"لم يُغادر!".. سيطرت هذه الجملة القصيرة على عقلي، وأنا أستعد للإسهام في التوقف أمام عبد الوهاب المسيري بعد عامٍ كامل من رحيله الذي كان في يوليو 2008م.

 

ولستُ أحب أن يرى فيها أحدٌ من القراء الكرام بقايا تقليدٍ رثائي فيستقبلها استقبالاً باردًا بسببٍ من مجازيتها الميتة، لا!.

 

لكنها في التصور الإسلامي حقيقة، وهي المعنى الذي أريد لها، وهي تحاول أن تنزل ضيفًا محتفى به في عقول المعاصرين ووجدانهم؛ ذلك أن مواريث النبوة استبقت لكل إنسانٍ بعد رحيل جسمه عناصر الخيرية التي ترقى بالعمران الإنساني، كما جاء في الحديث الصحيح "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، وولد صالح يدعو له، وعلمٌ ينتفع به".

 

وعبد الوهاب المسيري لم يغادر بسببٍ من الأعمدة الثلاثة؛ فرصيده من الصدقة الجارية لا أحسب أن ثمةَ رصيدًا يمكن أن يفي بحسابه بدءًا من هذه البسمة الودود التي كان يتصدقُ بها على كل مَن قابله، وجلس إليه، وانتهاءً بما يعرفه الناس في مادياتهم مما يُطلق عليه اسم الصدقة.

 

وعبد الوهاب المسيري لم يغادر بحسب الولد الصالح الذي يترجم عليه، وتذوب قلوبهم شوقًا وحنينًا إليه، ولا بد أن يتسع هنا مفهوم الولد الصالح ليتخطى حدود البنوة البيولوجية إلى البنوة غير البيولوجية؛ ذلك أن التصور الإسلامي يرى أن بنوة القلب والعقل لا تقل عن بنوةِ النسب، بل ربما وهو الكثير ترجح بنوة العقل والقلب في الميزان في أحيانٍ كثيرة.

 

وعبد الوهاب المسيري لم يغادر بشكلٍ ظاهر جدًّا بالنظر إلى العلم المتروك الذي يُنتفع به.
من أجل ذلك كله؛ قلت: إنه لا يصحُّ أن تُحمل هذه الجملة على محمل مجاملات الرثاء، ولا أن تُستقبل من بواباتِ الشعر والمجاز.

 

ومن أجل ذلك صحَّ في تصور عبد الرحمن يوسف (القرضاوي) وهو يخاطبه "مديحك عبء على المادحين"!.

 

التوحيد طريق إلى التخلص من الرؤية المعادية للإنسانية

عرفتُ الدكتور المسيري من نحو عقدٍ من الزمان قبل رحيله، وتطورت هذه المعرفة بسببٍ من لقاءاتٍ مطولة جدًّا، سمح بها في أحيان قليلة وقته، وتكررت هذه اللقاءات هاتفيًّا كلما تعذَّر اللقاءُ كفاحًا؛ أي وجهًا لوجه.

 

في إحدى هذه اللقاءات التي كان يشهدها عددٌ من الزملاء والأصدقاء؛ أخصُّ منهم الدكتورة/ ماجدة أنور لفضلها في استمرار التعارف، ودفعه بحكم علاقة القرب من الدكتور المسيري هي وزوجها الصديق الدكتور محمد هشام، ثم الدكتور سعيد شوقي زميلي وصديقي في هذا اللقاء الذي كان مسألته عن النقطة الجوهرية القادرة على تحقيق تواصل وطني، وعلى تحقيق فقه ناهض بمصر يُذيب فوارق الأفكار، ويؤلف بين الأطياف المختلفة، فقال (التوحيد)، وقد كان هذا المدخل رؤية جديدة من زاوية أن أحدًا لم يستثمر أدبيات العقيدة عند المسلمين؛ ليغذي أفكار الوفاق الوطني، ولتمهيد الأرض نحو نهضة مصر، وهو المبدأ الذي يحقِّق مع إخلاص العمل له الائتلاف الوطني بين القوى الوطنية المصرية على اختلاف توجهاتها، فالتوحيد أصل الأصول عند الإسلاميين المعتدلين، وهو محور مركزي في التصور العلماني الجزئي الذي يرى أصحابه أنهم مسلمون مستنيرون، وهو كذلك أصل في التصور النصراني.

 

وهذا المبدأ الذي يدفع التوحيد الإلهي؛ ليكون في الصدارة من قوائم تفسير الظاهرة الإنسانية، يحقق مجموعةً من المعاني الرحيمة؛ لأن الله رحيم ويحقق التواصل والحميمية؛ نظرًا لأن الله الواحد خلق ويرعى خلقه، ويحقق قدرًا من الخصوصيات للتيارات المتنوعة؛ لأن الله واحدٌ متعالٌ غير متحدٍ بخلقه، ومن المهم أن نترك المسيري يُعبِّر عن فكرته هذه بنفسه، يقول في كتابه المهم "اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود" (ص5): "تذهب الرؤية التوحيدية إلى أن الله رحيم مفارق منفصل عن هذا العالم، متصل به خلقه، ولكن لم يهجره، بل يرعاه ويمنحه الهدف والغاية والغرض، ومَن يؤمن بمثل هذه الرؤية؛ يؤمن أيضًا بوجود العدل في الأرض، وأن العالم له معنى وتحكمه قوانين وسنن".

 

هذا الصوت جديد في طريقة تقديمه لمعلومات العقيدة؛ بحيث تكون مرجعية موجهة لحركة تحرير مصر، تضمن تآلف الجميع بحسبان أن الله الأحد مركز في كل التصورات الوطنية المصرية، يوجه كل عمل تغييري تحريري.

 

ويذهب المسيري إلى ما هو أعمق من هذه النقطة التي قد تحمل على أنها نقطة معزولة غير مقدورٍ على تطبيقها واقعيًّا؛ ليقرر (ص7) أن "فصل النشاطات الإنسانية عن المعايير الأخلاقية والإنسانية يؤدي إلى ضمور المرجعية الإنسانية ثم اختفائها".

 

إن القول باستبعاد الله وفق هذا التصور الإلهي رؤية معادية للإنسان، هذا موجز يلخص عبقرية المداخل إلى التغيير.

 

كان ذلك، ثم تطورتُ بالسؤال، وقلت: هل ترى فصيلاً يمكن أن يكون الأقرب لتحقيق هذا المفهوم على أرض الواقع، فقال: نعم، بابتسامةٍ وبتصريح: نعم عند الإخوان، وهناك ما زال سعيد شوقي حيًّا، فمال علي، وقال: "خليت الرجل إخوان"، وضحكنا.

 

مَن سرق المسيري؟!

وهنا أحب أن أقررَ أن كل دعاوى تصنيف المسيري خاطئة ومحاولة ساذجة لسرقة الكنز، فليس المسيري ملحدًا يمكن أن يقوي اللادينيون منحاهم بهذه السرقة لهذا الرمز، وليس الرجل ماركسيًّا قد تطوَّر بالماركسية من داخلها، ولو باختراع فقهٍ للتغيير.

 

كان المسيري موحِّدًا مسلمًا بالمفهوم الرباني والإنساني معًا، ومن ثَمَّ فهو أكبر وأصعب من أن يسرقه أحد؛ فهو مصري تجسَّدت فيه ملامح التوحيد الخالص بما انعقد عليه قلبه، وحكم تصوراته المعرفية للكون والعالم والظواهر من حوله، وبما حرَّكه ليفهم عن الله سبحانه هيمنته على الوجود حياةً وموتًا ورزقًا، وهو ما ترجمه في نزوله إلى الشارع ملتحمًا غير عابئ ببطش النظام الغبي؛ لأنه اطمأن إلى ركنِ الله الواحد المهيمن.

 

وكان المسيري مصريًّا طامحًا إلى الخلود، فجاهد مستبقيًا ما يضمن له الخلود، وهي الترجمة الإسلامية للمعنى المستقر المتسرب أجواء الحضارة المصرية القديمة، لقد طوَّر المسيري طقوس الخلود في الحضارة المصرية القديمة؛ لتتحول إلى صدقةٍ جاريةٍ، وولد صالح، وعلم ينتفع به.

 

هذان المدخلان كافيان لأن يردَّا على كل مَن يزعم انتسابًا إلى المسيري الرجل لا يمكن أن يسرقه أحدٌ ممن أشرنا إليهم.

 

المسيري وجماليات الولاء

والذي يقرءون كتاب المسيري (العالم من منظور غربي) يدهشهم ما سمَّاه (ص42) بفقه التحيز.

 

ولعل أيسر ترجمة لهذا المصطلح يمكن أن تنصرف إلى كلمة الولاء بكل عوالقها التراثية.

 

وإذا كان المسيري عند الذين يديمون التردد عليه رجلاً محبًّا منتميًا يدعو إلى تقدير الخصوصية الحضارية في سك المصطلحات وتوليدها من رحم المعجم العربي؛ فإن إيقاع مصطلح الولاء يحتلُّ مكانةً بارزةً في قراءة المنجز المعرفي للمسيري؛ ذلك أن الولاء الذي هو عين التحيز يفرض على دارسي الظواهر ومفسريها أن ينطلقوا من رؤية محكومة بما يلي:

 

* التعاطف والتودد.

* الإيمان.

* تقدير التساوي الإنساني.

* الإكرام والاحتفاء.

* التناصر.

 

فهذه الدلالات معانٍ أولية مرصونة لكلمة الولاء، ومن ثَمَّ فإن التحرك نحو تفسير الظاهرة أيًّا ما كانت هذه الظاهرة ينبغي أن تكون محكومةً بهذه الأطر السابقة.

 

إن السؤال الملح الذي يطرح نفسه في كل مرة نسترجع فيها أيام المسيري وأقرانه إنما يدور حول ما يصح أن يبقى من المسيري.

 

ولقد يصح أن نقرر أن المسيري صالح كله للبقاء صالح لأن يبقى منه هذا التقدير البديع للمرجعية المنطلقة من رحم التوحيد، ويصح أن يبقى فيه مطاردة بقايا رواسب الغزو والرؤية الغربية المعادية للإنسانية والله!.

 

ويصح أن يبقى من المسيري الأمل في إمكان العدل، وتحقيق الرحمة والخير، وتقدير المواهب الإنسانية، واغتيال التنميط الذي يفتك بالإنسان.

 

إن عبقرية المسيري ظاهرة في الدوران حول مركزية الوحدانية الرحيمة الداعية الموجهة المتعالية.

 

عاش المسيري ولن يغادر.

------------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية