د. حسن الحيوان

من خلال ندوة مطوَّلة لاحظت وتعجَّبت من الانقسام بين مثقفينا بخصوص وجود تآمر للغرب على العرب والمسلمين من عدمه! فالمؤامرة هي تدبير سري غير معلن وغير شرعي، في حين أن ما يحدث الآن يعدُّ حربًا معلنةً شاملةً كل مجالات الحياة وبدعم إعلامي هائل، بغض النظر- في معظم الأحوال- عن الحقائق.
- ما حدث ويحدث للسيطرة على العالم الإسلامي يستند إلى نظرية الصراع الحضاري المزعومة في الغرب، وصولاً إلى وصْم الإسلام بالعنف والإرهاب، الأمر الموجود والثابت على فئة قليلة تنتمي إلى كلٍّ من الأديان والحضارات على مرِّ العصور، ولم يحدث تاريخيًّا ولا منطقيًّا أن يتم اتهام أي دين أو اتجاه فكري في حدِّ ذاته بالإرهاب، مثل ما يحدث الآن ضد الإسلام وباسم الحرية وحقوق الإنسان.
- لا أحد ينكر أن الغرب هو المخطط والمموِّل والمنفِّذ لكل الظلم ضد العالم الإسلامي من فلسطين ثم البوسنة والهرسك وأفغانستان والعراق، بالإضافة إلى تهديد السودان وسوريا وإيران.
- محاولات الغرب مستمرة لاتساع الفجوة التكنولوجية بينه وبيننا في كل المجالات؛ بحيث لا يسمح لنا بالدخول في أيٍّ من الصناعات الأساسية إلا الإسمنت؛ بسبب تدميره للبيئة، وصولاً إلى حصر المجال النووي على الدول غير العربية والإسلامية.
- بالإضافة إلى إفشال أي محاولات توحُّد سياسي أو تكامل اقتصادي فيما بين الدول العربية، ولا ننكر أيضًا تقصيرنا بهذا الشأن.
- التدخل الأمريكي في شئون الأزهر والتعليم الديني شديد القسوة، من تقليص حصص القرآن الكريم في كل المراحل، وخفض الميزانيات المالية للمعاهد الأزهرية، وتقليص عدد الدارسين في الأزهر، وصولاً إلى محاولة إلغاء التأثير المعروف للأزهر عربيًّا وإسلاميًّا وعالميًّا.
- أما آخر وأخطر مجالات التدخل فهو الإعلان عن مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحَّد لشتى العقائد في مصر؛ الأمر الذي يقلب موازين الحياة الأسرية والاجتماعية، ولا أبالغ- إذا نجحت هذه الخطوة الآثمة- أن تتجه المحاولات إلى مشروع توحيد العقائد في حدِّ ذاتها، وذلك بدمج عقيدة التوحيد مع عقيدة التثليث في عقيدة واحدة، خط وسط, عقيدة وضعية مفبركة, تدعو إلى الثنائية الألوهية لتصفية قضية الصراع الحضاري نهائيًّا، والانتصار لفصل الدين تمامًا عن كل مجالات الحياة، وصولاً إلى طغيان النموذج الغربي على شتى مجالات الحياة للعرب والمسلمين، مثل المأكل والمشرب والملبس، دون أدنى ضوابط، ثم مختلف البرامج الفكرية والثقافية، من خلال شتى وسائل الإعلام التي تدعو إلى التحلل من أي ضوابط أو توجيهات نابعة من الدين؛ (بدعوى أن الإنسان هو الذي يقوم بالتشريع لنفسه بشكل كامل ومطلق دون أي ثوابت إلهية)، وكذلك شتى المعاملات الاقتصادية والاجتماعية، إلى درجة تفكيك الترابط الأسري وتهميش فكرة الزواج في حدِّ ذاتها؛ تحقيقًا للحرية الجنسية المطلقة بين الجنسين، دون أدنى ضوابط، بل تقنين الشذوذ الجنسي، كما هو مقرر في الغرب؛ (لأن الإنسان هو الذي يشرع لنفسه)، وكذلك إلغاء مفاهيم أساسية مثل بر الوالدين وصلة الرحم وقوامة الرجل داخل الأسرة، وتغيير قوانين الميراث الإسلامية وخلافه, ولا يخفى على أحد ظهور بدايات لبعض هذه المآسي في مجتمعاتنا.. فأين نحن من ذلك؟!
- لا يصح ولا يليق أن ننشغل بالجدل بشأن نظرية المؤامرة، فالتآمر والظلم معلَن وممنهَج ومستمر وشامل.. هذه هي الحقيقة.. أما القضية فهي عدم توافر الإرادة السياسية، لا على المستوى الرسمي، ولا على المستوى المجتمعي, لدرجة انعدام المسئولية الفردية للدفاع عن خصوصيتنا الثقافية ومواردنا الاقتصادية وحقوقنا الإنسانية، بل طبيعة وهويَّة وحكمة وجودنا في الحياة.
فهل لنا على الأقل كأفراد أن نتجه من البحث عن الحقيقة إلى الالتزام بالمسئولية تجاه القضية.
--------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com