تقوم نظرية الأمن القومي لأية دولةٍ وفقًا لثلاثة مُحدِّدات، الأول هو الجغرافيا، والثاني هو التراكم التاريخي لهذه الجغرافيا، والثالث هو الرؤى المختلفة للأشخاص- الذين تولوا زمام السلطة- لهذا الأمن القومي عبر التاريخ، وتهدف سياسات الأمن القومي إلى تعظيم مصالح الدولة، وتقليل التهديدات الموجهة إليها.
وبدايةً، ترى غالبيَّة مدارس العلوم السياسية أنه من الصعوبة بمكان الوصول إلى تعريفٍ شاملٍ للأمن القومي، على تباين ظروف كل دولةٍ، بحيث تختلف اعتبارات الأمن القومي لديها، إلا أنه يمكن البدء من تعريف دائرة المعارف البريطانية للأمن القومي، وترى الموسوعة أنَّه يمكن تعريف الأمن القومي مبدئيًّا على أنه "حماية الأُمَّة من خطر القهر على يد قوةٍ أجنبيةٍ".
ثم وضعت مدارس عدة في العلوم السياسية عددًا من التعريفات المختلفة باختلاف الظروف التاريخية التي ظهرت فيها هذه التعريفات، والأوضاع الجيوسياسية للدولة المعنية، ومن خلال هذه التعريفات، فإننا يمكننا الخلوص إلى أنَّ الأمن القومي لمعظم دول العالم "هو القدرة على حماية الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية، بأنواعها سواءً الطبيعية أو التي تصدر عن أعداء الدولة، وتوفير قدرة المجتمع على الاستمرار والتطور المستقبلي".
واتفقت أغلبية المدارس السياسية العربية والعالمية على أنَّ الأمن القومي بمفهومه الشامل لا يمكن نشوؤه ونجاحه إلا في ظل حكم ديمقراطيٍّ حقيقيٍّ، يقوم على أساس المؤسسية في صناعة القرار، كما أن هناك العديد من القضايا الأساسية المتعلقة بالأمن القومي للدولة، التي يجب مراعاتها، مثل حماية حدود الدولة وبقائها، وكذلك الفضاء التابع لها جوًّا وبحرًا لو كانت هذه الدولة تمتلك شواطئ على البحار المفتوحة.
ويُدخل بعض علماء الإستراتيجية الدولية- مثل ليدل هارت- قضية الحفاظ على المصالح الحيوية للدولة حتى تلك التي تقع خارج الحدود، مثل منابع نهر النيل بالنسبة لمصر، وتأمين مصادر المياه للدولة.
ووفقًا لتلك التعريفات، فإنَّ الأمن القومي للدولة لا يقف عند حدودها، فمثلاً فإنَّ الأمن القومي الأمريكي يمتد من جزر الأزوروس في المحيط الأطلنطي شرقًا إلى جزيرة أوكيناوا في اليابان غربًا، وشمالاً حتى كندا والمحيط القطبي المتجمد، وجنوبًا حتى أمريكا اللاتينية، وفي حالة بريطانيا، نجد أن وضع بريطانيا كجزيرةٍ في بحر الشمال والمحيط الأطلنطي بجوار القارة الأوروبية، حتم عليها دومًا رؤية اتحاد ألمانيا فرنسا أو ألمانيا وروسيا تهديدًا لأمنها القومي.
ولكن هذه التعريفات- كما يقول الدكتور بهجت قرني (أستاذ العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي بجامعة مونتريال الكندية والجامعة الأمريكية بالقاهرة)- يقصر تهديدات الأمن القومي على المناحي العسكرية البحتة والمصدر الخارجي فقط، وبالتالي يقصر وسائل الدفاع عن الأمن القومي على الأداة العسكرية فقط والتسليح.
إلا أن هذا المفهوم تطوَّر كثيرًا في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها، وساهمت أحداث 11 سبتمبر في المزيد من التطوير لهذا المصطلح ومكوناته، مع تراجع التهديدات العسكرية للأمن القومي إلى مراتب أدنى لصالح تهديدات أخرى بعضها داخلي مثل الصراعات العرقية والطائفية والمذهبية التي أدت في الكثير من الأحوال إلى تفتت دولٍ بأسرها واختفائها وظهور دول أخرى محلها.
كما أن التدخلات الدولية أو الخارجية في الشئون الداخلية للدول لم تعُد تقتصر على التهديد المسلَّح، بل بات تهديد المصالح الاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية على قدر درجة قوة وانتشار نفوذ الدولة وبالتالي توسع مصالحها وممكنات تهديداتها.
ولذلك فإن اللواء الدكتور زكريا حسين- أستاذ الدراسات الإستراتيجية والمدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية المصرية- وضع تعريفًا للأمن القومي للدولة يتضمَّن الآتي: "القدرة التي تتمكن بها الدولة من تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية.. الاقتصادية والعسكرية.. في شتى المجالات، في مواجهة المصادر التي تتهددها في الداخل والخارج، وفي السِّلم والحرب، مع استمرار الانطلاق المؤمَّن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطًا للأهداف المخططة".
وطبقًا لهذا التعريف فإن هناك مجموعةً من الاشتراطات المهمة بالنسبة لقضية الأمن القومي تقوم على أساس مبدأَي الإدراك والتنمية؛ حيث الإدراك هو معرفة طبيعة ممكنات الخطر الداخلي والخارجي، ثم رسم سياسة شاملة أو إستراتيجية محددة لتنمية قوى الدولة لمواجهة هذه التهديدات الخارجية والداخلية وفق سيناريوهات محددة، مثل القوات المسلَّحة، والاقتصاد القومي الشامل، وتأمين كافة مرتكزات الشأن المعنوي لدى المواطنين.
وعلى ذلك فإن قضية الأمن القومي قضيةٌ متنوعةٌ في أبعادها، فهناك المناحي الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك السياسية والعسكرية.. وغيرها، وتهتم بهذه الأمور مجموعةٌ من الأجهزة الأمنية والعسكرية والاقتصادية المختصة.
أولاً: السودان والأمن القومي المصري
وعند النظر إلى الحالة المصرية التي هي محور الحديث، نجد أن الأمن القومي المصري يرتكز على محورَيْن، الأول هو البوابة الشرقية، وهو محور يمكن القتال عليه؛ حيث مثلت البوابة الشرقية نقطة العبور الرئيسية لغالبية الغزاة الذين جاؤوا إلى مصر عبر العصور.
أما المحور الثاني فهو الحدود الجنوبية ويرتبط هذا المحور بتأمين استمرارية تدفق مياه النيل إلى الأراضي المصرية، والتي تعد شريان الحياة لها، وهو محور لا يمكن القتال عليه بسبب امتداده لمساحات شاسعة يصعب تغطيتها بقوات مقاتلة تستطيع التمركز فيها.
ولذلك تعتبر الدبلوماسية هي الأداة الرئيسية للتعامل مع هذا المحور، أو بواسطة أدوات القوة الناعمة المتمثلة في المعونات والمنح الدراسية والبعثات التعليمية.. إلخ.
وهناك مساحةٌ عريضةٌ للتداخل في دائرتَيْ الأمن القومي في البلدَيْن ترتكز على عناصر مشتركة محددة كانت هي المحرك لاتِّفاقيَّة الدفاع المشترك، التي وقعها الطرفان في عهد الرئيسَيْن محمد أنور السادات وجعفر محمد النِّميري، ثم ألغيت في العهد الحزبي الثالث في السُّودان خلال الفترة من 1986م حتى 1989م.
وتتركز عناصر الأمن القومي المشترك بين البلدَيْن في محاور محددة، هي المياه والعمق الإستراتيجي الأرضي والفضائي والبشري المشترك بينهما، وفي حين تبدو مصر نشطة وفاعلة في تحريك هذه العناصر بما يخدم مصالحها كان الجانب السُّوداني متراخيًّا في تحريك ما يليه من مصالح، حتى باتت النظرة السُّودانيَّة العامة متوجسة بهواجس الاستغفال التي ولدها طغيان المصالح المصريَّة على العلاقات الثنائيَّة بين الطرفَيْن.
أولاً: خلفيةٌ تاريخيةٌ
عند النظر إلى التعاطي المصري مع السودان خلال القرن الماضي، وخصوصًا في النصف الثاني من القرن العشرين، يتضح أن هناك أخطاء فادحة قد ارتكبت وتسببت فيما وصلت إليه الحالة السودانية من مشاكلٍ متفاقمةٍ هبطت بها إلى حالةٍ مستعصيةٍ تكاد تدخل السودان في "عمليةٍ جراحيةٍ كبرى" تهدف إلى تقسيمه.
وفي الحقبة شبه الليبرالية التي شهدتها مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين كان العنوان الرئيسي لمطالب الحركة الوطنية المصرية بكافة فصائلها يتمثل في أمرين، داخليًّا الدستور والديمقراطية، وخارجيًّا الاستقلال التام لمصر والسودان، أي وحدة وادي النيل.
وقد كان السودان يُحكَمُ حكمًا ثنائيًّا من بريطانيا ومصر بموجب اتفاقية عام 1899م، إلا أن بريطانيا كانت تنفرد بحكم السودان على أرض الواقع، وكان هذا أمرًا منطقيًّا لكون مصر محتلة من بريطانيا منذ العام 1882م.
![]() |
|
مصر والسودان بلد ونيل وشعب واحد |
وكان الشعبان المصري والسوداني يؤمنان بأنهما شعبٌ واحدٌ، وحدت بينهما الطبيعة والنيل والحضارة واللغة والدين والتاريخ، وكان هذا الإيمان يدفع الشعب السوداني إلى الثورة على الاستعمار البريطاني، مطالبًا بعودة الوحدة مع مصر، وبسبب السودان تعثرت جميع المفاوضات التى جرت بين مصر وبريطانيا، والتي أجراها الزعماء الوطنيون المصريون المتعاقبون منذ العام 1924م، إذ كانت بريطانيا تتمسك دومًا باستمرار الحكم الثنائي في السودان، وكان هذا الأمر محل رفض المصريين.
وكانت هناك رؤيةٌ واضحةٌ لدى زعماء الحركة الوطنية المصرية إزاء أهمية السودان بالنسبة لمصر، وواقع التَّرابُط العضويِّ القائم بين شطري وادي النيل، فكان الأمير عمر طوسون أحد رموز الحركة الوطنية المصرية، يقول: "إذا لم نستعمر السودان فليستعمرنا السودان"، بينما كان الزعيم سعد زغلول يقول: "إن المفاوض الذي يفرط في السودان كالشخص الذي يفرط في عرضه".
وكان مصطفى النحاس يقول: "فليقطع يميني عن شمالي ولا ينفصل السودان عن مصر"، وهو القول الذي ترجمه عمليًّا عندما قرر أمام البرلمان المصري في 8 أكتوبر من العام 1951م، إلغاء معاهدة 1936م الموقعة مع بريطانيا، واتفاقية السودان الموقعة في العام 1899م، داعيًا الشعبَيْن المصري والسوداني إلى مقاومة الاحتلال البريطاني.
وعندما سارعت بريطانيا بإعداد مشروعٍ لدستورٍ يمنح السودان الحكم الذاتي بهدف إجهاض المقاومة المسلحة ضد الاستعمار البريطاني لوادي النيل، علق فؤاد سراج الدين- سكرتير حزب الوفد ووزير الداخلية آنذاك- على الأمر قائلاً: "إن الاستفتاء في السودان كالاستفتاء على مصير أسيوط مثلاً فيما إذا كانت ترغب في الاستقلال عن مصر".
وبعد ذلك تسارعت وتيرة التطورات في مصر حيث اُحْرِقَت القاهرة، وجاء انقلاب الجيش في 23 يوليو 1952م، والذي سُمِّي فيما بعد بالحركة المباركة ثم الثورة بقيادة محمد نجيب الذي ولد لأبٍ مصريٍّ وأمٍّ سودانيةٍ، وكان هذا الأمر صمَّام الأمان لوحدة البلدَيْن.
ثانيًا: المرحلة الحديثة
![]() |
|
صلاح سالم |
وبناءً على هذا، أوفد مجلس قيادة الثورة صلاح سالم إلى جنوب السودان بهدف استطلاع الأحوال هناك، ولدى وصوله إلى الجنوب شارك سالم بعض القبائل في رقصة كانت تؤدى تحية للضيوف، إلا أنه شاركهم الرقص عاريًا بعدما تجرد من ثيابه، ونشرت الصحف العالمية صورته تحت عنوان "الكولونيل العاري"، والأسوأ أنه ذهب إلى هناك موزِّعًا الأموال والهبات بسخاءٍ شديدٍ على زعماء الجنوب بغية شراء ولائهم لمصر.
وقد أتى فعله بنقيض مراده؛ إذ خشى الجنوبيون التصويت لصالح الاتحاد مع مصر، خشية اتهامهم بالتربح وتعاطي الرشاوى على حساب مصالح القبائل الجنوبية.
وجاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الانفصال عن مصر، وكان ذلك لعدة أسبابٍ، أولها ما فعله صلاح سالم في الجنوب، والثاني وهو الأهم، هو خشية الشمال من الاتحاد مع مصر بعدما رأوه من سياسات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قبل توليه الرئاسة، وتخلصه من محمد نجيب السوداني الأصل بالصورة التي تمت؛ حيث جرى عزله ونفيه بطريقةٍ قاسيةٍ ومهينةٍ، وهو الأمر الذي كان له أسوأ الأثر في نفوس السودانيين.
وأُضيف إلى ذلك بطش العسكر بمعارضيهم في مصر، كما بطشوا بنجيب وجماعة الإخوان المسلمين، وكانت المحصلة هي انفصال السودان عن مصر في العام 1954م.
وكان الانفصال بمثابة أول مسمار في وحدة السودان الإقليمية كدولةٍ موحدةٍ ومستقرةٍ، ففي العام 1955م، أي بعد الانفصال بعامٍ واحدٍ، ظهرت حركة "أنيانيا"، وهي أول حركةٍ انفصاليةٍ مسلحةٍ في جنوب السودان.
ومنذ ذلك الحين تتابع ظهور الحركات الانفصالية الجنوبية، وما أن يتم القضاء على حركة إلا وعاودت الظهور من جديد في شكلٍ آخرٍ وبمسمىً آخر، وقالت بعض الدراسات إن النظام الناصري كان أول من سلح الحركات الجنوبية ضد الشمال السوداني نكايةً فيه، وعقابًا له على تعاطفه مع نجيب والإخوان المسلمين، ورفضه الوحدة مع مصر تحت حكم العسكر.
وكان مما أثار العديد من التساؤلات في ذلك الحين وفي العقود التي تلت الانفصال عن السودان سياسة الوحدة التي حاول عبد الناصر إحياءها وتطبيقها في العالم العربي؛ حيث كان من المنطقي تطبيقها على السودان وليس سوريا أو اليمن، باعتبار العوامل الجغرافية والتاريخية وغيرها التي كانت تدعم فرص نجاح الوحدة بين مصر والسودان عن الوحدة بين مصر وسوريا مثلاً.
ومنذ ذلك الحين أخذت السياسة المصرية تنحو منحى التجاهل تجاه السودان، فقد انكفأت مصر على نفسها بعد كارثة هزيمة العام 1967م، وتحول اهتمامات القيادة المصرية إلى أولوية تحرير التراب الوطني المصري بالحرب والتفاوض.
في المقابل، وطيلة هذه الفترة، كان السودان يمر بتحولاتٍ خطيرةٍ، وكانت القوى الاستعمارية تدفع الأمور فيه باتجاه التقسيم والتفتيت.
ومع تأرجح العلاقات المصريَّة السودانية خلال فترة الحكم الحزبي الأخير في السُّودان في السنوات من العام 1986م حتى العام 1989م)، ثُم الانهيار الكبير لهذه العلاقات خلال العقد الأول من حكم الرئيس السوداني عمر حسن البشير، تورطت مصر بشكلٍ علنيٍّ في أزمة جنوب السودان، فحاولت استيعاب بعض مفردات المشكلة في مقابلة المد الأصولي في السودان.
فانخرطت مصر في تقديم المساعدات للحركة الشَّعبيَّة لتحرير السودان وجناحها العسكري الجيش الشعبي، واحتضنت التحالف الشمالي المعارض للخرطوم، في إطار المواجهة مع النظام السوداني الذي أوصل العلاقة بين البلدَيْن إلى حالة العداء السافر المعلن.
![]() |
|
الرئيس حسني مبارك |
وفي هذه الأثناء كانت المواجهات الدامية على أشدها بين الجيش السوداني والجبهة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون جارانج، والتي كانت تسعى إلى السيطرة على كامل السودان وليس الجنوب فحسب، عبر اقتسام السلطة والثروة مع حكومة جبهة الإنقاذ في الخرطوم، وتعالت أصواتٌ في مصر تقول بوجوب دعم مصري للجنوب، ردَّا على ما كانت تصفه القاهرة بدعم حكومة الإنقاذ لجماعات العنف في مصر.
وظلت العلاقات بين الجانبين في حيز القطيعة والتدهور، حتى أطاح الرئيس السوداني عمر البشير برفيقه في انقلاب يونيو 1989م الدكتور حسن الترابي زعيم جبهة الإنقاذ في ديسمبر من العام 1999م، ووضعه قيد الإقامة الجبرية، ثم الاعتقال الصريح، وعند ذلك بدأ تيار من الدفء يسري في أوصال العلاقات بين الجانبين؛ حيث كانت مصر ترى في وجود الترابي في سدة السلطة عقبةً كأداء في طريق عودة المياه إلى مجاريها مع النظام السوداني.
وكان النظام المصري يرى في جناح الترابي في الحكم في الخرطوم أنه بمثابة "الجناح الإسلامي المتطرف" في النظام السوداني، وأنه يسعى إلى تنفيذ أجندة "الأممية الإسلامية"، والتي يقوم وفقًا لها النظام السوداني بدعم الجماعات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، خاصة في دول الجوار، وهو ما أثار حفيظة واعتراض الجانب المصري.
وبعد ذلك بدأت العلاقات في العودة إلى طبيعتها شيئًا فشيئًا، ولكن بعد أن دفع الطرفان الثمن غاليًا، خاصة السودان الذي دفع الثمن قدرًا كبيرًا من استقراره، وقدرًا أكبر من خيرة شبابه، إلا أن التواجد المصري في المشاكل السودانية كان آخذًا في الانحسار، فقد كان التواجد المصري في اتفاقية مشاكوس الموقعة بين فرقاء الأزمة في السودان في كينيا في العام 2002م، تواجدًا رمزيًّا غير فعَّالٍ؛ حيث كانت المفاوضات والاتفاقية تحت إشراف المبعوث الأمريكي للسلام في السودان في ذلك الحين جون دانفورث.
واستمرت اللامبالاة المصرية في التعامل مع الملف السوداني، حتى بعد اندلاع الصراع في دارفور في أبريل من العام 2003م؛ حيث تعامل معه الجانب المصري بقدرٍ كبيرٍ من التجاهل عبر كافة مراحله، وانتهى به إلى الغياب التام في مراسم توقيع اتفاقية أبوجا في مايو 2006م بين الخرطوم وفصيل الزغاوة في حركة تحرير السودان.
وهو أمرٌ يحمل دلالةً خطيرةً، إذ يبدو أن البعض لا يدرك خطورة ما يحدث في دارفور، ومدى تأثيره البالغ السوء على الأمن القومي المصري في ظل وجود 26 ألف جنديٍّ أمميٍّ على الحدود المصرية بموجب قرار مجلس الأمن رقم (1769)، ومدى التداعيات الأمنية الخطيرة المترتبة على اشتعال هذه المنطقة، وكان من بين مظاهرها حادث اختطاف الفوج السياحي الأجنبي من قلب الأراضي المصرية في سبتمبر 2008م.
خلاصة
لاحظ البعض وجود صحوةٍ "متأخرةٍ" للدبلوماسية المصرية وانتباهها لما يحدث في السودان، ويخشى البعض من القول أنها قد جاءت بعد فوات الأوان، بعد أن أحكمت القوى الدولية الحبل حول رقبة السودان، ولم يبق لها إلا أن تجذب الحبل حتى يختنق السودان، وينفرط نظام عقده، لتبدأ مرحلة اقتسام الغنائم بين تلك القوى.
وقد غابت مصر عن المشاكل السودانية المتفاقمة خلال السنوات الماضية، وتركتها تزداد سخونةً واشتعالاً من دون أيِّ تدخلٍ منها بسبب خلافاتٍ ناتجةٍ عن حسابات سياسيةٍ خاطئةٍ يتحمل الجانبان مسئوليتها، وقد يدفع السودان ثمنها من استقراره ووحدته، وتدفع مصر ثمنها من استقرار أمنها القومي؛ حيث يصل التهديد إلى حد تحكم البعض في منابع النيل.
وقد يقول البعض إن الرئيس المصري حسني مبارك قد قام بزيارةٍ إلى جوبا في الجنوب السوداني في نوفمبر الماضي في أول زيارةٍ لرئيسٍ مصريٍّ منذ نحو أربعين عامًا للجنوب، ولكنها بدت لكثيرٍ من المراقبين أنَّها تأتي بعدما تأكد الجانب المصري من احتمالية انفصال الجنوب في الاستفتاء المزمع إجراؤه في 2011م، بموجب اتفاق سلام الجنوب الموقع بين جارانج والبشير في نيفاشا الكينية في 9 يناير 2005م.
وختامًا، يمكن القول إننا أمام تحركاتٍ دولية واسعة النطاق لا تخطئها العين يقودها حلف شمال الأطلنطي (الناتو) تهدف إلى التواجد العسكري المكثف للقوى الدولية الأكثر نفوذًا حول الحدود المصرية من مختلف الجهات بُغية حصار مصر وعزلها عن محيطها الإقليمي تارةً بحجة منع تهريب السلاح إلى غزة في البحرَيْن الأحمر والمتوسط، وتارةً أخرى تحت دعوى مكافحة القرصنة في البحر الأحمر، وثالثة بذريعة حماية المدنيين من الإبادة الجماعية في دارفور.. فكيف يمكن لمصر مواجهة هذه التحركات لاستعادة تأثيرها العربي المتراجع ودورها الإقليمي المفقود؟!.. سؤال لا إجابة عنه الآن.
----------
(*) باحث سياسي


