- د. أكرم الشاعر: المشروع صوري والغرض منه الفرقعة الإعلامية
- د. أنور رسلان: فصل الاختصاصات بين الهيئات أمرٌ لا بد منه
- د. سعاد الديب: الصراعات بدأت للاستحواذ على الكعكة الجديدة
- رئيس غرفة الاستيراد: المشكلة ليست في سَنِّ قوانين جديدة
تحقيق- إيمان إسماعيل:
أثارت تصريحات عدد من المسئولين الحكوميين بأن حجم تجارة السلع الغذائية في مصر غير الخاضعة لرقابة الدولة بلغ 160 مليار جنيه من إجمالي من 200 مليار من حجم التجارة الكلية للسلع، وإنفاق الدولة ٢٤ مليون دولار سنويًّا؛ أي 19% من موازنتها، على أمراض ذات علاقة بالطعام؛ انتقاد العديد من الخبراء والمهتمِّين بصحة المصريين، مؤكدين أن ذلك يُثبت عدم وجود نظام لتتبُّع المنتجات المخالفة وسحبها من الأسواق عند الضرورة، وعدم وجود نظام لتقييم المخاطر، وغياب وجود إدارة الطوارئ على أسس علمية؛ حتى لا يصبح الغذاء المتناول مصدرًا للإصابة بالأمراض الخطيرة.
ومع توحُّش مستوردي الغذاء ومصنِّعيه كشف مسحٌ أجرته وزارة الصحة مؤخرًا أن تلوث الغذاء في مصر يؤدي إلى انتشار العدوى بفيروس التهاب الكبد الوبائي (أ) والفشل الكلوي والكبدي، وزيادة عدد الأطفال المصابين بأورام سرطانية، مشيرًا إلى أن نسبة الأطفال الذين يعانون التقزُّم تصل إلى ٢٩% و١٤% يعانون قصرَ قامةٍ حادًّا، ويظهر التقزم بوضوح بين الأطفال أقل من ستة أشهر، ويزداد بسرعة مع العمر؛ الأمر الذي يعمِّق ضرورة الاهتمام بسلامة الأغذية المتداولة وأمانها.
وفي ظل استمرار الأزمة تعالت المطالبات بضرورة إجراء ضغط على الحكومة، لإحالة مشروع قانون يتعلق بإنشاء هيئة لسلامة الغذاء إلى مجلسَي الشورى والشعب، معتبرةً أن هناك خطورةً حقيقيةً تتهدَّد المواطنين مع امتلاء الأسواق بعدد من المواد الغذائية التي تُصنع في مصانع وُصفت بـ"بير السلم".
وفي الجهة المقابلة يؤكد خبراء ومتخصصون أن هناك نحو 120 تشريعًا ما بين قوانين وقرارات وزارية وحتى مراسيم ملكية تحكم منظومة الغذاء في مصر، فضلاً عن سبع وزارات و15 جهة رقابية مسئولة عن ملف الأغذية لم تستطِع الوقوف أمام تلك الحالة الغذائية والصحيَّة المتدهورة؛ حيث يرون أن تفعيل تلك القرارات هو الحل.
(إخوان أون لاين) استطلع آراء الخبراء والمتخصِّصين في مجال الغذاء؛ حول ضرورة إنشاء جهاز لسلامة الغذاء.. وهل وجود جهاز خاص بالغذاء سيدفع بالأمر نحو التحسن؟ وإذا كان هذا الجهاز مهتمًّا فما دوره تجاه الأغذية المستوردة؟ وإذا كانت هناك بالفعل تشريعات وقوانين وأجهزة بالدولة تنظم الأمن الغذائي في مصر فما جدوى مشروع القانون المتعثر على أرفف مجلس الشعب والخاص بإنشاء جهاز لسلامة الغذاء؟ ولماذا لم يخرج المشروع إلى النور حتى الآن؟
بدايةً تؤكد الدكتورة سعاد الديب "رئيسة الجمعية الإعلامية لحماية المستهلك" أن الأجهزة الرقابية على الغذاء متعددة، منها الرقابة الصحية ورقابة مفتشي التموين ومباحث التموين ووزارة الزراعة والثروة الحيوانية؛ مشيرةً إلى أن هذه الجهات المختلفة لا يوجد تنسيق فيما بينها، ولا توجد اختصاصات واضحة لكل منها؛ الأمر الذي يؤدي عادةً إلى غياب المسئولية وتقاذف التهم فيما بينها عند حدوث كارثة أو أزمة ما، وفي الوسط يضيع حق المستهلك لعدم وجود متهم واضح تتم محاسبته.
وأضافت أن سبب تأخر إنشاء جهاز سلامة الغذاء ناتج من وجود صراعات بين الجهات المسئولة عن الغذاء حول صلاحيات كل جهاز، مشدِّدةً على ضرورة أن يكون جهاز سلامة الغذاء تابعًا مباشرةً لرئيس الجمهورية؛ بحيث تكون له استقلاليته وحياديته في التعامل مع الأزمة الغذائية، بعيدًا عن السيطرة الحكومية التي تشوبها حالات فساد وغش في كثير من الأوقات.
وتوضح د. سعاد أن جهاز سلامة الغذاء المزمع إنشاؤه برئاسة الدكتور حسين منصور، إذا تمَّ تشكيله وإجازته لن يكون له أي فاعلية؛ "لأنه ببساطة لن تتوافر له آليات حقيقية لتفعيل دوره، وسيظل كلامًا على الورق فقط"، مشددةً على ضرورة ألا يعلِّق المصريون آمالهم عليه؛ لأن وجوده من عدمه لن يفرق كثيرًا سوى مبنى سيشغل مساحةً على الأرض، عليها لافتة "جهاز سلامة الغذاء"، قائلةً: "تعددت الأجهزة والموت واحد".
تداخل الاختصاصات
![]() |
|
د. أنور رسلان |
ويختلف معها الدكتور أنور رسلان "رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك"، مؤكدًا أننا الـ80 مليون مصري في حاجة ماسَّة إلى جهاز مثل جهاز سلامة الغذاء، إذا كان سيقوم بدوره على الوجه المطلوب منه، وخاصةً في بنوده المسئولة عن مراقبة جودة الأغذية ومنافذ البيع.
مؤكدًا ضرورة عدم التداخل بين الهيئات واختصاصاتها كما هو واقع الآن، وكذلك ضرورة أن تلتزم كل جهة باختصاصاتها كاملة؛ بحيث تستطيع الأجهزة التنفيذية والتشريعية معاقبة المخالفين والمقصرين، وهو ما يجب أن يقوم به المشرِّعون لفصل الاختصاصات لضبط العملية الإدارية.
ويضيف أن دور المستهلك في تنفيذ سياسات سلامة الغذاء وإن كانت نسبتُه أقلَّ بكثير من الدور الذي تمارسه الهيئات الرسمية كوزارة التجارة والصناعة ودورها في الرقابة على المصانع ومدى أدائها ومطابقتها للمواصفات، ومباحث التموين ودورها في الضبط الإداري؛ إلا أنه دور مهمٌّ وحيويٌّ، كما شدَّد على ضرورة ارتفاع الوعي بالسلامة الغذائية وهو الدور الذي يجب أن تقوم به وسائل الإعلام ووزارة الصحة.
فكرة مشوَّشة
د. أكرم الشاعر

ومن جانبه يؤكد أكرم الشاعر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن بنود الزراعة في جهاز سلامة الغذاء غير واضحة حتى الآن، رغم أن الزراعة هي أولى مراحل الغذاء؛ والتي لو صلحت وسلمت فنكون وقتها قد اجتزنا المحطة الأولى في أزمة سلامة الغذاء.
ويستنكر النائب "الغمامية" التي اتسمت بها بنود جهاز سلامة الغذاء في مراعاة سلامة وصلاحية ماء الري، ومدى نظافة وصلاحية الماء المستخدَم في الغذاء، والأدوات المستخدَمة في العملية الزراعية ومكافحة المبيدات الضارَّة، مرورًا بتجميع وتخزين وتغليف الغذاء بشكل صحي، مؤكدًا أن غياب وعدم وضوح تلك البنود يؤكد أن ذلك الجهاز صوريٌّ وفرقعةٌ إعلاميةٌ فقط، ولن يحل أيًّا من مشكلات فساد الأغذية التي نعاني منها.
ويضيف أن هناك ما يسمى بـ"مافيا استيراد الغذاء"، وهو ما ترجمته شحنات القمح الفاسدة التي كشفتها أجهزة الضبط الرقابي، وشحنة التفاح المحتوي على نسبة مبيدات تفوق المسموح والتي احتجزتها إدارة الحجر الزراعي، وأخيرًا الخبز المخلوط بالرصاص بالأقصر، مشيرًا إلى أن الإشكالية أصبحت في مصر الآن هي تزاوُج رأس المال مع السلطة، وتمسُّح رجال الأعمال بالكراسي، وهو الأمر الذي أفسد السياسة والاقتصاد والسلامة المجتمعية، وأخيرًا الغذاء!.
ويؤكد النائب أن الأجهزة الرقابية بعددها وكثرتها التي تفوق 7 وزارات و5 هيئات متنوعة؛ تستطيع أن تعمل بفاعلية وشفافية، ولكن إذا كانت هناك إرادة من الحكومة في دعمها، بغض النظر عن المصالح وموازين القوى الاقتصادية، مستبعدًا أن يقوم الجهاز بأي دور فعال في ظل الفساد المستشري في أواصر المجتمع المصري، مشيرًا إلى أن هناك كمًّا من الفساد كشفته عشرات الاستجوابات وطلبات الإحاطة بمجلس الشعب، ولكن "لا حياة لمن تنادي".
ويتساءل النائب: هل تضمَّن القانون المنظِّم لعمل جهاز سلامة الغذاء أي خطوط واضحة عن كيفية متابعة مستوردي ومصنِّعي الغذاء، وطرق متابعة أداء المراقبين؟! مشيرًا إلى أن أي جهاز لا بد أن يحتوي على عدد من القواعد والقوانين التي يجب أن يعاد النظر فيها بدقة؛ حتى لا تتحوَّل كأغلب الهيئات والأجهزة الموجودة إلى كيانات ميتة "إكلينيكيًّا".
ويشير إلى أن الجهاز ليس شكلاً ومبنى ومسئولاً واسمًا، وإنما الجهاز أداءٌ وفعالياتٌ ومحاكاةٌ للواقع، موضحًا أن الشعب المصري أكل العديد من الأغذية السامة والمسرطنة ولم يتحرك أي جهاز تحركًا حقيقيًّا سوى بتصريحات وأحاديث إعلامية برَّاقة.
آليات حقيقية
ويتفق معه الدكتور أشرف عبد العزيز استشاري التغذية بجامعة حلوان، مشدِّدًا أنه بدون وجود آليات حقيقية ومفعَّلة فلن يكون للجهاز أي جدوى، مؤكدًا ضرورة أن يحتوي الجهاز على فريق عمل مدرَّب تدريبًا عاليًا، وله جدول زمني محدد ذو تقسيمات معينة؛ بحيث يغطي رقابيًّا جميع منافذ الأغذية ويأخذ عيِّناتٍ عشوائيةً منها للتأكد من سلامتها وخلوِّها من الأمراض، ويبسط سيطرته على المصادر الغذائية.
ويشدِّد استشاري التغذية على ضرورة قيام فريق جهاز سلامة الغذاء بقياس نسبة مواد (النترات والنتريك) في الأطعمة، خاصةً اللحوم المصنعة "اللانشون والبسطرمة"، محذِّرًا من أن أيّ نسبة من تلك المواد لو زادت في الأغذية واحدًا في المليون فسوف تؤدي إلى سرطانات مميتة، وهو ما يقوم به عدد شركات التغذية بزيادة نسبة هذه المواد؛ حيث تعمل على زيادرة معدلات حفظها لفترة أطول، وهو ما يعرِّض صحة المواطن البسيط للخطر.
ويتساءل عن دور الحكومة والأجهزة التنفيذية في السيطرة على سوق الغذاء المحلي والمستورد، وما هي خططه لحماية المواطنين من الغش والفساد الذممي؛ لحين إنشاء جهاز سلامة الغذاء الذي لا تزال كثير من موادِّه غير مكتملة، وفي الأزمة الوبائية التي تعيشها مصر؟!
ويضيف خالد حمزة رئيس لجنة الاستيراد بالغرف التجارية أن المشكلة تكمن أيضًا في جهاز الرقابة على الواردات والصادرات؛ حيث لا تطبق القوانين الموجودة بالفعل، وأن هناك تربيطاتٍ ومصالح بين عدد من المستوردين وقيادات تنفيذية يكون ضحيتها المستهلك الضعيف.
واتفق مع سابقيه بأن المشكلة ليست في سَنِّ قوانين جديدة أو إنشاء أجهزة جديدة، مؤكدًا أن وجود جهاز سلامة للغذاء سيكون مختصًّا بحركة تداول الأغذية داخليًّا فقط، ووجود هيئة كالرقابة على الصادرات والواردات في حال تنفيذ القرارات السابقة "بضمير"، تكفي في ضبط العملية الغذائية.
