إن الابتلاءات ضرورة لازمة من لوازم الدعوات، وهي سنة ماضية إلى قيام الساعة، ولن تخلو الحياة من صراعٍ دائم بين حق وباطل، بين خير وشر، بين أولياء الله وأولياء الشيطان.. ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40)، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد: من الآية 17).

 

ومعلوم أن الإيمان هو الأولوية الكبرى في حياة المسلم، ويتصدر كل ما عداه من حظوظ النفس وضرورات الحياة والمال والأهل والولد؛ بحيث لو حدث تعارض بينه وبين شيء من ذلك رجحت كفته هو.

 

وهذا الإيمان يحتاج إلى تمحيص واختبار، كما أن الذهب يحتاج إلى نار شديدة؛ ليظهر معدنه الأصيل، ويزداد صفاءً ونقاءً ولمعانًا ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ (العنكبوت).

 

ويوضح صاحب "الظلال"- رحمه الله- أن الإيمان ليس كلمة تُقال؛ إنما هو حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء وجهاد، يحتاج إلى صبر وجهد يحتاج إلى احتمال، فلا يكفى أن يقول الناس آمنا، وهم لا يتركون لهذه الدعوى؛ حتى يتعرضوا للفتنة، فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم.

 

وتحكي لنا السيرة النبوية العطرة الكثير مما تعرَّض له الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من فتنة وتعذيب وإيذاء في مكة على أيدي المشركين؛ حتى استشهد ياسر وزوجه رضي الله عنهما.

 

وها هو خباب بن الأرت رضي الله عنه لما اشتدت ضراوة المشركين في إيذاء المسلمين، ذهب يستنجد برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال خباب: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحُفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يُؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون".

 

وأعباء الطريق، وتكاليف الحركة، وضريبة الثبات على الدعوة، وما إلى ذلك لم يكن بخافٍ على الأستاذ البنا رحمه الله، فذكر أن سنة الابتلاء تجري على أصحاب الدعوة، ونبه في خطاب عام وشامل له أن الإخوان سيلقون خصومة من كثير من الأعداء، ومن الحكومات، وزاد ذلك تفصيلاً بأن أشار إلى أننا سنسُجن ونُعذب ونُشرد، إلى غير ذلك من ألوان المصادرة والملاحقة والتضييق على الحريات الفردية، وقطع مصادر الرزق المتمثل في الوظائف العامة والتجارة وغيرها، وحينئذٍ (تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، وقد يطول بكم الامتحان..) فهل أنتم مصرون..؟!.

 

وهكذا عرفنا أن طريق الدعوة مليء بالأشواك والعقبات وليس مفروشًا بالورود، والأصل أن نصبر ونتحمل ونتخطى العقبات دون توقف أو تردد أو تنازل أو ضعف أو انحراف.

 

﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)﴾ (آل عمران).

 

منهج الإسلام في مواجهة الابتلاءات:

والمسلم المؤمن بدعوته الواثق بمنهجه القابض على دينه في كل الظروف والأحوال المحتسب كلّ ما يلقاه عند الله، فينال بذلك مغفرة ورضوانًا، هذا المسلم ينظر إلى المحن والشدائد التي تعترضه كفرد وكجماعة، ينظر إليها بمنظور القرآن الكريم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)﴾ (الأحزاب). ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173)فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ (آل عمران).

 

إنه ليخفف من وقع المحنة، ويُهّون من شدّة الابتلاء أن يتذكر أصحاب الدعوة الدلالات العظيمة للآيتين السابقتين، وذلك من عدة وجوه:

إن تَجَمُّع خصوم الدعوة، وأعداء المنهج الرباني لإصلاح أحوال البشرية، ومحاولتهم صرف الناس كل الناس عن مصدر سعادتهم الحقيقية، ومحاولتهم فصل الدين عن تصريف شئون الحياة بنور من الله، واعتبار ذلك مظهرًا للتخلف والكهنوتية كما يدعون، أقول هذا الإقصاء الظالم يتصادم تمامًا مع الفطرة السليمة والمنهج القويم، وهؤلاء الخصوم أمرهم إلى دمارهم ﴿َومَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر: من الآية 10).

 

1- وأن ما يُخطط له هؤلاء جميعًا؛ إنما هو حاضر في يقين أصحاب الدعوة، إذ بمجرد أن تتجمع كل قوى الشر، لتطفئ نور المقاومة والجهاد، وتعطل أصحاب الأرض والحق من نيل حقهم وأرضهم بكل وسائل الغدر والخديعة والبطش والقهر؛ فإن لسان كل المقاومين للمشروع الصهيو أمريكي يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: من الآية 22). ويؤدي ذلك إلى الثبات والإصرار وتجديد العزم والمضي قُدمًا نحو النصر بإذن الله.

 

2- كما أن من دأب المؤمنين الصادقين؛ أنه عند تجمع كل قوى الباطل المناصرة للصهاينة الظالمين المفسدين، أن يلجأوا إلى الله فهو حسبهم- كافيهم- ونعم الوكيل، ولا منْجى من الله إلا إليه، وليس لها من دون الله كاشفة، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

 

ما يواجهه أصحاب المشروع الإسلامي النهضوي النيِّر الواضح؛ من كيد وتربص وتعقب وتشويه واتهام بالباطل وزجٍّ للأبرار الأخيار في السجون، ومصادرة للممتلكات والأموال وتعطيل للأعمال والإنتاج؛ إنما يجعل الجميع في أشد الحاجة إلى تذكر ومدارسة وتمثل عوامل الثبات والنصر في الآية الكريمة:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾ (الأنفال).

 

ولو يتسع المقام لتفصيل كل هذه العوامل وموجبات النصر؛ ولكن بحسبنا أن نشير إليها بإيجاز شديد:

1) الثبات هو بدء الطريق إلى النصر، وهو من عند الله كما أن النصر من عند الله ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾ (إبراهيم). ولأمر ما يريد الله أن يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكل المؤمنين الصادقين من بعده ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43)وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)﴾ (الزخرف).

 

2) وذكر الله عند المواجهة واحتدام الصراع توجيه دائم للمؤمن، وذلك بدوام حسن الصلة بالله عزَّ وجلَّ، ومصاحبة القرآن الكريم تلاوةً وتدبرًا، ودعاء السحر، والحرص على صلاة الليل، وحضور الصلوات في المساجد وخاصة عند الفجر، والقنوت، والدعاء للأسرى والمعتقلين؛ ليفك الأسر، ويفرج الكرب.

 

3) وما أحوج المؤمنين إلى طاعة الله ورسوله والنزول على مقتضى الأمر، واجتناب كل نهي؛ فإن الله يحب أن يرى عبده حيث أمره،  ويفتقده حيث نهاه، وطاعة الله ورسوله تلزم المؤمن في كل أحواله، وهي ألزم له عند الشدائد وفي الأزمات.

 

4) ومن عوامل النصر، ورفع يد الظالمين عن المؤمنين؛ توحيد الصف، ونقاء السريرة، وسلامة الصدر، وخفض الجناح للمؤمنين، وعدم التنازع وإزالة الشحناء والبغضاء، وتعميق الأخوة، وإشاعة الحب والوئام وبشاشة الوجه، وتقريب وجهات النظر بالحوار الهادئ، وعدم التنازع ثم الثقة في القيادة، والنزول على ما يستقر عليه الرأي من توجيه وقرار.

 

5) ثم الصبر على أعباء الطريق وفي وقت الشدة؛ فهو صفة لا بد منها لمواصلة السير مهما كانت المتاعب، ومهما طال الطريق إذ العاقبة بإذن الله للصابرين وللمتقين.

 

هامش:

1- ما صدر عن دار الإفتاء بخصوص رفض استحقاق المدعو (سيد القمني) لجائزة الدولة التقديرية، واعتبار ذلك قرارًا باطلاً، تضمن اللجنة التي أجازته قيمة هذه الجائزة (200 ألف جنيه)؛ أثلج ذلك صدور الغيورين على دينهم المحبين لرسولهم، ونأمل المتابعة حتى يتم سحب الجائزة ماديًّا ومعنويًّا.

2- في جريدة (الشرق الأوسط) يوم السبت 18/7/2009م صرَّح الشيخ عوض القرني- وكان قد ورد اسمه ضمن المتهمين في قضية ما يسمى بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين- يقول الشيخ الجليل: "إن الاتهام بحد ذاته هو وسام شرف، والذي لم يأت سوى عقب فتواي أثناء الهجوم الصهيوني الغادر على قطاع غزة ومحاصرته له.."، نعم هو وسام شرف وفخار، أسأل اللهَ لك وللجميع السلامة والعافية.