أنا لا أحب الكتابة عن أشخاص قريبين من قلبي؛ لأن شهادتي فيهم مجروحة، ولأني أحب إخواني؛ رغم كل ما فيهم أحيانًا من ضعف إنساني أو عناد قيمي!، ففي رأيي أن كلَّ من قِبل أن يكون من الإخوان المسلمين في هذا الوقت من الزمان، فهو رجل حقيقي مهما كانت نواياه؛ لأنه يواجه نظامًا يكره الإخوان بشكل مثير للغرابة, نظام يطارد الإخوان في أعمالهم وأفراحهم وأتراحهم وأسفارهم وعلاقاتهم مع أقاربهم وزملائهم وجيرانهم!! حتى إنه من أراد أن يتخلص من أحد خصومه في أي مكان، عليه فقط أن يتهمه بأنه من الإخوان أو المحبين لهم أو المتعاطفين معهم، ولو في جهاز الشرطة نفسه!؛ كي يطير من مكانه بلا عقل أو روية، وقد فعلها أعضاء الحزب الوطني في انتخاباتهم القاعدية، عندما راجت إشاعة باختراق الإخوان لقواعد الحزب الوطني- المستولي على حكم مصر قهرًا وغصبًا!.

 

وبالتحقق من الأمر؛ وجدنا أن أعضاء الحزب الوطني تصارعوا فيما بينهم، ولم يجدوا وسيلةً لتصفية بعضهم البعض إلا بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين؛ وهي تهمة تسبب ارتكاريا وهوس وفزع لدى الأجهزة الأمنية التي تدربت على أن عدوهم هم الإخوان- ورغم احترام عدد كبير منهم لأفراد وقيادات الإخوان؛ إلا أنهم في ظل تعليمات صارمة يتعقبونهم، ويحاصرونهم، والشاطر الذي يبدع في ذلك- ونجحت الفكرة ولاقت هوى لدى بعض رجال الشرطة لتأييد البعض ومعاداة البعض الآخر وتصفية الحسابات!!.

 

لذلك فليدرك كل الإخوان أنهم من أرجل الرجال في مصر، فلم يرهبوا الظلم والتعسف والمطاردة وسفاهات الأمن الذي يسترزق من متابعتهم والتضييق عليهم!، وقد قالها كبيرهم يومًا ما في لقاء مع أحد قيادات نواب الإخوان "إحنا بنأخد مرتباتنا من الشغل عليكم وبالدولار كمان!" يعني الأمن عامل تنظيم دولي!.

 

ولذا لم أتعجب من التضييق الواقع على الإخوان؛ خاصة قياداتهم التي تنال احترام العقلاء في كل مكان، والتي يمتلئ قلوبها، وتنضح أعمالها بحب الوطن والخير لكل الناس!، فالدكتور عبد المنعم رجل الدولة المحترم الذي يملأ مكان أي وزير بكل اقتدار؛ يعتقل على ذمة قضية دعم غزة المعروفة صحفيًّا وأمنيًّا بالتنظيم الدولي!!، يعاني من المرض والقسوة والعناد في المعاملة، وهو الهين اللين الحلوق! وثلاثة عشر عالمًا وأستاذًا وخبيرًا من أفاضل المصريين، يقضون في السجن أكثر من عامين ونصف، ويحرمون من الإفراج، بعد انتهاء ثلاثة أرباع المدة منذ 6 شهور تعسفًا وحقدًا، بينما الضابط الذي انتهك حرمة المواطن المصري عماد الكبير، يستفيد بالقانون ويخرج بعد ثلاثة أرباع المدة؛ ليعود إلى عمله، وكأن ما ارتكبه ليس قادحًا في أخلاقه ولا نزاهته ولا أدائه ولا كرامته، في تحدٍ صارخ وعناد وهوى شخصي من وزارة، المفروض أن تحمي حقوق المصريين وتحفظ حقوقهم!.

 

وثمانية أشراف من أبناء دمنهور يحصلون على براءة المحكمة الجنائية من التهم الملفقة لهم في قضية فارس بركات الذي قذف به أحد رجال الشرطة من شرفة الدور الرابع، فيفرج عنه ويتم اعتقال الثمانية البرءاء! بأي حق؟ وفي شريعة من؟!!.

 

ويظل الهوى الشخصي لدى قيادات الشرطة يحركهم، وهم يملكون كافة السلطات التي تهدر قيمة القانون، وتهزأ من أحكام القضاء دون محاسبة، لماذا؟ لأن المطاردين من الإخوان المسلمين مهدرو الحقوق مسلوبو الإرادة، في ظل عصابة استولت على حكم البلاد وعلى مقدرات وسلطات الشعب، ثم تسومه بها سوء العذاب! وهم يعلمون أن الذي يمنع الإخوان من رد الفعل العنيف إنما هي عبادة لله خوفًا من الفتنة التي هي أشد من القتل! إنها الفكرة التي استولت على قلوبهم وعقولهم لسيد الشهداء الذي قام لحاكم ظالم، فأمره، ونهاه؛ فقتله الظالم جزاء نصحه وإرشاده، ومن قِبل جزاء استقامته وإيمانه!!.

 

يخسر رجال أمن النظام كل يوم في مواجهتهم مع شرفاء الوطن، وتنزل الدعوات على رؤوسهم كالمطر؛ انتظارًا للحظة استجابة تنعدل فيها الأحوال المقلوبة، ويثأر الله فيها للمظلومين الذين أقسم سبحانه على نصرهم ولو بعد حين!؛ ولكن الظالمين لا يفهمون ولا يتدبرون ولا يفقهون! إن رجال الأمن- ومن خلفهم ممن افتقد البصيرة وسيطر عليه هوس الحفاظ على متع الحكم التي هي نار الله الموقدة لمن لم يأخذها بحقها- لن يهنئوا بحياة آمنة مستقرة طالما امتلئت سجونهم بالمظلومين من شرفاء هذا الوطن!.

 

ولعل العنف والغل الذي يتعاملون به مع منافسي النظام السياسيين- الذين لم يرفعوا سوى أصابعهم وأقلامهم في مواجهة نظام فاسد- هو الذي يفسر لي حالة الغلو في بعض الأحيان التي تتهم كل هؤلاء بالخيانة أحيانًا وبالكفر أحيانًا أخرى!.

 

وما دام غاب صوت الاعتدال وغُيِّب أفراده؛ فلا يلام إلا النظام وأمنه على ارتفاع نبرات التطرف وصيحات الإرهاب من آن لآخر، ولن تنفعهم يومئذٍ دولاراتهم التي يقبضونها ثمنًا لعذابات الشرفاء من أبناء الوطن!! وحسبنا الله ونعم الوكيل.

-----------

* g.hishmat@gmail.com