الصبر: هو حبس النفس عن الجزع، يقال: صبر على الأمر: احتمله ولم يجزع، وحبس نفسه وضبطها.

 

يقول الشيخ محمد عبده رحمه الله: "الصبر هو تلقِّي المكروه بالاحتمال وكظم النفس عليه، مع الرويَّة في دفعه، ومقاومة ما يُحدثه من الجزع، فهو مركَّب من أمرين: دفع الجزع ومحاولة طرده، ثم مقاومة أثره حتى لا يغلب على النفس".

 

والصبر قوة في النفس تمكِّنها من: "احتمال الآلام والمكاره بغير تبرُّم يحملها على ترك الحق أو اجتراح الباطل".

 

وقال ابن الجوزي: إن الصابر على المصائب سمي صابرًا؛ "لأنه حبس نفسه عن الجزع".

 

والصبر يمكننا من النهوض بأعباء الفضائل الأخرى التي تتطلب احتمال المشاقِّ، فالثبات يوم الزحف يتطلَّب الصبر على الرباط، وبرُّ الوالدين يحتاج إلى الصبر على احتمال رعايتهما، وكفالة اليتيم تحتاج إلى الصبر على النهوض بمطالبه حتى يلي شئون نفسه، والحج والصيام، والتعليم والعمل، كلُّ ذلك يحتاج إلى الصبر كشرط للنجاح فيه.

 

وفي حالات الحرمان من المواهب الجسدية أو من الولد والمال؛ يكون الصبر هو الفضيلة التي يعتصم بها المسلم ضد مزالق السخط، والطريق الذي يصون دينه وهدوءه النفسي، وليس معنى هذا أن الصبر يوجب على المسلم الاستسلام.

 

إن المسلم إذا استطاع أن يعمل شيئًا لدفع البلاء، فالإسلام يوجب عليه ذلك: "كل بلاء يقدر الإنسان على دفعه لا يؤمر بالصبر عليه، وإنما يكون الصبر على ألم ليس إلى العبد إزالته".

 

وقد ذكر الله تعالى الصابرين بأوصاف، ذكر الصبر في القرآن الكريم في نيِّف وسبعين موضعًا، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر، وجعلها ثمرةً له، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ (السجدة: من الآية 24)، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ﴾ (الأعراف: من الآية 137)، وقال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: من الآية 96)، وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (القصص: من الآية 54)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: من الآية 10)، فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر!!.

 

وسُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلَى الناس على قدر دينهم، فمن ثخن دينه اشتدَّ بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه، وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة"، وقال صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح، تصرمها مرةً وتعدلها أخرى حتى يأتيه أجله، ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرةً واحدةً".

 

ولا يتحقق أجر وفضل الصبر بمجرد نزول البلاء، ولكن الحد الأدنى من الصبر المقبول هو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن النطق بما لا يرضي الله، وحبس القلب عن الاعتراض على قدر الله، وأعلى درجات الصبر هو الرضا المطلق، والاطمئنان الكامل بقدر الله، أما أن يتلقَّى العبد البلاء بالجزع والكفر والاعتراض على قضاء الله وقدره، ثم بعد ذلك يقول أنا صابر! فهذا ليس صبرًا يثيب الله عليه أهل البلاء.

 

فعن أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر فقال: "اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني فإنك لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجده عنده بوَّابين فقالت: لم أعرفك فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله تعالى: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة".

 

أقسام الصبر

الصبر فضيلة صعبة المنال؛ لأن الذين يثبتون على ما يشقُّ على النفس، ويتحمَّلون البأساء والضراء، لا يمكن أن يكونوا أفرادًا عاديِّين؛ إنهم ذوو قدرات روحية وطاقات خلقية متميزة، وإيمان بالله لا يتزعزع.

 

ولقد قسّم أبو الحسن الماوردي الصبر إلى ستة أقسام:

الأول: الصبر على امتثال ما أمر الله تعالى به، والانتهاء عمَّا نهى الله عنه؛ لأنه به تخلص الطاعة، وبها يصحُّ الدين، وتؤدَّى الفروض ويُستحق الثواب، كما قال في محكم الكتاب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: من الآية 10).

 

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد"، وليس لمن قل صبره على طاعة حظُّ من برٍّ ولا نصيبٌ من صلاح.

 

وهذا النوع من الصبر إنما يكون لفرط الجزع وشدَّة الخوف، فإن من خاف الله عز وجل صبر على طاعته، ومن جزع عقابه وقف عند أوامره.

 

الثاني: الصبر على ما تقتضيه أوقاته من رزية قد أجهده الحزن عليها، أو حادثة قد كدَّه الهمُّ بها، فإن الصبر عليها يعقبه الراحة، ويكسبه المثوبة عنها، فإن صبر طائعًا وإلا احتمل همّا لازمًا وصبر كارهًا آثمًا.

 

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يقول الله تعالى: "من لم يرضَ بقضائي ويصبر على بلائي فليختر ربًّا سواي"، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور.

 

الثالث: الصبر على ما فات إدراكه من رغبة مرجوَّة، وأعوز نيله من مسرَّة مأمولة؛ فإن الصبر عنها يعقب السلوَّ منها، والأسف بعد اليأس خرق، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أُعطي فشكر، ومُنِع فصبر، وظُلِم فغفر، وظَلم فاستغفر، فأولئك لهم الأمن وهم مهتدون".

 

وقال بعض الحكماء: اجعل ما طلبته من الدنيا فلم تنلْه مثل ما لا يخطر ببالك فلم تقله.

 

الرابع: الصبر فيما يخشى حدوثه من رهبة يخافها، أو يحذر حلوله من نكبة يخشاها فلا يتعجَّل همَّ ما لم يأتِ، فإن أكثر الهموم كاذبة، وإن الأغلب من الهم مدفوع، وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بالصبر يتوقع الفرج، ومن يدمن قرع باب يلج"، وقال الحسن البصري: لا تحملني على يومك همَّ غدك، فحسب كل يوم همُّه.

 

الخامس: الصبر فيما يتوقعه من رغبة يرجوها، وينتظر من نعمة يأملها، فإنه إن أدهشه التوقُّع لها، وأذهله التطلع إليها انسدَّت عليه سبل المطالب واستفزَّه تسويل المطامع، فكان أبعد لرجائه وأعظم لبلائه.

 

وإذا كان مع الرغبة وقورًا، وعند الطلب صبورًا؛ تجلَّت عنه عماية الدهش، وانجابت عنه حيرة الوله، فأبصر رشده وعرف قصده.

 

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصبر ضياء"، يعني أنه يكشف ظلم الحيرة ويوضح حقائق الأمور.

 

السادس: الصبر على ما نزل من مكروه، أو حلَّ من أمر مخوف، فبالصبر في هذا تنفتح وجوه الآراء، وتستدفع مكائد الأعداء، فإن من قلَّ صبره عزب رأيه، واشتد جزعه، فصار صريع همومه، وفريسة غمومه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: من الآية 17).

 

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن استطعت أن تعمل لله بالرضى في اليقين فافعل، وإن لم تستطِع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا".

 

واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، والمرء محتاج إلى الصبر في كل الأحوال؛ فهو يحتاج إليه في السراء، كما يحتاج إليه في الضراء، بل هو إليه في السراء أحوج، فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية.

 

نماذج من صبره صلى الله عليه وسلم

لقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغًا عظيمًا في الصبر، وعلَّم أصحابه كيف يصبرون من ذلك:

1- صبره صلى الله عليه وسلم على المشركين بمجرد إخبارهم ببعثته، رموه بالكذب، والكهانة، والسحر، والجنون، فصبر على كل ذلك.

 

2- صبره صلى الله عليه وسلم على أذى بعض أصحابه، كما هو الحال من حادثة الإفك، وغيرها من المواقف، حتى إنه كان يسمع أذى بعضهم فيشقُّ عليه ويتغيَّر وجهه، ولكن كان يقول: أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر.

 

3- صبره صلى الله عليه وسلم على المرض وآلامه، وفي ذلك تقول عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت رجلاً أشدَّ عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم".

 

4- صبره صلى الله عليه وسلم على موت أحبابه وأصحابه، فقد صبر على وفاة زوجه خديجة، وعمه أبي طالب، وأبنائه الذكور.

 

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ الشأن في الصبر فقد علَّم أصحابه كيف يصبرون في مختلف الأمور وضروبها، فقد علمهم الصبر من أجل هذا الدين، والتضحية في سبيله؛ فعن أسيد بن حضير أن رجلاً من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال: "إنكم ستلقون بعدى أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".

 

وقد علَّمهم النبي صلى الله عليه وسلم الصبر على جميع أنواع المحن والبلاء والمصائب، فعن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له".

 

جزاء الصابرين في الدنيا:

قد يُعجّلُ الله للصابرين بعض الجزاء في الدنيا، فضلاً عما يدَّخره لهم في الآخرة، فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها إلا أخلفه الله خيرًا منها"، فلما مات أبو سلمة قلتُ: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم".

 

وعن أنس رضي الله عنه قال: "كان ابنٌ لأبي طلحة رضي الله عنه يشتكي، فخرج أبو طلحة فقُبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان فقرَّبتْ له العشاء ثم أصاب منها فلما فرغ قالت: واروا الصبي فلما أصبح أبو طلحة أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره. فقال: "أعرستم الليلة؟!" قال: نعم، قال: "اللهم بارك لهما"، فولدت غلامًا، فقال لي أبو طلحة: "أحمله حتى تأتي به النبي صلى الله عليه وسلم وبعث معه تمرات. فقال "أمعه شيء؟" قال: نعم، تمرات، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فمضغها ثم أخذها من فيه فجعلها في فم الصبي ثم حنكه وسماه عبد الله".

 

وفي رواية للبخاري: قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن؛ يعني من أولاد عبد الله المولود".

 

وفي كتاب الله الكريم ما يفيد أن الصبر فاضل، وأن من يتحلَّى به هو الجدير بالسعادة والهناء، وأن من يتخلَّى عنه حقيقٌ بأن يكون في خسران وبوار وضلال، يقول تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: 1- 3).

 

والصبر وسيلة طيبة يستعان بها على الخير ﴿اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 153).