- (إخوان أون لاين) يرصد: نصف مليون فدان بالمحافظات تشرب المياه الملوثة

- الكرنب والخس والخيار والسبانخ والبطاطس أشهر "خضراوات المجاري"

- "زنين" و"الرهاوي" يرويان 100 ألف فدان بـ6 أكتوبر والجيزة والمنوفية

- مصرف بلبيس وبحر البقر يغذيان 77 ألف فدان بأراضي الشرقية والقليوبية

- 70 ألف فدان بالوجه البحري والصعيد ترويها مياه "المصانع" و"المجاري"

- السرطان والكبد والفشل الكلوي والتخلف العقلي أخطر أمراض الري بمياه الصرف

 

تحقيق- صالح الدمرداش:

كارثة صحية وبيئية من العيار الثقيل يضعها (إخوان أون لاين) أمام المسئولين؛ حتى يمكن من خلالها إيقاف طوفان السرطان والأمراض الفتاكة؛ كتليف الكبد، والفشل الكلوي، وأمراض القلب، وفقر الدم.. ألا وهي اعتماد مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية على مياه الصرف الصحي؛ سواء بالقاهرة الكبرى أو محافظات الوجه البحري والصعيد، والتي رصدنا منها ما يقرب من نصف مليون فدان خلال جولة استغرقت شهرًا كاملاً قمنا بها في معظم محافظات مصر.

 

يحدث هذا رغم أن الخبراء من أساتذة الطب والزراعة والمياه والسموم يؤكدون تسببها في الأمراض الخطيرة السابق ذكرها، فإحصائيات معهد الأورام تشير إلى إصابة 100 ألف مواطن بالسرطان سنويًّا في مصر خلافًا للأمراض الأخرى، ورغم أننا نفجر القضية إلا أننا نود مساءلة الحكومة خاصة الوزارات المعنية "الري، والزراعة، والصحة، والبيئة، والإسكان" بل والمعاهد والمراكز البحثية والجامعات وأساتذتها الذين ينشئون مئات الجمعيات الطبية، ويعقدون آلاف المؤتمرات... لماذا الصمت على هذه الكارثة التي تفتك بالمصريين؟!

 

في البداية يؤكد محمد عبد الله (مزارع بمحافظة 6 أكتوبر) أن كثيرًا من المزارعين بقرى المعتمدية، وناهيا، وصفط اللبن، وبرك الخيام، وكومبرة، وكفر حكيم يعتمدون على مصرف ناهيا الذي تأتي مياهه من محطة الصرف الصحي بزنين في زراعة وري أراضيهم، وهذه المساحات تتعدى 20 ألف فدان، وتُزرع بالفاكهة والخضراوات، خاصة الكرنب والخس والسبانخ والبصل والفول والثوم، وأيضًا القمح والبرسيم والذرة، وعن أسباب الاعتماد على هذه المياه يضيف مجدي: إننا نعتمد عليها لعدم توافر مياه الري في هذه القرى منذ ما يزيد على 10 سنوات، ويتساءل في نهاية كلامه: هل لهذه المياه ضرر في الزراعة؟

 

بنكهة المجاري

ويتفق مجدي عرفة (مزارع) مع الكلام السابق، مضيفًا أن مساحة الأراضي الزراعية التي تعتمد على مياه الصرف الصحي في الري تزيد على 50 ألف فدان في محافظة 6 أكتوبر، وبعض المناطق بمحافظة الجيزة؛ لأن مياه مصرف ناهيا تصب في ترعة المريوطية، وتروي أراضي كرداسة ومنشية البكاري والصليبة ونكلا وكفر حكيم، ومساحات هذه القرى وما قبلها تزيد على 50 ألف فدان تتم زراعتها بمختلف المحاصيل والخضراوات، كالسبانخ والذرة والقمح والبرسيم والبصل والفول، وأيضًا الفاكهة مثل الجوافة والمانجو والبرتقال والموز.. هذا بخلاف ترعة الزمر المليئة بالمياه الملوثة من صرف صحي وصرف زراعي، وتعتمد كثير من القرى على الري منها؛ مثل أرض اللواء وبشتيل والبراجيل.

 

ويستنكر عبد الجواد عبد الكريم (مدير إدارة الجمعيات الأهلية بحلوان) صمت المسئولين في وزارات الزراعة والري والصحة على كارثة استخدام مياه الصرف الصحي في الزراعة، مشيرًا إلى أن آلاف الأفدنة في محافظة حلوان تعتمد على مياه الصرف الصحي بترعة الصف التي يزيد طولها على 50 كيلو مترًا، وذلك بقرى مراكز الصف والعياط وأطفيح، ويزرع بها البطاطس والقمح والخضار والفول والزيتون وجميع أنواع الفاكهة، ورغم أن مياه الصرف الصحي تدمر الصحة إلا أن هذا الوضع الخاطئ ما زال مستمرًا.

 

مصرف بلبيس

 الصورة غير متاحة

 استخدام مخلفات الصرف الصحي في ري الأراضي الزراعية

أما سيد فتحي (سائق) فيؤكد اعتماد ما لا يقل عن 7 آلاف فدان بمنطقة الجبل الأصفر على مياه الصرف الصحي من محطة صرف الجبل الأصفر؛ منها مساحات كبيرة ملك للدولة ومؤجرة للأهالي، ومنها مساحات ملك للمواطنين تتم زراعتها بالخضراوات؛ مثل الخس والفول والخيار، وأيضًا البرسيم والقمح والفاكهة؛ مثل البرتقال والكمثرى والجوافة.

 

ويضيف محمد حسين (مزارع): إن مصرف بلبيس يأخذ من محطة الصرف الصحي بالجبل الأصفر، ويمر بقرى القليوبية؛ مثل أبو زعبل والأشلة والومل وعرب العليقات وعرب جهينة وكفر الشوبك وأراضي هذه القرى تزيد مساحتها على 30 ألف فدان، تعتمد على مصرف بلبيس في الري، وتزرع جميع أنواع الخضراوات والفاكهة، ثم يمر مصرف بلبيس بمحافظة الشرقية، ويروي ما يزيد على 40 ألف فدان بقرى المنير والزوامل وأنشاص والعباسي وبلبيس، وهذه تُزرع أيضًا بالخضراوات والفاكهة التي تعد المصدر الرئيسي لأسواق القاهرة الكبرى.

 

مصرف كوتشينر

أما محمد نصار (موظف) من كفر الشيخ، فيؤكد أيضًا أن غياب رقابة الري والزراعة وراء انتشار الأمراض بين أهالي كفر الشيخ والغربية؛ لأن مصرف كوتشينر المليء بمياه الصرف الصحي والصرف الصناعي من مصانع الغربية يعتمد عليه أكثر من 40 ألف فدان بالمحافظتين، في ري الخضراوات والفاكهة؛ لعدم توافر مياه الري النظيفة من ناحية، ولأن مياه الصرف تعمل على زيادة نمو النبات من ناحية أخرى، خاصة أنه يمر وسط الأراضي، وذلك رغم أن مياه الصرف تسبب الأمراض الخطيرة. ويقول نصار: هذه الكارثة نلاحظها بوضوح في الأراضي المطلة على مصرف كوتشينر بالغربية وأيضًا في مراكز بلطيم والحامول والرياض وفوه ومطوبس بكفر الشيخ، هذا المصرف طوله يزيد على 60 كيلو مترًا، وتعتمد عليه عدة مصارف أخرى تروي أراضي شاسعة مثل مصرف سنهور، والمصيبة أن هذا المصرف يصب في نهايته في نهر النيل.

 

مصرف الرهاوي

 

اعتماد آلاف الأفدنة الزراعية على مياه الصرف الصحي

نفس الكارثة تتكرر في مصرف الرهاوي الذي يمر بأراضي محافظات الجيزة و6 أكتوبر والمنوفية؛ حيث تعتمد عليه أراضٍ زراعية كثيرة تزيد مساحتها على 30 ألف فدان، وتتم زراعتها بالخضراوات والفاكهة أيضًا، ومن أشهر القرى التي تعتمد عليه نكلا وأبو غالب وكثير من قرى المنوفية، ويصب هذا المصرف أيضًا في نهر النيل.

 

ويشير خليل زكريا (عضو بجمعية تنمية المجتمع بالكوم الأحمر بالدقهلية) إلى الوضع الخطير الناجم عن ري الأراضي الزراعية بمياه الصرف الصحي؛ حيث لا يوجد صرف صحي بغالبية المراكز والقرى التي تصرف مياه الصرف الخاصة بها في الترع والمصارف، كما في بلقاس والكوم الأحمر وعش العقاب والجوهري والصريف، وتمتلئ ترع الرملة وعش العقاب ومصارف المطرية والنظام بمياه الصرف الصحي الملوثة، والتي تروي أكثر من 30 ألف فدان من الأراضي الزراعية، هذا بالطبع وراء انتشار الأمراض الفتاكة؛ مثل تليف الكبد والفشل الكلوي والسرطان بين المواطنين في الدقهلية، والمناطق التي تعتمد في غذائها على هذه الأراضي، كما في القاهرة والمحافظات المجاورة، ولا بد من وجود تشريع يمنع استخدام هذه المياه في الري، وتوفير مياه نظيفة من النيل بدلاً من مياه الصرف الملوثة.

 

من بحري للصعيد

وتتكرر المأساة في محافظات الوجه البحري الأخرى، وكذلك محافظات الصعيد، ونوجز ذكرها في مناطق فارسكور والسرو وشط جريبة وحوض تعلب وميت الشيوخ، والأعصر بمحافظة دمياط، وأيضًا أراضي الشرقية التي تعتمد على مصرف بحر البقر في الري، خلاف مصرف بلبيس.. ثم مساحات كبيرة من الأراضي بمحافظة البحيرة، والتي تعتمد على مصرف وادي النطرون، وتتم زراعتها بالخضراوات والفاكهة، وكذلك عشرات القرى بمحافظة المنوفية، خاصة مركز أشمون مثل سمدون وبراشيم وشوشاي والقناطرين والفرعونية التي تعتمد على مصرف صحي يحتوي على مياه ملوثة، كذلك تتكرر المشكلة في الصعيد، كما في مصارف إهناسيا والصعايدة والمحيط بمحافظة بني سويف وترع المشروع والإبراهيمية بالمنيا، والعديد من المصارف الأخرى في أسيوط وسوهاج.

 

ويرى منير رزق الله (عضو مجلس محلي بمحافظة الإسكندرية) أن غياب الحكومة وعدم التنسيق بين الوزارات والمحافظين وراء كارثة ري الأراضي الزراعية بمياه الصرف الصحي، فرغم أن وزارات الزراعة والري والصحة والإسكان والبيئة مسئولة عن ذلك إلا أنهم جميعًا متهمون بالتقصير، فلا مياه الري النظيفة متوافرة، ولا المصارف تتم تغطيتها، ولم نسمع عن أي تحذير رسمي للمزارعين من خطورة مياه الصرف الصحي؛ لذلك تنتشر الأمراض الخطيرة بين المواطنين، خاصة أن المصارف تمتد عبر عدة محافظات، وهذه المشكلة نعاني منها في الإسكندرية؛ حيث تعتمد عشرات الآلاف من الأفدنة على ترع المحمودية والناصرية التي تحتوي على مياه الصرف الصحي والصرف الصناعي أيضًا، مثل أراضي أبيس وأحواض المنتزه والعامرية، فلا بد من منع استخدام مياه الصرف الصحي في ري الأراضي الزراعية وتوفير مياه نظيفة للري.

 

أمراض قاتلة

 الصورة غير متاحة

أمراض خطيرة تسببها مياه الصرف الصحي في المحاصيل الزراعية

وعن هذه الكارثة البيئية يحذر د. سميح عبد القادر (أستاذ علم المبيدات والسموم البيئية بالمركز القومي للبحوث والخبير بالاتحاد الدولي للسميات) من استخدام مياه الصرف الصحي والصناعي في ري الأراضي الزراعية؛ لأنها تحوي مواد كيميائية غاية في الضرر؛ حيث تضم مركبات عضوية مثل مخلفات المستشفيات والأدوية والمبيدات والبويات ومركبات غير عضوية؛ مثل مخلفات المصانع والمعادن الثقيلة كالرصاص والحديد والزنك والنحاس، وهذا بخلاف المخلفات الآدمية، وما بها من ملايين الميكروبات والبكتيريا والفيروسات السامة والقاتلة، وكل هذا يذهب من خلال مياه الصرف الصحي إلى النبات، سواء أكانت خضراوات أو فاكهة، ومنه إلى الإنسان، ويتسبب ذلك في انتشار الأمراض الخطيرة؛ كالفشل الكلوي وتليف الكبد والأورام السرطانية المختلفة، ويعمل على اختلال وظائف الغدد، وينتج عنه تشوهات الأجنة للأمهات الحوامل والأطفال المختلطين وكذلك التخلف العقلي.

 

ويتفق الدكتور جمال شعيب (أستاذ أمراض الجهاز الهضمي والكبد بطب القاهرة)، ويضيف قائلاً: إن مياه الصرف الصحي بها ملايين الطفيليات المعدية مثل الأميبا والدوسنتاريا، والفيروسات التي تنتقل إلى النبات ومنها إلى الإنسان، وتتسبب في الأمراض الباطنية الخطيرة؛ مثل الفيروسات الكبدية والفشل الكلوي.

 

قرار وزاري

ويشير كل من الدكتور محمد أبوسنة، والدكتور نبيل قنديل (بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة بوزارة الزراعة) إلى قرار وزير الزراعة رقم 603 لسنة 2002م الذي يمنع استخدام مياه الصرف الصحي في ري المحاصيل الحقلية؛ كالقمح والبرسيم والفول والذرة والأرز، وجميع الخضراوات والفاكهة لخطورتها على الصحة، وطالبا بأن يقتصر استخدام مياه الصرف على الأشجار الخشبية وأشجار الزينة، مع مراعاة التدابير الوقائية لعمال الزراعة عند استخدام مياه الصرف في الأشجار الخشبية وأشجار الزينة.. أيضًا الكود المصري رقم 501 لسنة 2005م الذي ينص على الممنوعات السابقة، إضافة إلى القطن وحدائق الأطفال والمدارس، مؤكدين أنه لا توجد جهات تفعل هذه القرارات.

 

وأضافا أن استخدام مياه الصرف الصحي في الزراعة ضار جدًّا بالصحة، لما تحتويه من عناصر ثقيلة مثل النيكل والكوبالت والزئبق والرصاص والكادميوم والبكتيريا الضارة والطفيليات، وهذه تنتقل إلى النبات الذي يُروى بمياه الصرف، ومنه إلى الإنسان وتسبب أمراض الدم والقلب والسرطان والتيفود وفقر الدم عند الأطفال، وسرطان البلعوم والمثانة عند الكبار.

 

الحل

وعن حلول هذه المشكلة المزمنة يضيف أستاذا البحوث الزراعية أنه لا بد من توفير مياه ري صالحة وغير ملوثة بمياه الصرف الصحي أو الصناعي أو الزراعي، ولا بد من جهة إدارية تمنع أي مخالفات تخص الري بمياه الصرف الصحي ووجود تشريعات تعاقب من يفعل ذلك، وسرعة التوعية الإعلامية عبر الصحف والتليفزيون والفضائيات توضح خطورة ذلك، وأن يقتصر استخدام مياه الصرف على الأشجار الخشبية ومزارع الزينة فقط؛ لأن هناك بعض المزارعين يتركون المياه النقية ويلجأون لمياه الصرف؛ لأنها تزيد نمو النبات، كما يحدث ذلك بالأراضي الزراعية بجوار مصرف بحر البقر بالشرقية، رغم وجود ترعة السلام التي تحوي مياه ري نظيفة.