ما أكثر المآسي التي يمر بها المسلمون في كل أنحاء العالم؛ الأكثرية منهم والأقلية، سواء في هذه الهموم، منذ أن انفرط عقد هذه البلاد، وتحللت العلاقات والروابط بينهم التي كانت تتمثل في توحدها وتناصرها، وقوة الأخوة، ورابطة العقيدة فيها، وعمق الروح الإيمانية التي يحرص الإسلام على زيادتها وتنميتها في نفوس المسلمين جميعًا، وجدير بالذكر أن هذا الانفراط لم يكن وليد القضاء المبرم على وحدة المسلمين المتمثل في الخلافة الإسلامية المتمثلة في نهاية حكم آل عثمان في تركيا عام 1924م، بل كانت هذه الوحدة مستهدفة من قِبل التجمع الصليبي العالمي، منذ أن خرج المسلمون من الأندلس، منذ ذلك الوقت التفَّ هذا المعسكر الصليبي على كل بلاد المسلمين في شكل طوقٍ عسكري رهيب، وعزل هذه البلاد بعضها عن بعض، واختُرع موضوع الحدود والفواصل بينها، بعدما كانت وحدة واحدة ينتقل بينها المواطن المسلم دون تأشيرات أو جوازات سفر أو خلافه، وصولاً إلى معنى غريب عن المسلمين، وهو تقطيع أواصر القربى وروابط الأخوة بينهم، وعزل المشاعر والحب؛ فيصبح بعد ذلك من السهل الانفراد بكل إقليم على حدة، ومحاولة سحق الهوية وطمس الشخصية الإٍسلامية المتميزة.
إذ كانت عوامل تجزيء وتقسيم العالم الإسلامي هدفًا لكل الخصوم والأعداء، ومن هنا نقول لأولئك السماسرة من العلمانيين واليساريين في بلاد المسلمين، وعلى رأسهم الدكتور (سيد القمني)، وأمثاله كثيرون، نقول لهم: إن الكيان الدولي الذي تمَّ ضربه في بداية القرن العشرين، والذي يحاول المخلصون من أبناء الحركة الإسلامية الوسطية الجادة الدعوة والعمل على إعادته بالشكل الذي يناسب التطورات والمستجدات الدولية على الساحة، كأن يكون في شكل اتحاد كونفيدرالي على نمط الاتحاد الأوروبي، أو اتحاد الولايات الأمريكية، أو غير ذلك من الصيغ التي من شأنها إيجاد كيان دولي قوي مؤسس على وحدة مصالح المسلمين، وحماية كيانهم العقيدي والديني، واستعصاء سحقهم وتذويبهم في الكيانات الأخرى المعادية.
مأساة المسلمين في الصين
أعادت الحملة الصينية الوحشية الجديدة ضد أبناء تركستان الشرقية من "الإيجور"، أو ما أطلقت عليه الحكومة الصينية الشيوعية إقليم "سينكيانج" أي الإقليم الجديد، عقب احتلالها له بالقوة، وضمه إليها في العام 1949م أعادت إلى ذاكرة المسلمين تفاصيل هذه المأساة الإسلامية الممتدة من ستين عامًا، دون مناصرة أو حتى صوت يرفع لافتة حقوق الإنسان التي يتشدَّق بها الغرب؛ ولكن سرعان ما تتلاشى هذه اللافتة لتصبح أثرًا بعد عين، عندما يكون المنتهك حقوقه مسلمًا، هنالك يصمت المجتمع الدولي، وتسكت لجان حقوق الإنسان، وتتغابى اللجنة الدينية في "الكونجرس" الأمريكي التي تقيم الدنيا ولا تقعدها عندما تتعرَّض الأقليات الدينية وخاصة "أقباط" مصر، أو "البهائية"، أو ما يتخيلونه "النوبيين" عندما يتعرَّض أحد من هؤلاء لأي أذى محدود مفتعل أو متوهم، والمأساة هنا ألاّ نجد هذه الهيئات العالمية تلقى بالاً واهتمامًا بنفس القدر، وعلى نفس المستوى بالمآسي التي تحيق بالأقليات الإسلامية والدماء الغزيرة التي تسيل هناك ظلمًا وعدوانًا.
وللعلم.. فإن الأقلية المسلمة في الصين تمثل 120 مليون مسلم، كما أن الهند بها أكثر من 200 مليون مسلم، فهي إذن كيانات كبيرة لا يستهان بها.
ماذا يحدث لشعب "الإيجور" المسلم؟!
وصل الإسلام إلى تركستان الشرقية المتاخمة للصين مبكرًا على يد "قتيبة بن مسلم الباهلي" عام 29هـ- 651م، في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وعاصمة هذه البلاد الآن مدينة "أورومتشي"، ويَزخر الإقليم بثروات طبيعية هائلة؛ منها الفحم والبترول والذهب، وأكثر من (118) نوعًا من المعادن، وأغنى حقول البترول في الصين كلها من هذه البلاد، كما أن بها أجود الأراضي الزراعية.
ومنذ الثورة الثقافية التي قادها "ماوتسي تونج" والحزب الشيوعي الصيني الأحمر، يتعرض المسلمون "الإيجور" إلى نوع بشع من التصفية، تستهدف إبعادهم عن دينهم، وقطع صلتهم بمصادرهم الثقافية، وتجفيف منابع إنماء الشعور الديني والعقيدي عندهم.
وتحدثنا الأخبار المؤلمة في الأيام الأخيرة أن أعمال الشغب قد قُتِل فيها 156 شخصًا، وأُصيب أكثر من 800 بجروح، كما تمَّ اعتقال 1434 شخصًا بشكل عشوائي بتهم تورطهم في الأحداث الأخيرة، كما أن الأخبار الموثقة بالصور قد أثبتت اجتياح "الهان" الصينيين لمناطق المسلمين في "أورومتشي" مسلحين بالبلط والسنج والشوم والأسلحة البيضاء، ولا يتركون الضحايا من المسلمين إلا جثثًا هامدة، تحت سمع وبصر قوات الجيش الصيني.
ولقد قامت الصين بحملة إعلامية لتبرير أفعالها، ونجحت في إيصال رسالة مزورة إلى العالم الإسلامي؛ مفادها: أن "الإيجور" مغالون في تأييدهم للغرب، وأنهم عنصريون وليسوا مسلمين حقيقيين، كما سوَّقت للعالم الغربي كذبة؛ مفادها: أن مسلمي "الإيجور" متطرفون، ولديهم صلات بتنظيم القاعدة، وهذا ما يؤكده باحث من منظمة (هيومان رايتس)، وهو (تيلم كيم) "لقد قامت الحكومة الصينية بتكثيف ادعاءاتها بربط الإيجور بالجماعات الإرهابية، بعد أحداث سبتمبر للاستفادة من المزاج العالمي المناهض للمسلمين في تصفية خلافاتها الداخلية".
وهل يختلف هذا الأسلوب عما تعامل به الصحوة الإسلامية والتيار الإسلامي الوسطي في أغلب بلاد المسلمين، إذ تقوم الحكومات الديكتاتورية المستبدة المستأثرة بالسلطة والمال والقوة الغاشمة، بحجب هذه التيارات عن العمل السياسي الشرعي، وكيل التهم جزافًا لها، ووصمها بالمحظورة أحيانًا وبالإرهابية الوهابية أحيانًا أخرى؛ إرضاءً للمزاج الصهيو أمريكي؟!!.
مظاهر الاضطهاد الصيني للمسلمين:
1- تنفيذ سياسة طفل واحد لكل أسرة في إقليم الإيجور المسلم، ويتم ذلك بحزم دون غيرهم من أقاليم الصين، وذلك لتحديد أعدادهم، وعدم زيادتهم باضطراد وبقصد تغيير التوزيع السكاني، وصار "الهان"- وهم الصينيون الأصليون المزاحمون للإيجور المسلمين في بلادهم- يسيطرون على المجالات الاقتصادية والسياسية من خلال خطط مدروسة؛ مثل إلغاء لغة الإيجور، وتوفير الخدمات المتميزة والوظائف لمجتمع "الهان" الذين يتزايدون يومًا بعد يوم، وفي مقابل ذلك يُمنع الإيجور من العمل في الشركات الصينية، وخاصة من اكتشاف آبار البترول، وهي موجودة بغزارة في المنطقة، إذَنْ تضافر تحديد نسل المسلمين، مع تهجير "الهان" الصينيين لمزاحمة المسلمين في بلادهم الأصلية، وتقليل أعدادهم وصولاً إلى التخلص منهم على مراحل.
2- إجراء التجارب النووية؛ إذ تجري الصين في منطقة "لوب" منذ عام 1964م تجارب نووية هناك، وأدى ذلك إلى انتشار حالات السرطان والإجهاض وتشوه المواليد، وحاولت الصين إخفاء هذه التجارب إلا أن المنظمات الدولية أكدت نتائجها المدمرة على السكان والبيئة، بل أثرت هذه التجارب على البلاد المجاورة.
3- حرب المخدرات وإفساد الشباب، وقد تمَّ ترويج المخدرات والكحول، ففي مدينة "قراماي" مثلاً يُوزع الخمر مجانًا على المسلمين، ويذكر باحث مثل "جوستن رودلسون" أنه في مدينة إيلي عندما حاول الطلاب المسلمون توعية الشباب المسلم بمخاطر الكحول وضرره على الإنسان، مطالبين محال الخمور بالتوقف عن البيع، قامت السلطات الصينية بقمع حملتهم بالقوة، وتمَّ اعتقال هؤلاء الشباب، ولا تكاد تطبق العقوبة على مروجي المخدرات في بلاد المسلمين، كما تطبق بحزم في غيرها من المناطق.
وقد صاحب ترويج المخدرات والكحول في هذه البلاد المنكوبة انتشار مرض "الإيدز"، ولم يكن ذلك قبل عام 1994م، وتصل نسبة الإصابة بهذا المرض (نقص المناعة) 3 من كل 200 مواطن مسلم.
وهل بعد ذلك إبادة لهذا الشعب المسلم، وهل يظل ذلك شأنًا داخليًّا للصين، ويظل المسلمون في كل مكان في حالة لا مبالاة لما يحدث لإخوانهم في العقيدة والدين؟!.
4- محاربة المصحف:
في أغسطس 2005م تمَّ اعتقال المعلمة "أمينان" (56 سنة) و37 من طلابها؛ بسبب دراستهم للقرآن الكريم، والتهمة هي: (حيازة 23 نسخةً من القرآن، و56 كراسةً تتضمن شروحًا وبعض المواد المتعلقة بالدراسات الدينية، وتمت مصادرتها جميعًا)، وما زال هذا التوحش قائمًا، كما يحكي ذلك الأستاذ فهمي هويدي كشاهد عيان.
5- اقتلاع حلم دولة للمسلمين هناك:
ولم تكن التركستان الشرقية تابعةً للصين قبل الحرب العالمية الثانية، بل كانت دولة مستقلة يحكمها مسلمون، صحيح أن مناوشاتٍ كانت تحدث على فترات متقطعة من تاريخ الصراع، غير أنها لم تسقط بين مخالب الحكم الشيوعي الأحمر إلا عام 1940م، ومنذ ذلك بدأت عوامل الهدم والتفكيك للهوية الإسلامية لهذا الشعب العظيم.
فهل يستيقظ المسلمون، ويفيق العرب، ويمارسون ضغطًا على الصين لرفع يد الظلم والقهر عن إخواننا هناك؟!
وهل يتم التلويح بطريقة أو بأخرى بالإضرار بمصالح الصين الاقتصادية والتجارية في كل العالم الإسلامي؟!
نرجو ذلك، ونلحُّ في الطلب.