- صندوق الرعاية الاجتماعية يستهدف السطو على الاشتراكات

- 20% تراجعًا في عوائد استثمار صناديق التأمينات بالبورصة

- النظام التأميني يدخل "دوامة" الاستدانة المالية بعد 10 سنوات

- عرض مشروع القانون الجديد على رجال الأعمال.. "شغل عصابات"

 

تحقيق- صالح الدمرداش وشيماء جلال:

في الوقت الذي بُحَّت فيه أصوات أصحاب المعاشات والمهتمين بقضيتهم من أجل استعادة أموالهم التي استولت عليها وزارة المالية؛ فاجأهم الدكتور يوسف بطرس غالي بمخطط جديد للاستيلاء على ما تبقى من تلك الأموال بنظرية "دس السم في العسل"، وصرح غالي بأنه سيتم اقتطاع جزء من أموال اشتراكات التأمينات المحصَّلة لتمويل إنشاء صندوق للرعاية الاجتماعية والمالية لجميع أصحاب المعاشات.

 

وهناك من يرى أن الخطورة الأكبر لا تكمن فقط في استيلاء الحكومة على أموال التأمينات والمعاشات، أو الاقتراض من الصناديق التأمينية؛ لأنها في النهاية تحوِّل العجز إذا ما حدث في احتياجات تلك الصناديق؛ وذلك وفق الدستور بمعنى أن الحكومة تضمن أموال صناديق التأمين والمعاشات، إلا أن الخطورة الأكبر تكمن في عدم قدرة هذه الصناديق على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها تجاه أصحاب المعاشات، ويؤكد ذلك الدراسات الإكتوارية التي يقوم بها الخبراء الإكتواريون كل خمس سنوات كإجراء دوري للتأكد من كفاءة النظام المالي للصناديق في أداء الخدمات التأمينية، أو وجود عجز في الصناديق، وعدم كفاءة الموارد الحالية لتمويل الزيادات الدورية في أموال المعاشات في المستقبل.

 الصورة غير متاحة

 د. يوسف بطرس غالي

 

فالنتائج التي توصلت إليها الدراسات الإكتوارية على صندوقي التأمينات أظهرت بالنسبة لصناديق التأمين على العاملين في قطاع الأعمال العام والخاص أنه مرَّ بظروف سوف تؤدي في المستقبل إلى عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته، منها هذه الزيادات المتتالية للمعاشات من 30% و10% و7.5% خلال السنوات الأخيرة بتكلفة تجاوزت 2.5 مليار جنيه، بخلاف 2.9 مليار جنيه تحمَّلها الصندوق خلال العام المالي الحالي تكلفة تنفيذ حكمي المحكمة الدستورية، وانتهت الدراسة إلى أن الصندوق يستطيع الصمود ولمدة 10 سنوات فقط، مع التزام وزارة المالية برفع العائد الشهري لصك المديونية على الخزانة العامة والذي يقدر بـ700 مليون جنيه.

 

أما بالنسبة للصندوق الحكومي فإنه أفضل حالاً؛ وذلك لأن كل المشتركين فيه ملتزمون بسداد هذه الاشتراكات والتي تبلغ سنويًّا 7 مليارات جنيه، لكن الدراسة الإكتوارية أشارت إلى انخفاض موارده بالإضافة إلى تراجع عائد الاستثمارات؛ نظرًا لتراجع استثماراته بالبورصة بنسبة تصل إلى 20% مما يجعله قريب الحال بالصندوق الخاص بالعاملين في قطاع الأعمال العام والخاص؛ ولذلك فالمشكلة تتعلق بقدرة هذه الصناديق على الاستمرار والاستدامة المالية في المرحلة المقبلة.

 

استكمال المخطط

من جانبه يؤكد الدكتور شكري عازر رئيس لجنة الدفاع عن أموال المعاشات والحقوق التأمينية أن تصريحات وزير المالية الأخيرة هي استكمال لمخطط الحكومة في الاستيلاء على أموال أصحاب المعاشات والتأمينات؛ موضحًا أن الحكومة تسعى بكل جهدها للاستحواذ على تلك الأموال؛ حيث جاء قرار 119 لعام 1980م من أجل أن يتم ضم أموال المعاشات إلى بنك الاستثمار القومي بغية الاستيلاء عليها وليس استثمارها؛ وعقب ذلك القرار قرار آخر في نهاية عام 2005م من أجل إلغاء وزارة التأمينات، ومن ثمَّ جاء قرار دمج أموال المعاشات للخزانة العامة للدولة لتبرز خيوط المؤامرة المستمرة على أموال المعاشات والتأمينات.

 

وفنَّد د. عازر المزايا التي تتشدق بها وزارة المالية حول مشروع قانون التأمينات الجديد؛ حيث كشف عن أن ذلك القانون لا يتضمن أية مزايا لصالح المواطن الكادح، وأنه يخدم بالدرجة الأولى رجال الأعمال فقط، وأن أبعاد ذلك القانون تهدف  إلى فصل أصحاب المعاشات القدامى عن الجدد، أما الشق الثاني في القانون فيهدف إلى منع توريث المعاش من المستفيد منه إلى أبنائه أو أسرته؛ لأن القانون يُقر ضرورة أن يدفع المستفيد قيمة اشتراك قد تصل لعشرة آلاف جنيه لكي يتم توريث معاشه.

 

شغل عصابات

وأبدى المهندس محمد الأشقر رئيس اللجنة الشعبية لحماية المواطن من الجباية والفساد اعتراضه على ما صرح به وزير المالية من إنشاء صندوق خدمي لأصحاب المعاشات والتأمينات، قائلاً إنه بمثابة أضحوكة على عقول أصحاب المعاشات من أجل تبييض وجه الوزارة، في حين أنه في حقيقة الأمر يعد حلقةً جديدةً ضمن مخطط الاستيلاء على أموال أصحاب المعاشات.

 الصورة غير متاحة

صرخة أصحاب المعاشات للمطالبة بحقوقهم

 

ويصف تلكؤ الوزارة في عرض بنود قانون التأمينات والتوجه لعرضه على منظمات رجال الأعمال بأنه "شغل عصابات"- على حد قوله-، مشيرًا إلى أن هناك مجموعةً من أفراد النظام يمارسون عمليات سطو واستيلاء على أموال المواطنين، ليس هذا فحسب بل تقديمها للأغنياء، كما هو متضح في قانون التأمينات الجديد.

 

واستنكر الأشقر مماطلة وزارة المالية في عرض القانون، موضحًا أن الحل الوحيد مع تلك الحكومة هو التحرك الشعبي على كافة المستويات، وتجميع كافة الملفات السوداء لتلك الحكومة النظامية، والعمل بجهد مشترك من أجل كشف الكم الهائل من العوار الذي يلحق بها.

 

تعديلات ضرورية

وتقول الدكتورة أمنية حلمي الخبير الاقتصادي بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية إن نظام المعاشات المطبق حاليًا في مصر يحتاج إلى تطوير ورفع لكفاءته الاقتصادية، وتعزيز قدرته على الاستدامة المالية في الأجل الطويل.

 

واقترحت د. أمنية لتحقيق الاستدامة لأموال التأمينات ضرورةَ تعديل نظام المعاشات الحالي من خلال تغيير بعض القواعد المتعلقة بهيكلي الاشتراكات والمعاشات، ووضع آلية تلقائية للمحافظة على القيمة الحقيقية للمعاشات، وإجراء التعديلات التشريعية اللازمة لرفع كفاءة استخدام أموال المعاشات؛ بتنويع مجالات الاستثمار، وإيجاد جهة مستقلة متخصصة في وضع وتنفيذ سياسة للاستثمار الأمثل لهذه الأموال، كل ذلك في الأجل القصير.

 

أما في الأجل الطويل فترى د. أمنية أن التطوير يستلزم تطبيق النظام التأميني المحول بالكامل باشتراكات محددة، مع ضرورة أن يظل للدولة دورٌ رئيسيٌ في إعادة التوزيع لصالح محدودي الدخل، وضمان حماية حقوق أصحاب المعاشات عند التحول إلى النظام الجديد مع التدرج في التطبيق، ووضع الإطار القانوني والتنظيمي والرقابي اللازم.

 

نظام جديد

بينما يرى صفوت نور الدين المحاسب القانوني أن نظام التأمين الاجتماعي الحالي يقوم على أساس تحديد الحقوق التأمينية مقدمًا، وليس على أساس تحديد الاشتراكات، أي يتم تحديد الحقوق والمزايا التأمينية دون الربط بين هذه الحقوق وما يؤديه المؤمَّن عليه من اشتراكات خلال مدة حياته الوظيفية لتمويل هذه الحقوق والمزايا؛ مما نتج عنه عددٌ من المشاكل أهمها: ضعف الملاءة المالية للنظام الحالي، وعدم قدرته على الوفاء بالتزاماته على المدى الطويل، فضلاً عن ارتفاع قيمة الاشتراكات مما يؤدي إلى تهرب البعض من دفع هذه الاشتراكات.

 الصورة غير متاحة

أصحاب المعاشات يطالبون بتنفيذ أحكام الدستورية العليا

 

كما لا يقدم النظام الحالي أية خدمة لمحدودي الدخل، وكذلك أصحاب الدخول غير المنتظمة، وضعف العلامة بين الاشتراكات المدفوعة والمزايا الممنوحة؛ مما يجعل الكثير من المستفيدين يشعرون بعدم تناسب المزايا الممنوحة مع حجم الاشتراكات المدفوعة، والأهم من ذلك عدم تناسب المعاشات المنصرفة مع ارتفاعات الأسعار المستمرة، وبالتالي نجد الزيادة السنوية للمعاشات لا تتناسب مع الزيادة في معدلات التضخم.

 

والحل- كما يراه نور الدين- في نظام تأميني جديد يوازن بين الاشتراكات والمزايا الممنوحة؛ مما يحقق الاستدامة المالية كنظام التأمين والمعاشات المقترح، وأن يتم الفصل بين أرصدة التأمينات من أموال وبين الخزانة العامة للدولة.

 

مخالف للقانون

وفيما يتعلق بمسألة ضم أموال التأمينات والمعاشات لبنك العمال يقول سيد فتحي المحامي العام لاتحاد أصحاب المعاشات إن ما اقترحه رئيس اتحاد عمال مصر بشأن ضم أموال التأمينات والمعاشات لبنك العمال التابع لاتحاد العمال يعد أمرًا لا يمكن قبوله بأي شكل من الأشكال، فضلاً عن أن ذلك المقترح يعد مخالفًا للقانون؛ لأن أموال التأمينات والمعاشات لا تتبع الاتحاد العام للعمال بأية صلة.

 

وأضاف فتحي: إن الحكومة تمارس تلكؤًا واضحًا وصريحًا في مسألة أموال التأمينات والمعاشات؛ فمنذ عامين وهناك غموض يحيط بذلك القانون وكأنه كعكة يتناوب عليها المسئولون بالحكومة، والشاهد على ذلك عدم قيام الحكومة بعرضه على مجلس الشعب خلال الدورة الماضية، والإعلان عن تمريره على عدد من منظمات رجال الأعمال لاستطلاع رأيهم فيه، وذكر قائلاً: "بالطبع سيكون في الصالح لهم".

 

هيمنة مرفوضة

 الصورة غير متاحة

يسري بيومي

ويرى يسري بيومي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أنه لا يأمل خيرًا من وجه الحكومة، ولا في النظام القائم، واصفًا إياه بأنه نظام قائم على خدمة رجال الأعمال، مستشهدًا بأن معظم القوانين التي أُعلن عنها خلال الفترات الماضية كانت خير دليل وشاهد على ذلك.

 

وأكد بيومي أن القانون يهدف بالدرجة الأولى إلى فرض مزيد من الهيمنة على أموال أصحاب المعاشات والتأمينات، وأن الهدف الأساسي من ورائه هو خصخصة التأمين؛ حيث يتم إنشاء شركات تأمين خاصة يتم من خلالها قيام كل فرد بالتأمين على ذاته دون التقيد بظروف عمل؛ مما يترتب عليه أنه سيفيد في النهاية رجال وأصحاب الأعمال.

 

واعترض بيومي على أن يفرض رجال الأعمال هيمنتهم على قانون التأمينات الجديد، مشيرًا إلى أن مسألة عرضه على منظمات رجال الأعمال لا بد أن تكون مجرد استطلاع رأي، وليس تغييرًا وتعديلاً بما يناسب مصالحهم الخاصة؛ لأن القانون لا بد أن يهدف في المقام الأول لخدمة العامل والمواطن البسيط.