًا موروثًا لينزلوها إلى واقعهم كما هي، محاولين توريثها إلى أخلافهم بنفس هذه الطريقة الجامدة؛ يكون مصيرها المحتوم أن تأسن وتطرأ عليها مظاهر الفساد.
والمنهج الذي يحمله أصحابه كالأوعية الخاملة التي لا تتفاعل مع ما تحمل؛ لا يُكتب له الثبات والاستمرار، بل تعتريه الانحرافات، ويرتاده الشذوذ حتى وإن كان صافيًا في أوله.
والفساد في عالم الأفكار هو فساد شديد الوطأة، عظيم التبعات، تلمح أثره واضحًا في هذه الصيحات الشاذة والشبهات القاتلة، تلمسه جليًّا حين ترى الأفكار عاجزةً أمام المستجدات، لا تستطيع النفاذ خلال الواقع بسهولة، فربما تنكسر الفكرة وتخضع أمام العواصف، وربما تحرفها النجاحات عن غايتها الأصلية وربما يكون ذلك الفساد استسلامًا أمام قضية من القضايا لا تستطيع التصرف فيها، بل ربما كان هذا الفساد متمثلاً في ضعف التأثير وتراجع الإنجازات التي حققها السابقون، أيٌّ من هذه الأعراض السابقة هو علامة الفساد والاضطراب الذي طرأ على فكرة نتيجة ركود أصابها على مدار أجيال مختلفة من حامليها.
من هنا أستطيع أن أقول إن الطريقة المثلى للتعامل مع الأفكار والمناهج هي طريقة التفاعل والتلاحم، طريقة الإبداع والإثراء، يتلقاها كل جيل فيعرضها على واقعه ويعرض واقعه عليها، ثم يعمل فيها فكره وعقله، فيفرز ذلك أفكارًا جديدةً وأنماطًا غير تقليدية، تكون أكثر ملاءمةً ومسايرةً للتغيرات المحيطة فتكون المحصلة صياغة مستقلة للجيل قد صنعها بنفسه يحملها في قلبه وينطلق منها في ميادين الانتاج والنهضة، وبدلاً من أن تكون الاجيال كلها نسخًا مكررةً متشابهةً متطابقةً، يصبح كل جيل علامةً مميزةً في حدِّ ذاته ومنارةً عاليةً واضحةً في تاريخ الدعوة والنهضة.
هي دعوة لتناول المناهج والأفكار بطريقة غير طريقة التلقِّي فحسب، ولكن طريقة الفكر والإبداع، بحيث نبدأ من حيث انتهى أسلافنا، متخذين من تجاربهم رصيدًا رائعًا من الخبرات، ومتخذين من أفكارهم وتصوراتهم منطلقًا نكتشف به واقعنا ونخوض به غمار حياتنا، نحمل هذه الأفكار بعقول حية تضفي عليها كل يوم ما هو جديد، في إطار لا ينكسر من الثوابت والأصول، نربي أخلافنا على هذا النمط الإبداعي في التعامل مع المناهج والأفكار، فتسير الفكرة في سلسلة متعاقبة من الأجيال المبدعة القادرة على دراسة الواقع والتعامل معه، فتنمو الفكرة كل يوم ويزداد تمسك أبنائها بها، وتصبح أكثر قدرةً على مواجهة التحديات والتغيرات؛ حتى يكون النصر وتكون النهضة بإذن الله تعالى.