- المزارعون: مشمش "العمار" ضحية سياسات وزارة الزراعة
- عبد العظيم الشرقاوي: الحكومة باعت الشعب لمستوردي الموت
- فؤاد سليمان: تسرب المسرطنات يدمر المحاصيل والتربة
- الدكتور حسين شلبي: مافيا المبيدات سيطرت على السوق
- خبير بمركز السموم: نحتاج إلى ضبط منظومة الغذاء
تحقيق- إيمان إسماعيل وأحمد الجندي:
رصدت المراكز الصحية وأقسام الطوارئ بالمستشفيات الحكومية عددًا كبيرًا من حالات التسمم الناتجة عن فواكه مسمومة، وأكدت أن المبيدات المستخدمة في تلك الزراعات؛ وخاصة المستوردة عن طريق وزارة الزراعة؛ وراء هذه الكوارث الصحية، الأمر الذي ألقى بظلال الخوف والقلق والترقب على سوق الفاكهة هذا الموسم.
وتعددت أشكال الخسارة التي لحقت موسم الفواكه الصيفية؛ وخاصة محاصيل البطيخ والمشمش والعنب والخوخ، مع تزايد حالات التسمم الغذائي أبرزها تسمم أكثر من 20 مواطنًا بمحافظة سوهاج- مركز طهطا، وإصابتهم بحالة قيء وإسهال وآلام بالبطن إثر تناولهم بطيخًا فاسدًا، وفي الغربية أصيبت أسرة بأكملها بحالة تسمم شديدة، بالإضافة إلى تسمم أكثر من 50 مواطنًا في أسيوط والبحر الأحمر لنفس السبب أيضًا.
ولم تقتصر كارثة المبيدات على حالات التسمم فقط، بل تجاوزت لتضر الأراضي الزراعية بتقليص المساحات الصالحة للزراعة، وخاصة محاصيل الموالح، وهو ما كشف عنه مزارعو قرية العمار بمحافظة القليوبية الشهيرة بزراعة بذرة "المشمش"؛ حيث تأثرت أكثر من 90% من أراضي المزارعين، نتيجة المبيدات التي استوردتها وزارة الزراعة في عهدي الوزير السابق يوسف والي، والحالي أمين أباظة، والتي أدَّت إلى خسارة وصلت 29 مليون جنيه، الأمر الذي اضطر معه عدد كبير من هؤلاء المزارعين لتغيير نشاطهم.
(إخوان أون لاين) استطلع آراء المواطنين حول فواكه الصيف؛ وخاصة البطيخ والعنب، ومدى إقبالهم عليها، كما استطلع رأي المزارعين والخبراء والمتخصصين عن الأضرار التي لحقت بالمزارعين، وتأثير ذلك في جودة التربة الزراعية، وتأثير تلك المبيدات في صحة المواطن المصري البسيط، في ظل الأزمة البيئية بانتشار فيروسي الإنفلونزا "الخنازير والطيور" وكارثة الطاعون الأخيرة.
بين نارين
تقول فوزية عبد الله "موظفة" إنها لم تشتر البطيخ هذا العام؛ لأن موسم جودته وطعمه "الحلو" لم يأت بعد، وتضيف أنها ستتناول البطيخ بصورة طبيعية جدًّا لو تأكدت أن شكلها سليم ورائحتها سليمة، وإن كان لم يعد هناك شيء مضمون هذه الأيام و"قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".
ووافقتها أم شيرين "ربة منزل"، مؤكدة أنهم يشترون ثلاث بذور بطيخ أسبوعيًّا، ولكن بعدما علمت بحالات التسمم، فستقوم بتخزين عدد مضاعف من البطيخ الموجود بالأسواق قبل أن تتسرب بذور البطيخ المسمم إلى القاهرة، ومضيفة أنه بعد نفاد الكمية لن تقترب من البطيخ الموجود بالأسواق؛ لأنهم يخشون على صحتهم.
واختلفت معها فريدة عبد الغني "طبيبة"، والتي قررت مقاطعة البطيخ والمشمش والخوخ هذا الموسم نهائيًّا، خاصة بعد تزايد حالات التسمم الغذائي الناتجة عن المبيدات غير الصالحة، قائلة: إن "الحياة لن تتوقف على البطيخ والمشمش؛ لأن حياتنا وحياة أولادنا غالية".
ويضيف سيد عبد الرحمن "مهندس زراعي" أنه سيستمر في الشراء بشكل طبيعي جدًّا؛ لأنه بحكم خبرته وعمله يستطيع التفريق بين البطيخ والمشمش المحقون بمبيدات سامة لتكبير حجمه أو زيادة نسبة الاحمرار فيه من عدمه، وبين البطيخ الفاسد والسليم.
وتقول هايدي مختار (ليسانس آداب علم نفس) إن أمها تمنع دخول عدد من الفواكه والخضراوات المنزل، خاصة بعد المعلومات التي تؤكد تسبب بعض تلك المحاصيل بحالات تسمم حادة بسبب المبيدات المرشوشة عليها.
كارثة أخرى
الإفراط في استخدام المبيدات يصيب الإنسان بالسرطان والأمراض

وتبقى أزمة مشمش العمار الشهير بمحافظة القليوبية دليلاً صارخًا على تصاعد خطورة المبيدات التي أثرت بشكل كبير على جودته وتأثيره الفعال على خصوبة التربة الزراعية.
ويقول الحاج كمال عبد العزيز (من أهالي القرية): "في عهد يوسف والي استوردت الحكومة مبيدات فاسدة قضت على مشمش العمار، وكذلك على أشجار (البرقوق) التي لم تعد في العمار شجرة واحدة منه الآن، كما أن الوحدة الزراعية كانت تقوم بالرش إجباريًّا؛ مما أدى إلى جفاف الأشجار وتصمغها؛ مما دفع المواطنين إلى اقتلاعها بعد توقفها عن الإنتاج لمدة طويلة".
ويضيف ممتاز شاهين (مزارع): " كان لدي 3 أفدنة مزروعة مشمش؛ ولكن بعد رشها بمبيدات وزارة الزراعة بدأ الإنتاج يقل عامًا بعد عام، حيث كان متوسط أرباح الفدان حوالي 25 ألف جنيه في العام الواحد أي " 75 ألفًا في الأفدنة الثلاثة"؛ ولكن بدأ الإنتاج يقل بدرجة كبيرة جدًّا في العام التالي للرش حتى وصلت أرباح الأفدنة الثلاثة إلى 12 ألف جنيه، وفي العام الثاني 7 آلاف، والثالث 3 آلاف، والرابع 2000 جنيه، وهي لا تكفي حتى مصاريف الري، فقمت بإزالة الأشجار، وغيرت النشاط من زراعة المشمش إلى زراعة البرتقال والعنب".
مؤامرة
ويؤكد الحاج يوسف لطفي عمدة "العمار" أن السبب الرئيسي في القضاء على مشمش العمار هو المبيدات الفاسدة التى جلبتها وزارة الزراعة في عهد وزير الزراعة الأسبق يوسف والي، وأمرت بالرش الجماعي لمزارع المشمش بالعمار، الذي كان إجباريًّا على "الفيشة" الزراعية (الملف الزراعي) الذي تقوم به الجمعية الزراعية، وكانت عقوبة المخالف لأوامر الرش؛ هو الحرمان من موارد الجمعية الزراعية المدعومة للمزارعين، الأمر الذي أدَّى إلى عقم مزارع العمار عن الإنتاج لمدة تجاوزت الـ6 سنوات؛ مما دفع المزارعين إلى إزالة 85% من المزارع وتغيير نشاطهم.
تسمم بالجملة
ويوضح الدكتور محمود محمد عمرو بمركز السموم بقصر العيني أنهم يوميًّا يستقبلون العشرات من حالات التسمم الغذائي، ولكن لا يعرفون سببًا محددًا للتسمم؛ نظرًا لأن المصريين يتعاملون بعشوائية شديدة وبأسلوب غير منظم مع صحتهم، فإذا تمَّ سؤالهم عن آخر وجبة تناولوها؟ لا يعرفون.
ويضيف أنه بالتحليل تأكد أن البطيخ من أكثر أنواع الفاكهة تشربًا للمبيدات من التربة، وتدخل على لونها الأحمر؛ مما تؤدي إلى فسادها، مضيفًا أن مصر في حاجة إلى "تظبيط" منظومة الغذاء بأكملها، وعلى رأسها الخضروات والفاكهة التي يتمُّ إغراقها بالمبيدات؛ مما تؤدي إلى تسمم "فيل" وليس "بني آدم" فقط.
ويؤكد أنه لو توفر في مصر نظام أمن غذائي جيد؛ لتمَّ إغلاق أكثر من 75% من منافذ بيع الأغذية في مصر، بالإضافة إلى حبس أغلب المزارعين والمستوردين، نظرًا إلى عدم وجود رقابة فاعلة من جانب الدولة؛ مما يؤدي إلى تزايد "مافيا" الإتجار في صحة المصريين، مؤكدًا أن أسلوب الدولة المتعامل به عشوائي وغير منظم.
فتش عن الفساد
عبد العظيم أحمد الشرقاوي

ويحمِّل عبد العظيم أحمد الشرقاوي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الزراعة؛ وزارة الزراعة مسئولية السماح بمرور وتطبيق رش إجباري بمبيدات مشكوك في مصدرها، تسببت في فساد محاصيل ضرورية، وألحقت ضررًا بالغًا بصحة المواطن المصري.
ويضيف أن سوء عمليات النقل والتخزين للمحاصيل الزراعية عامل مهم، مشيرًا إلى أن سوء عمليات النقل يجعل البطيخ مليئًا بالعيوب؛ حيث يوجد عدد من البطيخ المثقوب "المخروم"، وآخر ذو رائحة كريهة، ومحاصيل أخرى بها أجزاء رطبة؛ نتيجة سوء التخزين، كما تصل بعض المبيدات غير المطابقة للمواصفات إلى الثمرة في الداخل عن طريق الامتصاص، وتظهر آثار المبيدات عليها بعد 20 يومًا.
ويؤكد أن هناك العديد من المبيدات تمَّ منعها عالميًّا، ويتم تسريبها إلى مصر، وتداولها بشكل طبيعي؛ مما يؤدي إلى فساد الثمرة، وإصابة من يأكلها بالإسهال والقيء، وارتفاع مفاجئ في درجة الحرارة والتسمم.
مافيا
ويكشف دكتور فؤاد سليمان أستاذ المبيدات والآفات بالمركز القومي للبحوث أن السبب الرئيسي في تزايد حالات التسمم على مرِّ السنوات الأخيرة بعد إجراء التحاليل على عينة من البطيخ ومحاصيل أخرى؛ هو المبيدات السامة والمسرطنة وهي العامل الأساسي، مشيرًا إلى أن تلك المبيدات التي تستخدم في مصر ما بين مهربة ومبيدات غير صالحة ومسرطنة، فضلاًً عن الاستخدام الكثيف لتك المبيدات، الأمر الذي يجعلها تتراكم على القشرة، فتتسرب بداخلها، وتؤدي إلى العديد من حالات التسمم.
مبيدات سامة
ويضيف الدكتور حسين شلبي أستاذ الاقتصاد الزراعي أن زارعي البطيخ والمشمش وعدد من المحاصيل الأخرى على مدار السنوات الماضية، وخاصة الثلاث الأخيرة يحاولون إنضاجها قبل أوانها؛ مما يجعلهم يقومون برشه بنوع من المبيدات، فتظل آثار الرش موجودة على القشرة، ومنها ما يتسرب للداخل إذا ظلَّ فترةً طويلةً على القشرة؛ مما يؤدي إلى حالات قيء، وإسهال، ونهاية بتسمم، ومضاعفات صحية أخرى، مشددًا على ضرورة غسل قشرة البطيخ قبل أكله جيدًا.
ويضيف أن مافيا مستوردي المبيدات يعملون من خلال الطرق الخفية على شراء مبيدات غير مطابقة للمواصفات بأسعار زهيدة، للاستفادة بأرباحها، دون الاهتمام بصحة المواطن، بالإضافة لمافيا تهريب المبيدات السامة المهربة.