الدعوة إلى الله تعني تبليغ رسالته في صورة مُثْلى مؤثرة تغزو العقول والقلوب، وتشد الآخرين إلى الإسلام، والسلوكيات السوية الطيبة، وتجنب كل ما يخالف الدين والقيم الإنسانية.
والاضطلاع بمهمة الدعوة يقتضي أن يكون الداعية متحليًا بعدد من الصفات أهمها:
1- أن يكون قدوة حسنة للآخرين في أقواله وأفعاله.
2- أن يملك الداعية قدرًا كبيرًا من العلم، والفقه، والمعارف القديمة والمعاصرة، لتوظيفها لمصلحة دعوته.
3- أن يكون قديرًا دقيقًا في عرض موضوعات الدعوة وفقًا لطبيعة البيئة التي يدعو فيها، أي يحرص على التوفيق بين معطيات الدعوة، واهتمامات المجتمع.
4- أن يتجنب في طروحاته مواطن الخلاف بين الفقهاء، وخصوصًا المتعلقة بالفرعيات.
5- أن يراعي المستوى العلمي والاجتماعي للمتلقين.
وقد بيَّن القرآن آليات الدعوة ووسائلها في هذه الآية الجامعة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125) فالآية تعرض ثلاث آليات للدعوة ﴿سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ وهذه الآليات هي:
1- الحكمة. 2- الموعظة الحسنة. 3- الجدل بالتي هي أحسن.
1- والحكمة: فسرها الراغب الأصفهاني بأنها "إصابة الحق بالعلم والعقل".
2- الموعظة الحسنة تعني التوجيهات التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب.
3- والجدل بالتي هي أحسن يعني مخاطبة الآخرين، ومناظرتهم ارتكازًا على المنطق الحق، والعقل السديد، دون الإساءة والتشهير حتى لا تأخذ المدعوين العزة بالإثم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجابه المخطئ بخطئه، بل يوجه الكلام للمسلمين قائلاً: "ما بال أناس يفعلون كذا وكذا؟!" وهذا الأسلوب النبوي في الدعوة يحقق الأهداف الآتية:
1- تنبيه المخطئ لخطئه في لطف وهوادة، دون جرح وتشهير، مما يدفعه إلى تفادي مثل هذا الخطأ مستقبلاً.
2- تنبيه الآخرين إلى حقيقة هذا الخطأ حتى لا يقعوا فيه، فالوقاية خير من العلاج.
3- تعليم المسلمين- عمليًّا- الأسلوب المثالي للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والداعية مطالب أن يكون قدوةً حسنةً في أقواله وأفعاله، وأن يتعامل مع النصوص ببصيرة واعية، ويحاول أن يربط الحاضر بالماضي دون تعسف وتكلف، وأن يعبر عن مضامينه باللغة العربية الفصيحة، ما دام يتحدث إلى عرب، متجنبًا ما سمم به الفكر العربي والإسلامي من إسرائيليات.
**********
وما ذكرته آنفًا كان مدخلاً طبيعيًّا موجزًا مركزًا لما سنعرضه فيما بعد، وهو مدخل ألححنا على مضمونه مرات متعددة في مقالات وبحوث سابقات.
وعنوان المقال ظاهر الدلالة على عدد من الدعاة، وخصوصًا الذين يتحدثون في الفضائيات.
ولأبدأ بخطيب المسجد القريب جدًّا من مسكننا، فصاحبنا- وآمل أن يقرأ هذا الكلام- مغرم بالإسرائيليات المثيرة.
ومثال ذلك أنه- في هيئة صراخ دميم- قال إن أغلب العلماء على خطأ؛ لأنهم يعتقدون أن التدخين محرم بسبب المضرة التي يجلبها للمدخن، بينما حرم التدخين بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نقل عن أحد السلف الصالحين أنه كان يدعو أن يرى الرسول في المنام مساء الجمعة من كل أسبوع، واستجاب الله دعوته فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يزوره في هذا الوقت، وفجأة لم يعد الرجل يرى الرسول صلى الله عليه وسلم في منامه، فبكى بكاءً مرًّا، وأخذ يدعو الله أن يراه ليعرف سبب انقطاعه، فأتاه الرسول في المنام، وبكى الرجل بين يديه سائلاً عن سر انقطاعه عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: لأنك تركت ضيفك فلانًا يجلس معك في حجرة الاستقبال، وأخذ يدخن، وأنت لم تنهه عن ذلك، مع أن التدخين كالخمر... حرام... حرام... حرام.
وهذا الخطيب يجعل كلماته على مستوى واحد كأنه خطيب عسكر، من ذلك أنه صرخ في خطبته بأقوى ما عنده من صوت ونفس وأعصاب، وقال: علينا ألا ننسى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه قائلاً "إلهي أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس..." الخ.
**********
وخطيب آخر في أحد مساجد شارع الهرم قصَّ على المصلين يوم الجمعة حكاية ملخصها: أن أحد المسلمين- وهو يسكن في منزل مجاور لبيت أبي بكر رضي الله عنه- شكا أبا بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله كيف يهنأ جاري أبو بكر بعشائه كل ليلة من كبد مشوي، بينما أنا وأولادي نبيت على الطوى؟، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، وطلب منه أن يعرف حقيقة صدق الرجل أو كذبه في دعواه، فبكى أبو بكر وقال: والله ما أكلت لحمًا ولا كبدًا، ولكني أبيت على الطوى مثله، وأظل أصلي لله خاشعًا، ومن شدة خشوعي يحترق كبدي، حتى تفوح منه رائحة الشواء... و... و... والمسئول الأول عن هذه النماذج هو الشيخ الدكتور زقزوق؛ فقد كان هذان المسجدان ومساجد آخرى يخطب فيها الجمعة تطوعًا رجال مثقفون جمعوا بين القديم والحديث، وأغلبهم من أساتذة الجامعات.
**********
ولكن دعك من خطيب المسجد لننظر إلى ضيوف الفضائيات، فمن قرابة أسبوعين كان ضيف أحد البرامج كهلاً في قرابة الخامسة والثلاثين من سنه يتحدث عن "العبودية لله"، وكيف أننا نسعى في ملك الملك الخالق، فيرزقنا ويكرمنا، ثم انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن حفر الخندق... (بطريقة لبن... سمك... تمر هندي)، ولكن المؤسف جدًّا جدًّا أن الرجل أخطأ أخطاء فاحشة في الآيات القرآنية، وكانت لغته هي العامية الركيكة، وكان مستضيفه لا يقل عنه جهلاً، وعلى مدى ساعة كاملة قدمت هذه الفضائية وجبة كلامية عفنة من شخص لا يزيد على العوام في شيء... والطيور على أشكالها تقع.
**********
وداعية أسبوعي في إحدى الفضائيات لا يؤدي فكره أمام ضيفه "المستسلم" إلا بالعامية، مع أن العربية الفصيحة المسهلة أيسر في النطق والفهم من العامية، فصاحبنا الداعية يقول "بس دي جات إزاااي"؟، وأنا أعتقد أنه لو قال "وإذا سألنا كيف وصلتنا هذه"؟ لكان ذلك أسهل، ولو قال "لكننا قوم لا نصبر" لكان ذلك أسهل نطقًا وكتابةً من قوله "بس إحنا عالم معندناش صبر"، ولكن دعك من هذا فصاحبنا يحتاج إلى كثير من الثبات والوقار والبعد عن الحركات البهلوانية والجدعنة، واستعمال سبابته كثيرًا بوضعها على جانب رأسه، أو "مخه"، مع التمايل يمنةً ويسرةً كالأراجوز. وجرنا إلى متاهات غير مفهومة، وهو دائمًا حريص على "تصغير" الآخرين، بعبرات مثل "وأخطأ العلماء إللي بيقولوا كذا..."، وقد حاولت أن اقنع نفسي به فأخفقت إخفاقًا ذريعًا.
وهو دائمًا يلجأ إلى التعميم غير السليم. وأذكر أنه اشترك مع شيخ عالم مشهور بفضله وعلمه في حلقة بمناسبة ذكرى الإسراء، بدأ بحديثه عن الإسراء والمعراج، وجاء الدور على صاحبنا "الداعية الحركات" وبدأ قول: قبل أن أتكلم أصحح للعلماء جميعًا خطأ وقعوا فيه، وهو أنهم بيقولوا الإسراء والمعراج، والصحيح هو "الإسراء والعروج".
مع أن الأصل- يا بهلوان- أن يقال "الإسراء والمعراج"؛ لأن هذا الاستعمال هو الذي درج عليه العلماء من السلف والخلف، فقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه: باب المعراج. وقال ابن حجر: باب المعراج كذا للأكثر، وللنسفي: قصة المعراج، وهو بكسر الميم، وحكي ضمها. وهو الذي عليه الأكثر: والمعراج وهو اسم آلة ومعناه السُلَّم.
ونقل ابن منظور عن الأزهري: والمعراج السُلَّم، ومنه ليلة المعراج.
وجاء في المعجم الوجيز: والمعراج المصعد والسُلَّم وما عرج عليه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء.
وعليه فالأولى استعمال الاصطلاح الذي درج عليه المسلمون وهو أن يقال: "ليلة الإسراء والمعراج" لا "العروج".
وأنبه هذا الداعية "الأسبوعي" إلى أمرين:
- أن يكون بيانه باللغة العربية الفصيحة.
- ألا يلجأ إلى الحركات "البهلوانية" التي تنسف الوقار.
**********
والسيد الطبيب خالد منتصر يستضيف في إحدى الفضائيات السيد جمال البنا ليعرض كتبه كتابًا كتابًا، وطبعًا ليس معه أحد، وما يقدمه السيد الطبيب يدخل في باب الإعلان، دعك من قوله إن جمال البنا فقيه مجدد و... و...، أما الأخطاء التي ارتكبها جمال- وهي لا تعد ولا تحصى- فيعتبرها السيد الطبيب نوعًا من التجديد الفذ.
ونرى حملات عاتية للسيد جمال البنا على المفسرين، والعلماء الآخرين، ومن أقواله الغريبة قوله: لو كان التفسير ملزمًا، لفسر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وغاب عنه أنه عليه الصلاة والسلام لم يفسر القرآن؛ ليترك للأجيال تفسيره في حدود القيم والثوابت الإسلامية، فهو يترك مجالاً للاجتهاد في التفسير بوصف القرآن كتابًا خالدًا على مدى الأيام.
ونحن نعلم أن السيد جمال أحل أشياء كثيرة تكاد تكون انسلاخًا من الثوابت الإسلامية، في جرأة واستهتار مرفوض. وقد ناقشنا سقوطه في مقالات سابقة.
**********
وما ذكرته آنفًا لا يعني إنكارًا بأن هناك خطباء مساجد ودعاة يتمتعون بصفات "الداعية المتكامل" علمًا، وفقهًا، ومنهجًا، وأداءً، وحكمةً، ووقارًا، وكثير منهم لا تسلط عليهم الأضواء لأسباب لا تخفي على أحد؛ فنحن نعيش في عصر الشح المطاع، والهوى المتبع، والدنيا المؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه... عصر وُسِّد ويُوسد فيه الأمرُ غيرَ أهله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
------------