![]() |
|
محمد رجب سالم |
فأما الجريمة الأولى، فقد وقعت أثناء زيارته للأردن- أولى محطات جولته فيما يُسمَّى ببلدان الشرق الأوسط- لقد قال في جمعٍ من العمائم الإسلامية: "إن على أتباع الأديان أن يُخرجوا عقائدهم من نطاق تعاملاتهم السياسة؛ لأنها وراء الخلافات التي تنشب بينهم".
قلتُ في نفسي: يا لها من نصيحةٍ خبيثة، ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب؛ لأنها موجهة للمسلمين وحدهم، ودون غيرهم، باعتبارهم ضحية مستكينة، ولقمة سائغة بين أنياب أعدائهم، ولم يقلها الرجل لـ"إسرائيل" التي أسست كيانها الغاصب على أسسٍ من نصوص توراتية محرفة، وهي- أي "إسرائيل"- لا تعرف فصلاً بين السياسة والدين، بل وتعتدي صباحَ مساءَ على الإخوة في فلسطين باسم التوراة، وتسفك دماءهم باسم التوراة، وتهدم بيوتهم باسم التوراة.
إذًا هذه النصيحة البابوية الغالية ليست موجهةً لليهود الصهاينة، كما أنها ليست موجهةً لحكومات الدول المسيحية التي توالي الكيان الصهيوني، وعلى رأسها: الولايات المتحدة الأمريكية، ودول الاتحاد الأوروبي؛ لأنهم هم الآخرون يُسخِّرون دينهم لخدمة أطماعهم في السيطرة على العالم، واغتصاب ثروات ومقدرات المستضعفين، وخاصةً المسلمين، ولدي البرهان الساطع، والدليل القاطع على ذلك؛ إنها شهادة شاهد من أهلها.. إنه الكاتب الألماني الشهير "كارلهاينتس دشنر"، الذي أصدر مؤخرًا كتابًا تحت عنوان "المولوخ- أي إله الأشرار أو الخبثاء"، ويقصد به الولايات المتحدة الأمريكية، وقال فيه ما نصه: "يرى ساسة أمريكا أن توسعها يستهدي بقوةٍ عليا اصطفته ليكون نموذجًا لكل الأمم".
ويضرب المؤلف أمثلةً على ذلك بذكر أقوال وتصريحات لرؤساء حكموا أمريكا، تُبرهن- بما لا يدع مجالاً للشك- على تسخيرهم المسيحية لخدمة السياسة، ومن ذلك:
أ- قول الرئيس "هاري ترومان- قاذف القنابل الذرية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين سنة 1945م: "إن الدور لقوة الخير هو الدور الذي عهد به إلينا الرب العلي القدير".
ب- قول الرئيس "ودرو ولسن": "إن العناية الإلهية قد خصت الولايات المتحدة لتكون أمةً مثاليةً وحيدةً على وجه الأرض، وأنعمت علينا بامتيازٍ لإنقاذ البشرية".
جـ- قول الرئيس "ليندون جونسون": "لا ينبغي أبدًا أن نرسم خطًّا فاصلاً بين القوة التي نملكها والرب الذي يستقر في الأعماق من قلوبنا".
د- قول الرئيس رونالد ريجان (كومبارس هوليود سابقًا): "إن الولايات المتحدة هي الأمل الذهبي للبشرية بأسرها؛ ذاك لأن الرب كان ينظر دائمًا إلينا ويقدمنا على أننا البلد الذي هو أرض الميعاد، والبلد الذي لم يكتب له قط أن يكون ثاني أفضل البلدان؛ لأن الأمريكيين أكثر تدينًا من البشر في البلدان الأخرى".
إذًا الحكومات المسيحية التي تمارس العدوان في العالم تحت شعار كاذب يُسمَّى "نشر المظلة الديمقراطية وتحرير الشعوب"- هذه الحكومات المعتدية باسم المسيحية خارج نطاق هذه النصيحة البابوية الثمينة؛ وإلا فأين كانت هذه النصائح عند العدوان على العراق وأفغانستان؟ ماذا يعني الرجل إذًا؟، ولماذا يخصُّ المسلمين بالذات بهذا الدرر الثمينة، وهذه النصائح النفيسة؟؟.
إنه بصريح العبارة، وبلا مواربة يخدم "إسرائيل" ويبارك صنيعها بتجريد الإسلام من محتواه، وتفريغه من مضمونه، فلا يكون كما ارتضاه الله لنا منهجًا متكاملاً للحياة يحكم شئون المسلمين السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومن ثَمَّ ينسحب هذا الدين الخاتم، والشامل الكامل من ساحات الصراع مع أعداء المسلمين، فتكون الغلبة للأعداء، ويجرد الإسلام من رسالته العالمية المنوطة به في دنيا الناس.
وأما جريمته الثانية، فكانت أثناء زيارته للكيان الصهيوني، حينما وقف يؤدي في خشوع صلاة أمام ما يسميه اليهود "حائط المبكى"، واسمه الحقيقي: حائط البراق، وهو يحيط بالمسجد الأقصى من الناحية الغربية، وله عند المسلمين قداسته؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- ربط عنده البراق ليلة الإسراء والمعراج، وأما اليهود فيعتقدون- زورًا وبهتانًا- أنه من بقايا هيكل سليمان عليه السلام الذي لم يُعثر له على أثرٍ حتى الآن.
ماذا تعني صلاة بابا الفاتيكان في هذا المكان؟!
إنها تعني بوضوح- لا لبس فيه- أن الرجل يؤيد مزاعم اليهود، وسعيهم الحثيث لتهويد القدس، وإقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى المبارك.
أليس في هذا قمة التحدي لمشاعر المسلمين في العالم، بل وإعلان للعداء السافر لهم، ومباركة لصنيع اليهود الشائن، وعدوانهم الدائم؟!
امتلكني التعجب، وسيطرت عليَّ الدهشة من هذا الصنيع الباباوي، ولكن تعجبي بدأ يزول، ودهشتي أخذت تتبدُّد، حينما ذكرتُ أمرين خطيرين:
الأول: تصريحات هذا البابا عقب جلوسه على كرسي البابوية؛ لقد كانت تصريحات ناضحة بالحقد على الإسلام العظيم ورسوله الكريم وكتابه المبين، فقد قلب الحقائق رأسًا على عقب، وانطبق عليه المثل العربي القائل: "سكت دهرًا، ونطق كفرًا"، والمثل القائل: "رمتني بدائها وانسلتِ".
والمسيحية الحقة براء مما قال الرجل براءة الذئب من دم يوسف بن يعقوب عليهما السلام.
الثاني: وهو الأخطر والأهم، أن هذا الغزل الصليبي الصهيوني القائم الآن هو حلقة في سلسلة التفاهم والتقارب بين الفريقين، والذي بدا جليًّا منذ مؤتمر مسكوني، وما أدراكم ما مؤتمر مسكوني أيها المسلمون؟.
سأقص عليكم نبأه، فاسمعوا وعوا:
هذا المؤتمر المسمى بالمؤتمر المسكوني، أو المجمع المسكوني دعت إليه الفاتيكان في النصف الثاني من القرن الماضي، بعد انتهاء النازية وانكسارها في الحرب العالمية الثانية على يد الحلفاء.
لقد كان الهدف الرئيسي لذلك المؤتمر؛ هو عقد مصالحة تاريخية موثقة بين المسيحيين واليهود، لتوحيد كلمتهم في مواجهة عدو واحد مشترك هو الإسلام والمسلمون.
ولما كان بالمثال يتضح المقال، فإنني أسجل هنا بعض نصوص الوثيقة، التي تمخض عنها ذلك المؤتمر الخبيث الغاية، الماكر الهدف.
جاء في صدر الوثيقة:
"إن الكنيسة- ذلك المخلوق الجديد في المسيح وشعب العهد الجديد- لا يمكن أن تنسى أنها استمرار لذلك الشعب الذي تفضَّل الله عليه برحمته الواسعة في يومٍ من الأيام بتحقيق عهده القديم موكلاً إليه الوحي المذكور في كتب العهد القديم".
ثم جاء فيها بعد ذلك بقليل:
"ولا تنسى الكنيسة أن المسيح وُلد- من ناحية الجسد- في الشعب اليهودي، وأن أم المسيح، مريم العذراء، والحواريين، وهم أساس ودعامة الكنيسة قد ولدوا أيضًا في الشعب اليهودي، وتضع الكنيسة نصب أعينها ما قاله بولس الرسول في شأن اليهود، الذين هم "إسرائيليون"، ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد".
ثم تمضي الوثيقة فتقول:
"من الواجب أن نذكر أن اتحاد الشعب اليهودي مع الكنيسة هو جزءٌ من الأمل المسيحي، والواقع أن الكنيسة حسب تعاليم بولس الرسول تفتح بعقيدة متينة ورغبة أكيدة في وجود ذلك الشعب باب الدخول في سلطان شعب الله، كما وطَّده المسيح".
وأخيرًا.. تنصح الوثيقة بأمر خطير نصه:
"عند تلقين الدين المسيحي يجب عدم إظهار الشعب اليهودي كأنه ملعون".
أرأيت أخي القارئ كيف أقضى الغزل بين الصليبية الدولية، والصهيونية العالمية إلى هذا العشق والهيام، وهذا التناغم والوئام، وكل ذلك على حساب عدوهم المشترك من المسلمين... دينًا وحضارةً، وحاضرًا ومستقبلاً.
ولا يخفى على ذوي الألباب كيف تجاهل المؤتمرون في ذلك المؤتمر الصهيوصليبي- الحقوق المهضومة للشعب الفلسطيني، كما أصموا آذانهم عن صراخ المظلومين، وأنات المعذبين، وهذا ليس بعجيب، ولا غريب على قوم طرحوا الحياء، وتنكروا لرسالات السماء، وأبوا إلا أن يناصبوا المسلمين العداء، فهل آن الأوان لمعرفة الحقائق، ودراسة الوثائق، ولنأخذ من ديننا الدواء، لنعالج الداء، وحتى نكون أهلاً لنصرة رب الأرض والسماء.. أرجو ذلك قبل فوات الأوان، وقبل أن تنماع أمتنا كما ينماع الملح في الماء.
------------
* داعية وكاتب إسلامي
