أعيش حالةً من تأنيب الضمير في كل وقت، فأنا ملتزم وأحافظ على عباداتي قدر ما أستطيع، ولكن شيطاني أقوى مني بكثير، فكلما فعلت الطاعة وجدتني أفعل معصية، وأصبحت على هذا الأمر وأنا أريد أن أخرج من حالتي، وكلما أردت وأخذت عهدًا على نفسي ألا أفعل معصيةً مرة أخرى أجدني أنساق خلف شيطاني، فأنا في حيرة ولا أدري ماذا أفعل؟!
عرضنا السؤال على فضيلة الشيخ/ سعد فضل- من علماء الأزهر الشريف فأجابه الإجابة التالية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
يقول الله عز وجل ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾ (القيامة)، أي وأقسم بالنفس المؤمنة النقية التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات وفعل الموبقات والتقصير في جنب الله وتستغفر وتنيب مع طاعتها وإحسانها- قال الحسن البصري هي نفس المؤمن، لا يُرى المؤمن إلا يلوم نفسه.
فأنت أخي الكريم كما تقول تعيش حالة تأنيب الضمير؛ حيث إنك ملتزم كما تقول وتلوم نفسك دائمًا على العودة إلى المعصية بعد الإنابة والتوبة، وتدَّعي أن شيطانك أقوى منك.. لا يا أخي الحبيب.. الشيطان ليس أقوى من المؤمن أبدًا؛ لأنه أضعف ما يكون، مصداقًا لما جاء في كتاب ربنا عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)﴾ (النحل)، ويقول سبحانه ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: من الآية 76).
وإن كنت تريد أن تخرج من حالتك؛ فاعلم أن التوبة التي تعني العزم على عدم المعصية والندم على ارتكابها هي بكل يقين كفارة لها؛ أي أن الله يغفرها ولا يعاقب عليها، وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "التائب من الذنب كمن لا ذنب له".. اللهم إلا أن تكون المعصية التي ارتكبتها فيها إهدار لحقوق الناس، فلا تُقبل التوبة عندئذ إلا بإعادة الحقوق إلى أصحابها أو مسامحتهم لك، ولا فرق في هذا بين أن تكون المعاصي التي تُبتَ عنها كثيرةً أو قليلةً، فالتوبة الصادقة تمحو الذنوب جميعًا، وقد يتعرَّض التائب للوقوع في المعصية مرةً أخرى، وعلاج ذلك أن يصدق ويترك الذنب ويبتعد عنه حالاً، فهو أول شرط من شروط التوبة المقبولة.
وما معنى من يستغفر الله من شُرْبِ الخمر مثلاً والكأس مستقرٌّ بين كفيه، أو يعزم بقلبه على ترك الكذب ولسانه لا شغله له سوى الكذب والافتراء.. إنها توبة الكذابين المستهزئين بأحكام الله.
واعزم عزمة الرجال.. مرَّ سلمة بن دينار بالجزَّارين فقالوا له: هذا لحم سمين فاشتر!، قال: ليس عندي ثمنه: قالوا: نؤخرك. قال: أنا أؤخر نفسي!.
فهيا أخي الحبيب.
1- جدِّد التوبة كل ليلة قبل أن تنام، وحقِّق شروطها، لعلها تكون نومةً يستيقظ الإنسان بعدها على يوم القيامة.
2- إعادة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها، فهذا من تمام التوبة.
3- الاستغفار في اليوم مائة مرة وأبسط صيغ الاستغفار "أستغفر الله العظيم".
4- إتباع السيئة بالحسنة لتمحوها ومسح السوء بالحسن.
5- من علامات التوبة المقبولة أن تكون بعد التوبة أفضل منه قبلها.
6- من علامات التائب الصادق: رقة القلب، وغزارة الدمع، وطلب النصيحة من الغير، والإقبال على مجالس الذكر، والتفكر في الآخرة.
7- مفارقة رفقة السوء واعلم أن "المرء على دين خليله".
وخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع منهما خصمًا ولا حكمًا فأنت تعلم كيد الخصم والحكم
رزقنا الله وإياك توبة نصوحًا واستقامةً على أمر دينه.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم، والله تعالى أعلم.