يظن البعض أنه إذا عاش مظلومٌ مهضومَ الحق مهيضَ الجناح؛ فإن ذلك يعدُّ سببًا في دخوله الجنة، ومن هذا الباب تجد الناس يبرِّرون لأنفسهم العجز وقلة الحيلة عن مقاومة الظلم والظالمين، ويعبرون عن ذلك بعبارة بسيطة "وإحنا في إدينا إيه نعمله؟!" وكأنه بذلك قد حصل على صكِّ البراءة، ووَجَد لنفسه المبرِّر للوقوف مكتوف الأيدي في مواجهة ما يحدث من تجويع واحتكار السلطة والمال والفساد المالي والإداري والعبث بمقدَّرات الشعب وحقوق الإنسان.
وأخيرًا يطال العبث المحكمة الدستورية، وذلك بالخروج الصارخ على قانون المحكمة بشأن تعيين رئيسها، ويتمُّ تعيين رئيسٍ لها من خارج الجمعية العمومية للمحكمة؛ حتى يكون في خدمة النظام وتحت سيطرته، كما فعل في انتخابات المحامين الأخيرة.
وكان العبث قد طال الدستور نفسه من قبل، وكان العبث خاصة في المواد الأساسية فيه، التي تنظِّم حقوق الأفراد المادية وحرياتهم، وجاء الدستور بعد التعديلات أو التعديات مفصَّلاً على النظام وأعوانه، مُسقطًا من حسابه المواطن المظلوم المستسلم المستكين الذي يقنع نفسه بأنه لا حول له ولا قوة.
في حين أن ذلك يخالف القرآن والشرع الحنيف.. اقرأ معي من أي كتب التفسير شئت الآيات أرقام 31 و32 و33 من سورة (سبأ) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31)﴾ لاحظ معي لماذا خرج المستضعفون في هذا المشهد؟ وما دورهم رغم أن ظاهر الآية لا يعنيهم؟!
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ (32)﴾.. لاحظ معي تساوي الظالم والمظلوم في الوصف بأنهم مجرمون ولم يسلَموا من الظالمين أيضًا يوم القيامة؛ حيث يُلقي الظالمون باللوم على المستضعفين بأنهم كانوا السبب المباشر بالضعف والسلبية ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)﴾.. انظر معي كيف ساوى الله في الجزاء بين الظالمين والمظلومين، وأطلق على المستضعفين وصف المجرمين، شأنهم شأن الظالمين؛ لأنهم كانوا سببًا في قوة الظالمين بالسكوت عليهم والجميع أسروا الندامة..
والآية 97 من سورة النساء ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ سبحان الله!! مظلومون ومستضعَفون، وموعدهم جهنم؛ لأنهم رضوا بحالة الاستضعاف ولم يجتهدوا لتغيير حالة الظلم، يسأل البعض وكيف نهاجر؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، فالنصرة للحق الآن بالجهاد مالاً ونفسًا وقولاً وعلمًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وغيره من صور الجهاد، أقلها إنكار المنكر بالقلب ولا نقدِّر ظالمًا ولا نوقِّره.. هذا جهاد، ومقاطعة بضائع اليهود جهاد، ومساندة قضايا الأمة بالمال وكافة أنواع الدعم جهاد، وصور عديدة من المجاهدة ولا نقول الجهاد، ولكننا نتكاسل ونتعامى عن قضايانا.. قضايا أمتنا.
هذا عن الجهاد أما النية فالمقصود عمل البر وفعل الخير بنية إرضاء الله عز وجل، وساعتها يأتي النصر للمقهورين والمظلومين والمستضعفين؛ لأنهم أخذوا بالأسباب خلاف ذلك، فهم شركاء للظالمين، سواءٌ اليهود أصحاب المصالح أو الحكام العملاء لهم أو أعوانهم.
﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98)﴾ سبحان الله!! هذه الآية توضح أصحاب الاستثناءات والأعذار، أصحاب الرخص مثل المريض والأعمى والأعرج وما شابه ذلك، الوارد وصفهم في سورتي الفتح والنور ﴿"لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى آخر الآيات، ولكن الذي ينظر إلى التاريخ يجد أن أصحاب الرخص الحقيقية والأعذار لم يعتذروا ولم يترخَّصوا، أمثال سيدنا عمرو بن الجموح أيام الصحابة، وخروجه في غزوة أحد، والشيخ أحمد ياسين في العصر الحالي.. إنها المروءة والرجولة والشهامة التي لا تقبل الضيم والذل والهوان، ولا تأخذ بالرخص رغم حقهم شرعًا في ذلك.
والآية 227 من سورة الشعراء ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.. هكذا مدح الله الذي ينتصر من بعد ظلمه ولا يستكين للظلم، وكان ذلك سببًا في نجاته من الوعيد الذي ينتظر أصحاب الآية السابقة في السورة.
والآيتان 38 و39 من سورة الشورى ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾.. فكما أن من صفات المؤمنين المداومة على الصلاة وممارسة الشورى، لاحظ أن الشورى لا تأتي بالبغي، وينفقون مما رزقهم الله؛ فإنهم لا يستكينون للبغي والظلم، وينتصرون من البغي وأهله.
ثم اقرأ معي الحديث الشريف.. روى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في كتاب الشركة من صحيحه (باب: هل يقرع في القسمة والاستهام فيه؟!) من حديث النُّعْمَانَ بْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ، مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا".
وها هو الهلاك قد طال الجميع، فلا يخلو بيت من فيروس (س، وب، وت، ون، وع)، وقد دقَّ مجدي أحمد حسين ناقوس الخطر في مطلع التسعينيات وحذَّر من التطبيع الزراعي مع اليهود والأدوية المسرطنة وفساد البيئة ولم نقف بجانبه ولم نسانده، وتركناه يُحبَس خمس سنوات وتُقفل الجريدة (الشعب)، ومن قبلها (مصر الفتاة)، وإلغاء الحزبين، ناهيك عن الأمراض التي تخطَّت حدود العالم، وعادت بالبشرية إلى عصور التخلُّف، مثل الطاعون؛ أي أن السكوت عن الحق يهدِّد الإنسانية فلو لم توجد المقاومة في فلسطين ضد أحفاد القردة والدول المحتلة مثل العراق وأفغانستان ومن قبلها في فيتنام ضد الأمريكان والهند ضد الإنجليز وسلاح المقاطعة الذي تبنَّاه الوطني غاندي مع شعبه الحر والاعتماد على النفس والبعد عن التبعية.. تخيَّل معي العالم لو لم تكن هذه النماذج وغيرها موجودةً في التاريخ كيف كان شكل العالم الآن؟!
لأن الظلم والشر وأعوانهما لن ينقرضوا من الحياة لأن الله أوجدهم اختبارًا لنا، ولكنَّ قوتهم وطغيانهم مرتبطٌ بمدى قبول المظلوم وتعايشه معهم والسكوت عليهم، ولا يخلو زمان أو مكان من الشرفاء والأحرار الذين تأبى نفوسهم الظلم والضيم، فكُن منهم؛ لأن من رضي بالظلم هو والظالم عند المولى سواء.