في صمت رحل، ولو كان أحد غيره ممن يروِّجون للسلطان وسياساته الهابطة وينافقون؛ لكانت أُقيمت على شرف تأبينه مئاتُ السرادقات لتقبُّل العزاء.
في صمت رحل، ولكن بقي خلفه رصيد يحمله جميع من اقترب منه، ينتظر منه تحليلاً لقضية ما أو رأيًّا في أزمة.
إنه الدكتور أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة والمثقف المحترم والباحث عميق التحليلات، الذي رحل عن دار الفناء إلى دار البقاء قبل أيام، لنفقد رجلاً محترمًا جديدًا، في زمن كثر فيه السفهاء، وتطاول فيه أرباب الفساد.
الراحل عاش شريفًا شجاعًا، ومات ولم يسقط من يده لواء الحق، وكنا نتواصل معه دومًا لاستطلاع رأيه في موضوعاتنا الصحفية في (إخوان أون لاين)، ونجد منه الرأي السديد النزيه، كنا نجده لا يخشى في الله لومة لائم، ويتميز بالصراحة والصدق والمباشرة.
الراحل لم ينافق فلم يصل، وهذا شرفٌ له وتاجٌ على رأسه، ولم يعرف "التطبيل"، فلم يُرَ إلا التعتيم الحكومي على خبر انتقاله إلى دار الحق، وكان مصرًّا على الصراحة والوضوح في آرائه.
نعم.. توفي د. ثابت، ولكن ما تركه خلفه من آراء هي شهادة حق في هذا الزمن الذي ساد فيه اغتيال الحق والحقوق، فقد ترك خلفه شهادة حق في هذا النظام الفاسد المستبدّ، تستحق أن يقرأها الناخب المصري خلال الفترة المقبلة جيدًا؛ فهو يرى أنه نظامٌ أمنيٌّ مستبدٌّ قائمٌ على المركزية الشديدة وتحالف الثروة والسلطة، وتحالف الفساد الرسمي وفساد رجال الأعمال لنهب ثروات البلاد.
ويؤكد أن هذا النظام يستهدف في المقام الأول توصيل الحماية القانونية والسياسية إلى الموالين له ولحلفائه؛ وهو الأمر الذي حدث مع الكثيرين، في الوقت الذي يُوفِّر الحماية لهؤلاء المرتزقة، ويرفض تحويل الاتهامات الموجَّهة إليهم من النيابة العامة إلى قضايا، ويتستَّر عليهم إلى أبعد حدٍّ.
ويشدِّد على أن النظام يفضِّل احتكار إدارة الحكم وتأميم الحياة السياسية وحرمان المعارضين من أي فرصة تنافسية؛ حتى أصبح هو مَن يختار معارضيه ويُقصي المنافسين الحقيقيين؛ وهو الأسلوب المعروف عنه منذ زمنٍ بعيدٍ رغبةً منه في احتكار الحياة العامة.
ويؤكد أن المجتمع يعاني انتكاسةً بسبب تراجع العمل المدني الذي يؤدي دورًا مهمًّا في الدفاع عن الحريات والاهتمام بقضايا المهمَّشين.
وحول دخول رجال الأعمال إلى حلبة السياسة كان الراحل العظيم يرى أن رجال الأعمال أرادوا بدخول الحلبة السياسية تدعيم نفوذهم الاقتصادي، سواءٌ من خلال عضوية البرلمان أو الصعود داخل الحزب الحاكم حتى الوصول إلى كرسيِّ الوزارة.
ويضيف الراحل أن مصالح رجال الأعمال في هذا الصدد تلاقت مع مصالح الدولة التي لم تجد موارد للإنفاق بعد بيع القطاع العام، خاصةً أن محصّلات السياحة وقناة السويس والضرائب تكفي بالكاد مرتبات الموظفين وحوافزهم؛ لذا تعتمد السلطة التنفيذية على مساعدة رجال الأعمال في تمويل أنشطتها.
رحم الله الفقيد.. ورحم الله مصر من بعده، ويسَّر لها أمرها مع أرباب الفساد والاستبداد، وإن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولكن لا نقول إلا ما يُرضي ربنا عز وجل.. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: من الآية 156).