- موظفو المحليات: الفساد في الأحياء منتشر وتجاوز الركب بكثير

- د. عمرو الشوبكي: القرار عشوائي ويساعد على تفشي فساد المحليات

- عبد الخالق فاروق: كلام للاستهلاك والحكومة لا تعرف اللامركزية

 

تحقيق- نورا النجار:

"حاميها حراميها".. هو التعبير الأمثل للرد على قرار الدكتور بطرس غالي بمنح رؤساء المجالس المحلية في مختلف المحافظات المصرية سلطات (وزير مالية) في التصرف في أموال الميزانية الخاصة بمحافظتهم.

 

القرار فتح من جديد صفحة الفساد "السوداء" في المجالس المحلية، والتي قال عنها من قبل الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان عام الجمهورية: "الفساد في المحليات للركب"؛ حيث انتشرت في الآونة الأخيرة الاختلاسات وإهدار الأموال العامة، فضلاً عن الفساد والرشوة.

 الصورة غير متاحة

 د. يوسف بطرس غالي

 

(إخوان أون لاين) فتح الستائر الخلفية للقرار، وما الدافع الحقيقي من ورائه؟، وكيف للوزارة أن تمنح رؤساء المجالس المحلية مثل هذه السلطات الواسعة بينما باتت رائحة الفساد تزكم الأنوف؟، وما حقيقة ادعاءات الوزارة بتحقيق الرأسمالية عن طريق هذا الإجراء؟، وهل فقدت مجالس المحافظات سيطرتها التامة على المحليات بهذه الصورة.. أم أنها ستظل تابعه لها بطريقةٍ أو بأخرى؟، وهل استغلت الوزارة الإجازة البرلمانية للتحايل على تمرير القرار؟، وما حقيقة الاتهامات الموجهة إلى الوزير برغبته في مداراة فشله في الوزارة بمثل هذا القرار؟، وهل من صفقات مشبوهة بين المحليات ووزارة المالية لاقتسام كعكة الميزانية بمعرفة رؤساء المجالس لتعويض خسائر الوزير؟، وهل سيقتصر القرار على ميزانية المجالس المحلية فقط أم يتعداها إلى الميزانية العامة للمحافظة؟.

 

طرحنا هذه الأسئلة على موظفي المحليات، ومن ثَمَّ الخبراء والاقتصاديين.. وكان التحقيق التالي:

فساد

بدايةً.. يقول مصطفى السعيد رئيس لجان المتابعة بالمجلس المحلي بمدينة المنصورة وفي كلمات متضاربة: "كانت الميزانية للمجالس المحلية تصرف من وزارة المالية مباشرة وتخصص للأعمال الخدمية التي تقوم بها المجالس لأحيائها، مثل أعمال الرصف والكهرباء وبناء المخابز أو غيرها، بينما سيكون الوضع الآن هو اعتماد هذه الأموال من المجالس مباشرة الآن".

 

ويضيف: "كنا نرسم خطط التنمية للمناطق التابعة للمجلس على أن تقوم بتنفيذها الوحدات المحلية، فيأتي رئيس الحي ويرفض إتمام المشروعات بدعوى عدم وجود الميزانية الكافية، أما الآن فالقرار يتيح لنا توفير الميزانية لمزيد من المحاسبة".

 

وبسؤاله عن سبب رفض رؤساء الأحياء تنفيذ المشروعات بدعوى عدم وجود ميزانية قال: "الفساد مستشرٍ في كل مكان"، وضرب مثلاً بتخصيص الوزارة ميزانية لبناء أكشاك وصلت تكلفتها داخل "الورش" 17.000 جنيه، إلا أن الحي قام بتصنيعها بمبلغ 6.000 جنيه فقط، هذا فضلاً عن كشفه أن هناك أكثر من 470 ألف جنيه مفقودة حتى الآن كانت مخصصة لأكياس الخبز التي تباع للمواطنين.

 

لم تصل

وعن طبيعة العلاقة بين المجالس والمحافظة بعد تطبيق القرار يقول عزت أمين مدير إداري بأحد المجالس المحلية إنه لم تصلهم تعليمات حتى الآن عن كيفية تنفيذ القرار وتفصيلاته، موضحًا أن الأسلوب القديم قبل القرار كان يقضي بتبعية الميزانية لإدارة الموازنة بالمحافظة حيث كان تصلهم ميزانية 25 جنيهًا لكل عضو، و1000 جنيه أدوات كتابية، بالإضافة إلى مصاريف بدل الانتقال وغيرها.

 

ويضيف: "ميزانية الرصف والكهرباء والأمور الخدمية تذهب للوحدات المحلية بعد أن نوصي نحن كمجلس محلي رئيسي بالمشاريع الواجب على الوحدة أن توفرها لمناطقها السكنية".

 

عشوائية

 الصورة غير متاحة

د. عمرو الشوبكي

وعلى صعيد الخبراء وصف د. عمرو الشوبكي الخبير بمركز (الأهرام) للدراسات السياسية والإستراتيجية قرار وزير المالية بالعشوائي وغير المدروس وغير الموفق على الإطلاق، خاصةً في ظل ما تعاني منه المحليات من فساد مستشرٍ في أوصالها بدرجة مفزعة، وفي ظل الفساد المنتشر في انتخابات المحليات التي يُعين من خلالها رؤساء المجالس التي أعطاهم الوزير هذه السلطات الواسعة، والتي تساعدهم بالطبع على مزيد من الفساد.

 

وعاب على الوزير بأنه ليس من حقه سلطة الانفراد بالقرار وحده، وأنه كان لزامًا عليه عرضه على البرلمان الذي يعاني حاليًّا من وضع ضعيف للغاية في معارضة مثل هذه القرارات التي تضر بمصلحة البلاد.

 

وعن إمكانية طعن البرلمان على القرار بعد انتهاء إجازته يقول الشوبكي: "لا أعتقد أن البرلمان يستطيع إلغاء القرار، مع ما يعاني منه من حالة من الضعف العام تمنعه من ذلك".
ويكمل: "ما ادعته الوزارة مبررا لاتخاذها لهذا القرار بالسير قدمًا نحو اللامركزية لن يتحقق إلا بتطهير المحليات والمحافظات من النماذج الفاسدة التي تأتي بإرادة مزورة رغمًا عن الشعب الذي لا تعتد الدولة برأيه"، مشيرًا إلى أن القرار لن يُغير شيئًا مطلقًا.

 

أهواء

الصورة غير متاحة

محمد شاكر الديب

ويؤكد محمد شاكر الديب عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب أن مبدأ اللامركزية أمر طيب لا غبار عليه ويخفف من الأعباء الحكومية، ولكنه أرجع المشكلة في المعايير التي توزع عليها ميزانية المحليات والمحافظات والتي تستند إلى الأهواء الشخصية بغض النظر عن مصالح الشعب، فضلاً عن انعدام الرؤية الواضحة للمشروعات القومية التي تقع على كاهل المجالس المحلية تجاه مناطقها التابعة لها.

 

وقال: "الكل يعلم أن الاتجاهات السياسية تتحكم بقدرٍ كبيرٍ في توزيع الأموال"، ضاربًا المثل بمحافظة بني سويف؛ حيث قام المحافظ بعقد لجنة لتوزيع "الفرش" الخاص بالمساجد والوارد من وزارة الأوقاف، ثم قام بتعيين رئيس المجلس المحلي بالمحافظة رئيسًا للجنة القائمة على التوزيع والذي قام بالتوزيع "على مزاجه"، خاصةً أنه كان مرشحًا في الانتخابات البرلمانية ولم ينجح، فقام بتوزيع "الفرش" على مساجد القرى التابعة لدائرته والتي أعطته أصواتها، في الوقت الذي منع "الفرش" عن القرى التي لم تعطه أصواتها.

 

وأضاف: "إذا كان هذا هو التصرف في أموال بآلاف، فما بالنا بالملايين المخصصة للمشروعات القومية الأخرى؟".

 

وعن الأسباب الخفية وراء القرار يقول الديب: "أهم الأسباب هو تلميع رموز الحزب الوطني في المحليات بتوسيع صلاحياتهم من أجل توسيع رقعة شعبيتهم بين المواطنين الذين سيعلقون على خدماتهم آمالاً كبيرةً بسبب قوة واتساع سلطتهم".

 

ويشير إلى أن مسألة تمرد رؤساء المجالس على المحافظين بعد هذا القرار غير متوقعة، وأن الجميع شركاء في الوليمة؛ لأن المحافظ هو من يُعين رؤساء المجالس، وبالتالي لن يستطيعوا الانفراد بمميزات هذا القرار دون أمر المحافظ وإلا لما استمروا في كراسيهم بعد ذلك، خاصةً أن المحليات كالجسد الميت لا حراكَ فيه.

 

وعن الحل الأمثل لتحقيق اللامركزية يقول شاكر: "الحل الأمثل هو الممارسة السياسية الصحيحة والتي تتيح للشعب اختيار محافظيه ورؤساء مجالسه بحرية ومصداقية دون زيف أو تزوير"، مشددًا على أنه في هذه الحالة سيستطيع رؤساء المجالس الشرفاء ممارسة دورهم الرقابي على المحافظين، وستتطهر المحليات من الفساد.

 

واختتم كلامه قائلاً: "كان من الأحرى أن يتم عرض مشروع القرار على لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب بعد انتهاء الإجازة البرلمانية إلا أنهم تحايلوا على ذلك واستغلوا عطلة البرلمان لتمرير القرار".

 

استهلاك

الصورة غير متاحة

عبد الخالق فاروق

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق إن ما يتشدق به وزير المالية مبررًا به قراره من السير نحو اللامركزية كلام للاستهلاك المحلي فقط لا غير، مشيرًا إلى أن اللامركزية لا تبدأ من الشأن المالي بل من البنية التحتية والمتمثلة في المحافظات والمجالس المحلية، والتي يجب أن نتساءل عن مدى سلطاتها الرقابية على المحافظ، والتي من المفترض بها ممارستها تحقيقًا للامركزية المنشودة.

 

وعن طبيعة تعامل الدولة مع ميزانية المحليات يقول: "الحكومة تتحكم في مصادر الدخول للشعب بأكمله معتمدة على كونها حكومةً ذات بنية شديدة المركزية والشأن المالي ترأسه وزارة المالية بالتعاون مع وزارات أخرى وفق قانون توسعت فيه سلطات المالية بطريقة شاذة فوق ما يقتضيه القانون والقرار في مصلحة توسيع هذه السلطات من أجل مزيدٍ من السيطرة والتحكم في ميزانية الشعب".

 

ويشير فاروق إلى أن هناك ستارًا خفيًّا يتحكم في قرار الوزارة، وهي رغبتها في إخفاء مصائب المحليات ومجالس المحافظات في المناطق المختلفة، والتي عجزت الدولة عن حلها والسيطرة عليها؛ ولذا لجأت إلى تهدئة المحافظين وأعوانهم من التابعين للحزب الوطني بمزيدٍ من السلطات لتخفي ما يفعلونه من مصائب اقتصادية في البلاد، والتي وصلت إلى حد الرشاوى المدفوعة لبعض أعضاء البرلمان في تلك المحافظات للصمت عن جرائمهم.