تخطئون فنعتذر
الأخ الحبيب..
تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً؛ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
فقد سمعت من شيخنا وعمِّنا الأستاذ سعد لاشين، عمدة إخوان محافظة الشرقية بمصر، بارك الله في عمره، وأتمَّ عليه نعمة الصحة والعافية؛ أن شيخنا الجليل ومرشدنا المفضال الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله رحمةً واسعةً كان كثيرًا ما يردِّد هذا البيت:
إخواننا نمرضُ فنعودكمُ وتخطئون فنأتيكم فنعتذرُ
وهذا- لعمري- يتطلَّب طاقةً إيمانيةً عاليةً، ونفسًا زكيةً أبيةً، وضميرًا يقظًا حيًّا، وقلبًا نقيًّا تقيًّا، وهو ما تميَّز به الأستاذ مصطفى، وحاز فيه النصيب الأوفى، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، وأعتقد أن كلَّ من عايش الرجل أو اقترب منه أو تعامل معه يشاركني هذا الرأي.
![]() |
|
أ. مصطفى مشهور |
وأضيف فأقول إن الأستاذ مصطفى- وهو في دار الحق الآن- كان من أكثر الإخوان مشاورةً لأصحابه في القضايا الصغيرة قبل الكبيرة، وقد خبرته رحمه الله في كثير من المواقف على مدى ثمانية وعشرين عامًا، فما وجدت منه إلا الصدق والإخلاص والمثابرة والدأب، والحرص على هذه الدعوة ورجالها، وأنه عاش لها بكلِّ خلجات نفسه، فجزاه الله عنها وعنَّا كلَّ خير، وجعل ذلك في ميزان حسناته.
ومن أسف ومما يؤلِم حقًّا أن بعض الإخوة- غفر الله لنا ولهم- يتحدثون هذه الأيام عن الأستاذ مصطفى بما لا يجوز في حقِّه ولا يليق بمكانته الكبيرة ودوره الخلاَّق، وسوف أُدلي بشهادتي عن هذه الشخصية العملاقة حين يأتي الوقت المناسب، ولعل ذلك يكون قريبًا بإذن الله.
إن هذه الجماعة ضمَّت في صفوفها أفضل النفوس، وأنقى القلوب، وأنبل العواطف، وأكرم الأخلاق..، ولا أقول هذا من قبيل التزكية لهذه الجماعة، أو محاولةً مني لدغدغة مشاعر أفرادها، ولكنْ من باب الاعتراف بالفضل العظيم لله تعالى من منطلق ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: من الآية 113)، ومن قبيل التحدث بنعمته سبحانه ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)﴾ (الضحى).
ثم الشعور بالامتنان لهذا الرجل الملهم المبارك؛ الإمام المجدد حسن البنا، الذي هداه الحق جلَّ وعلا إلى هذا الفهم الدقيق والنظر الثاقب، ومنَحَه تلك الهمَّة العالية، والعزيمة الصادقة، والطاقة الإيمانية الفذة، والقدرة العبقرية الفائقة على التنظيم والتكوين والبناء، ومنحه قبل ذلك وبعده إخلاصًا لله تعالى، ملك عليه قلبه وفؤاده، وحبًّا له سبحانه وارتباطًا وثيقًا بكتابه مع فهمٍ عميقٍ لآياته، ومحبةً واقتداءً بنبيه صلى الله عليه وسلم، ومحبةً للمؤمنين، وقلبًا عطوفًا يسع الأمة كلها، بل العالم كله، بكل أشكاله وأطيافه، وقراءةً واعيةً ورصينةً للتاريخ والواقع العالمي والإقليمي والمحلي، ودرايةً ومعرفةً لطبائع النفوس وأخلاق الرجال.
الأخ الحبيب..
ولأن الجماعة تنتقي أفرادها من المجتمع الذي تعيش فيه؛ فسوف يكون حالهم حال هذا المجتمع، نعم.. هم أفضل من فيه علمًا وثقافةً وخلقًا وإيمانًا، لكنْ تبقى الحقيقة التي لا مراءَ فيها، وهي أن المجتمع إذا كان متميزًا فسوف يكون الأفراد المنتقون متميزين بإطلاق، وأما إذا كان هابطًا أو متدهورًا، فسوف يحمل الأفراد المختارون بعض علله وأدوائه، وتأتي التربية والتكوين داخل الجماعة لتعالج أوجه النقص، وعادةً ما تنجح في مهمتها، ولو على المدى الطويل، حسب طبيعة النقص وتجذُّر المشكلات ومدى شدَّتها وحدَّتها، ومدى توفُّر المربين الأكْفاء، فضلاً عن المناخ الذي تتم فيه عملية التربية، علاوةً على همَّة الفرد وعزيمته واستعداداته للنهوض.
وكثيرًا ما يتعرَّض الإخوان لضغوط شديدة، وأمواج عاتية، وتحديات شرسة وضارية، علاوةً على القمع والبطش المتمثل في التضييق والملاحقة والمطاردة والاعتقال والحبس الاحتياطي والمحاكم العسكرية والحرب على الأرزاق، علاوةً على محاولات تلويث السمعة وتشويه الصورة وإثارة الغبار حول الجماعة ومنهجها؛ بهدف عزلها وتحجيمها، وفضِّ الجماهير من حولها، وإقصائها ومنعها من أن يكون لها دورٌ في الحياة السياسية.
وفي الغالب الأعمِّ يخرج أفراد الجماعة من كلِّ هذه المحن وهم أصلبُ عودًا وأقوى شكيمةً وأكثر التصاقًا وإيمانًا بالجماعة، فكرًا ومنهاجًا وأهدافًا؛ وذلك لأن شجرة الجماعة- بفضل الله تعالى- طيبة جذورها ضاربة في أعماق الأرض، وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
ويتصور البعض أن الجماعة تسعى- بقصد أو بغير قصد- إلى الابتلاءات والمحن، وهو قولٌ غير صحيح، وعمدتنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يذل الرجل منكم نفسه"، قالوا: وكيف يذل الرجل منا نفسه يا رسول الله؟! قال "يعرض نفسه للبلاء ما لا يطيق"، أو كما قال، ثم إن الجماعة لا تستعذب الابتلاء ولا تتمنَّاه من باب قول الحبيب المصطفى: "لا تتمنوا لقاء العدو ولكن إذا لقيتموه فاثبتوا".
وقد يطرأ على نفوس بعض الإخوان ما يطرأ على الآخرين من غيرهم من علل وأدواء؛ من جرَّاء وجودهم في السجون، خاصةً لفترات طويلة، أو حتى من ضغوط الحياة العادية، فهم في النهاية بشرٌ يصيبهم ما يصيب غيرهم، وهذا طبيعيٌّ وبدهيٌّ، ولكن مطلوبٌ منا بدلاً من أن نترك هذه النفوس لضعفها واستسلامها لعللها- كما يحدث عند الآخرين- أن يتكاتف أفراد الجماعة وتتضافر جهودهم؛ لاستنقاذ هذه النفوس، واستنهاض همَّتها، ومدّ يد العون إليها، والأخذ بيدها وإحاطتها بكل أنواع العناية والرعاية.
لا ينبغي أن ندع هذه النفوس تتناوشها الوساوس، وتتكالب عليها أجناد الشر من الإنس والجن.. هذه هي مهمتنا.. فالحرص على كل أفراد الجماعة، والحب الذي جمعنا، والرابطة التي ائتلفت عليها قلوبنا، والقارب الذي يحملنا، والهدف الذي قامت من أجله جماعتنا، كل ذلك يدفعنا إلى عدم التخلي عن أي فرد منا مهما أصابه من فتور، أو اعتراه من نقص أو وقع فيه من خطأ.. فكل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوَّابون... وكما يقول أحد الإخوان إن هذه الجماعة تمثِّل ركيزةً أخلاقية وإيمانيةً لازمةً وضروريةً لتماسك وصلابة وعافية المجتمع، بل وأمنه واستقراره، فضلاً عن نهضته ورقيِّه، هذه الجماعة هي معقد رجاء الأمة وأملها، حاضرًا ومستقبلاً، وبالتالي يجب أن نعي هذه الحقيقة جيدًا، وأن نعمل لها، والله المستعان وعليه التكلان.
الإخوة الأحباب..
ينبغي أن يكون منا هذا السعي الدءوب لتفقُّد الأفراد عن قرب، والتعرف على أحوالهم وظروفهم، وتبيُّن مشكلاتهم أولاً بأول، فإن معالجة الأمراض في بدايتها سهلٌ ميسورٌ، وحلُّ المشكلات قبل أن تكبر وتتفاقم أمرٌ مطلوبٌ، فضلاً عن أن ذلك يشيع جوًّا من المحبة والألفة بيننا، وهو الشيء الضروري والحيوي واللازم للنهوض بالأعباء وتحمُّل التكاليف والمسئوليات.
في يوم من الأيام خلال عام 1997م وكنا في سجن ملحق مزرعة طره، وقع خطأ من الأخ (س) في حق أخيه (ص) أمام الإخوان؛ الأمر الذي أثّر في نفس (ص).. وبعد ذلك بأيام جرى عتاب بين الأخ (ص) والأخ (ع) بشأن ما حدث من (س)، فقام الأخ (ع) بإبلاغ (س) بهذا العتاب، فما كان من الأخ (س) إلا أن ذهب من فوره إلى الأخ (ص) في زنزانته للاعتذار عما بدر منه، وحين رآه الأخ (ص) على باب الزنزانة قام إليه وعانقه قبل أن يتكلم على اعتبار أن الموضوع صار منتهيًا.. غير أن الأخ (س) أراد أن يُبدي أسباب ما وقع منه، فعاجله الأخ (ص) بقوله: طالما أنك جئت إلى هنا فلا كلام.. يكفي مجيئك.
ما أريد قوله هو إن الإنسان منا حين يخطئ في حق أخيه يجب أن نعطيه فرصةً للاعتذار أو الانسحاب دون إراقة ماء وجه.. نريد أن نحافظ على كرامة الإخوان.. فذلك أحفظ للعلاقات وأدومها بيننا.. وإذ كان أخوك قد أخطأ اليوم فسوف تخطئ أنت كذلك غدًا، وأضيف فأقول من الضروري أن نضع لأنفسنا آليةً للتعامل مع الأخطاء؛ لأنها لن تتوقف، وأن تكون لدينا المرجعية الإيمانية الروحية التي نلجأ إليها لحلِّ مشكلاتنا، وعلاج أخطائنا، ونسأل الله تعالى أن يسترنا بستره الجميل.
وتعالوا معي أيها الإخوة الأحباب إلى هذا الأدب الرباني الرفيع:
إذ جرى بين الحسين بن علي وأخيه محمد بن الحنفية رضي الله عنهم أجمعين كلامٌ فانصرفا متغاضبيْن، فلما وصل محمد إلى منزله أخذ رُقعة وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم.. من محمد بن علي بن أبي طالب إلى أخيه الحسين بن علي بن أبي طالب، أما بعد: فإنَّ لك شرفًا لا أبلغه، وفضلاً لا أدركه، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك، وسِرْ إليَّ فترضَّاني، وإياكَ أن أكونَ سابقَك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام..
فلما قرأ الحسين رضي الله عنه الرقعة لبس رداءه ونعليه، ثم جاء إلى أخيه فترضَّاه، رضي الله تعالى عنهما وجمعنا بهم في عليِّين.
والله من وراء القصد..
--------------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.
