"لو كان الفقر رجلاً"
الإخوة الأحباب.. أُحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
فـ"لو كان الفقر رجلاً لقتلته".. قالها الإمام علي رابع الخلفاء الراشدين فذهبت مثلاً؛ استشعارًا منه رضي الله عنه بحجم المعاناةِ التي يتعرَّض لها الفقير في كل عصرٍ ومصر.. فتجاوزت كلماته حدودَ الزمان والمكان، وصارت تتردد على الألسنة والشفاه.
لقد أوجع الفقرُ والفقراءُ قلبَ الإمام، وكيف لا وقد نزل فيه وفي الزهراء رضي الله عنهما قول الحق جلَّ وعلا: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)﴾ (الإنسان).. إنه الحس المرهف، والعاطفة الجياشة، والشعور الرقيق، والضمير الحي، والقلب الزكي.. إنها تربية النبوة ومدرسة الرسالة.. إنه البصر الشاخص إلى السماء أبدًا، يرجو رحمته ويخشى عذابه، هي الرحمة التي أودعها الله قلوب عباده الصالحين.
"مَن لا يَرحم لا يُرحم".. كلمات أطلقها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.. قاعدة يجب أن تحكم العلاقات بين بني البشر، بين الحاكم والمحكوم، بين الغني والفقير، بين الوزير والخفير؛ حتى تستقيمَ أمورهم وتستقر أحوالهم، وينعم عيشهم برحماتِ الله التي تتنزل عليهم.
لقد سُطِّرت كلمات الحبيب على هاماتِ الزمان بأحرفٍ من نور، ولِمَ لا وهو الرحمة المهداة، كما قال ربُّه جلَّ وعلا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء)، وقوله سبحانه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 159)، ثم انظروا وتأملوا قوله تعالى: ﴿ورحمتي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 156).. انظروا كيف ربط سبحانه الرحمة بالتقوى والإيمان والزكاة.
أيها الإخوان..
مَن لنا بالأنصار ﴿...وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ (الأنفال: من الآية 72)، والذين قال الله فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية 9).
يا أنصار الله..
إنَّ الأغنياءَ يتسابق الكل إلى خدمتهم وقضاء حوائجهم ولو لم يُطلب منهم ذلك، أما الفقراء فمَن لهم غير الله؟ مَن لهم غير الرحماء من عباده؟ مَن يُفرِّج كروبهم وينافح عنهم؟
مَن للفقراء غيركم، يهتمُّ بهم، يسأل عنهم، يقترب منهم، يداوي جراحاتهم، يزيل آلامهم، يمسح بيديه الحانية على قلوبهم، يرسم البسمة على شفاههم؟!
أعلم أن الكثيرين منكم يعيشون عيشةَ الكفاف، وأنكم جزءٌ من هذه الطبقة المسحوقة من شعب مصر الطيب، لكن أعلم- أيضًا- أنكم من أغنى الأغنياء بما تمتلكون من قناعة، وكرامة، وعزة، ومروءة، وإقبال على الآخرة.. ورغم معاناتكم إلا أنكم تحاولون تخفيف الآلام عن غيركم.
مَن للذين يعيشون على هامش الحياة، يبيتون على الطوى، لا يجدون ما يستر أجسادهم؟
مَن للمرضى أصحاب الأجساد العليلة والنفوس الكسيرة؟ مَن لساكني الخيام والأطلال في غزة المجاهدة والمحاصرة؟، ومن لساكني علب الصفيح والجحور والقبور في القاهرة؟
لقد تكأكأت عليهم الحكومات، وأعرض عنهم الحكام والزعامات والقيادات.. ليس لهم في قلوب هؤلاء نصيب، مع أن الرحمة من لوازم الحكم ومتطلبات القيادة، ويعجب الإنسان من هذه القسوة والغلظة.. كأني أسمع الآن صرخات ضحايا العبَّارة وهم يصارعون الموت في عمق البحر فيتوجع القلب.. وهؤلاء البؤساء الذين احترقوا وتفحموا داخل القطار، أو سُحقوا تحت كتل المقطم فيقشعر البدن.. كأني أسمع الآن آهات الشهداء من أطفالنا ونسائنا في غزة أثناء حرب الإبادة التي شنَّها الصهاينة على أهلنا فى القطاع فيتفطر الكبد.
يا أرحم الناس..
من للمسحوقين والمطحونين- وما أكثرهم خاصةً في هذا الزمان- غيركم؟.. أعلم أنكم تعملون بتفانٍ في هذا الميدان، ليس منَّةً منكم ولا تفضلاً، لكنْ إحساسًا رفيعًا بالمسئولية، وشعورًا عميقًا بالتبعة، واستجابةً صادقةً للرسالة التي تحملونها بأمانةٍ وشرفٍ رغم العوائق والاضطهاد والقمع الذي تتعرضون له.
أعلم أنكم لا تألون جهدًا في القيام بهذه الفريضة الكبرى تجاه بني وطنكم وأمتكم.. لكنها التذكرة.. مِن بابِ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾ (الذاريات).
نعم إمكاناتكم محدودة وقدراتكم متواضعة، غير أنها جهد المقلِّ، والبركة التي يطرحها الله في أعمالكم.. أعلم أن هناك الكثير من الأتقياء الأخفياء من أهل الخير والكرم والجود من شعب مصر، الذين لا يألون جهدًا في البذل والتضحية والعطاء.. هؤلاء لا يقلون عطاءً ولا يدخرون وسعًا، ولهم دورهم الفذُّ في إقالة عثرات الوطن في كل المجالات والميادين.. لهم منا وافر التحية وتقبل الله منهم ومنكم.
أيها الإخوان..
هذه هي مهمتكم، ولن يقوم بها غيرُكم، ومَن سار من الكرام على دربكم، وأنتم وهم- بإذن الله- أهلها ورجالها.. والله معكم ولن يتركم أعمالكم، والله من وراء القصد.
----------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.