تمَّ إعلان أسماء الفائزين بجوائز الدولة التقديرية والتشجيعية، والمتبادر إلى الذهن، أن هذه الأسماء الفائزة بهذه الجوائز، قد جرى ترشيحها من قِبل هيئات ومؤسسات ثقافية وعملية وجامعية لها احترامها، وبناء على إنتاج علمي وثقافي وفني لكل مرشح يشهد له عند هذه المؤسسات بنوع من التميز والإبداع، يفوق أقرانه ومنافسيه في المجال الذي ينبغ ويتميز فيه.

 

وأعتقد أن الجهة المانحة لهذه الجوائز، وهي وزارة الثقافة، وهي تتبع بلا شك الحكومة المصرية، وتصرف قيمة هذه الجوائز من موازنة الدولة، وهي أموال عامة يشارك فيها كل الشعب المصري، باعتباره الممول الأصيل لهذه الموازنة، لا شك أن هذه الوزارة ويمثلها المجلس الأعلى للثقافة تضع الشروط والضوابط والمواصفات القياسية التي ينبغي أن تتوافر في الإنتاج الأدبي أو العلمي أو الفني أو الثقافي، ليفوز بتقدير "الدولة" في مجال تخصصه.

 

وأولى هذه الضوابط وأهمها ألا يتصادم هذا الإنتاج مع ثوابت الأمة وموروثاتها، ولا يهيل التراب على قيمها ومعتقداتها، ولا يكون معول هدم لهوية الأمة وشخصيتها التي تميزت بها عبر قرون وقرون، وثبت بالبحث العلمي والفحص والتقصي، ومن خلال العلماء الأفذاذ والباحثين المتميزين المتجردين من الهوى، الساعين لطلب الحق والحقيقة، ثبت صدق ما وصل إليه من هذا الميراث العظيم بعد ما توافر عليه من يقوم بعمليات التنقية والنقد والفرز، وما يجعله نقيًّا من الغش مبرءًا من الدس، خاليًا من التزوير، وكان الميزان الدقيق، والمرجعية الأصولية لهذا التدقيق، هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

 

لماذا كانت هذه المقدمة؟

فوجئنا بإعلان أسماء السادة الفائزين بهذه الجوائز بما يحدث الصدمة، ويطيح بعقول وآمال الناس، ويجعل الجميع في حيرة من أمرهم، هل نحن في مصر؟ حامية حمى الإسلام وبلد الأزهر الشريف، ومهد العلم الإسلامي الوسطي النيِّر الصحيح، وموئل الحركة الإسلامية من لدن الأفغاني والإمام محمد عبده ورشيد رضا، وحسن البنا الذي أسس منذ 1928م جماعة الإخوان المسلمين بمنهجها الواضح، ودعوتها للعودة بالناس عامة والعاملين للإسلام خاصة إلى الفهم السليم الشامل النقي للإسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عن الاجتزاء والتحريف أو الخطأ والمغالاة أو التفريط، ويجتمع المسلمون عليه دون تعصب لرأي أو مذهب، وبصورة تحقق تعاون المسلمين فيما اتفق عليه من أصول وإعذار بعضهم البعض فيما اختلف فيه من فروع.

 

هل نحن هنا في مصر؟، البلد الذي أغلبيته المطلقة على الإسلام (95%) وأكثر أم في "إسرائيل"، أم في بلاد الواق واق؟.

 

هل نحن في مصر الغنية بعلمائها وفقهائها وأصحاب الرأي والفكر، وأهل الحكمة والرشد، وأصحاب الهمة العالية، والثقافة الغزيرة؟ هل هؤلاء جميعًا وعلى مر العصور وتوالي الحقب والسنين؟، هل يجمع هؤلاء على باطل، ويتواطئون على ضلال، ويظل الجميع في حالة من الغفلة، وتحت تأثير مخدر، وغياب للعقل، والحكمة والصواب؛ بحيث يأتي من يوقظهم أو يزعجهم بصوت نشاز وغريب، وليقول لهم إن ما أنتم عليه منذ (15) قرنًا، كان وهمًا وسرابًا، وأن إسلامكم هو التخلف بعينه، وأنكم كنتم مصدر الدمار والخراب والبطش والإرهاب وضياع الهوية للعالم بأسره، وفقدان قيم الخير والجمال والحرية.

 

هل من الفائزين من يحمل هذه الأفكار؟

نعم للأسف الشديد، تضمنت القائمة أسماء من ذوي الفكر اليساري وأصحاب الاتجاهات العلمانية، والكارهين للإسلام المعادين لأهله، ومن أبرز هؤلاء جميعًا وأشدهم غلوًّا، وإيغالاً في العداوة ومجاهرة بموقفه المتصادم مع الإسلام هو د. سيد القمني، الذي نذر نفسه لمحاربة كل ما هو إسلامي، وعاهد شيطانه أن يكرّس حياته وقلمه ليصد عن سبيل الله، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23)﴾ (الجاثية)،

 

وسوف لا نصدر أحكامًا على هذا الرجل، فليست مهمتنا إصدار الإحكام على أحد، ثم نحن والحمد لله لا نكفر مسلمًا نطق بالشهادتين وأقر بها وأدى الفرائض برأي أو معصية، ليست مهمتنا التكفير حتى لا يملأ هذا الرجل الدنيا صياحًا وعويلاً، لترتفع مكافآته عند أولياء نعمه وذوي الفضل عليه، ومن يعمل عندهم بالأجر والقطعة، ليست مهمتنا تكفيره أو تحقيره.

 

إنما يكفينا فقط أن نشير إلى نذر يسير من آرائه المنشورة في موقعه، وربما ذلك يسره ويسعده، إذ يظن أن فيه نشرًا لمبادئه وآرائه الغريبة الشاذة، وإنما أردنا بذلك أن نحذِّر عامة المسلمين وخاصتهم مما يحمله من خطل وخطأ وخطر وتضليل وتزييف وانتهازية، ونقطع عليه طريق التسلل إلى البسطاء من أهلنا وأبنائنا، رغم علمنا بأن بضاعته مزجاة وسلعته بائرة، ودعاواه باطلة، وصياحه طبل أجوف.

 

1- عند كلامه عن خالد بن الوليد رضي الله عنه سيف الله المسلول، ومن أشهر القادة العسكريين عالميًّا، يقول (المهم أنه ذبح واحتل وأزال حضارات، وقضى على لغات وسبى واستعبد وسلب ونهب، وأخذ خراجًا وجزيةً هو وصحبه جميعًا بطول زمن الخلافة المقبورة (كما يزعم)، ويستطرد (وأحداث تاريخها مع البلاد المفتوحة هو تاريخ أسود قاتم حالك الظلمة، لا يمكن تجميله؛ مهما حاولنا الترقيع فهو أقبح من أية محاولة ترميم).

 

2- (لقد أنشأ الله الغابة وأنشأ لها قيمها، وأنشأ الإنسان الحضارة وأنشأ لها قيمها)، إذن كما يدعي هناك غابة أنشأها الله، وهناك حضارة أنشأها الإنسان، فما هذا الخلط العجيب والفهم السقيم.

 

3- وينقل أفكار المستشرقين والزنادقة في القديم والحديث عندما يقول: (لأن القيم الدينية تخاطب المادة قبل الروح (وهذا تلفيق) فقد حارب الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة من أجل السيطرة والسيادة والغنائم المادية البحتة إضافة بالطبع إلى نشر الدعوة، وحارب الصديق من أجل الزكاة، وحارب خالد بن الوليد وعمرو بن العاص والقعقاع من أجل الفيء والجزية، وتصارع كبار الأجلاء على عرض الدنيا المادي، كما حدث بين الزهراء وبين الصديق بشأن ميراثها..)، ثم يقول: (فأين كانت قيم الروح والدين في كل هذا الذي حدث في تاريخنا الرهيب الملطخ بدماء الأبرياء).

 

4- ويقول عن عصر النبوة، وفترة النور والضياء على مدى التاريخ الإسلامي: (وبينما بقيت مصر منذ مينا حتى اليوم عبر خمسة آلاف سنة دون أن ينفك منها أي عضو جغرافي (وهذا كذب وبهتان)، فإن دولة النبي صلى الله عليه وسلم تفككت وهو على سرير المرض؛ لأنها كانت بدائية، كان المقصود منها تجمع العرب تحت راية مبدأ ديني واحد، فلم تكن سوى تجمع قبلي لم ينضج بعد ويتطور).

 

5- وقد وصلت بصاحبنا الجرأة والبجاحة ما جعله يصرح بما يخجل أن يبوح به أعداء الملة والدين (مصر احتفظت بقواعد لغتهم المصرية رغم محاولات الطمس المقصود من الغزاة العرب لهويات الأمم المفتوحة جغرافيًّا وثقافيًّا.. وقد نسي هذا الكاتب أو تناسى عن عمد ما يأتي:

أ- أن سماحة الإسلام قد أبقت على من بقي من النصارى، على دينهم وصلبانهم ولغتهم وكنائسهم طوال هذه القرون دون إبادة أو إكراه على الدخول في الإسلام.

 

ب- أن الاستعمار الأوروبي عندما دخل أغلب دول إفريقيا قد أجهز على لغة السكان الأصلية، وصار لسانهم بعد الاستقلال هو لسان ولغة المستعمر السابق، رغم أنهم يعيشون مرحلة التحرر، ولم يفعل ذلك المسلمون في كل البلاد التي فتحوها ومنهم مصر.

 

6- إنه يعيب على الحكومات اليولياوية (منذ الثورة إلى الآن) أنها قامت بأكبر عملية إجرام في حق الإنسانية، عندما أبادت الوعي التعددي المصري، وأنها تترك الشارع متفلتًا سداحًا مداحًا، يعمل وفق آليات أجهزة الإعلام، وما تبثه من قيم (منحطة!!) بلا ضابط ولا رابط إلا مشهد النقاب والحجاب واللحى وخراب الضمائر المعمم والعلني السافر، في حالة لم تشهدها مصر من دمار للبلاد والاقتصاد والقيم والوعي والتعليم منذ زمن الهكسوس).

 

وأخيرًا..

إذا ذهبنا نتتبع كل ما سطره كاتبنا الهمام في ذمِّ الإسلام والمسلمين، وتقديس كل دين وحضارة وملة ونحلة، مخالفة لهذا الدين الذي ينتسب إليه اسمًا وشكلاً لعجزنا عن ذلك، إذ إنه اتخذ نفسه عدوًّا لأصله، ناقمًا على أهله، عرّابًا لكل عدو ظاهر أو مستتر، فأصبحت تلك حرفته ومهنته لا يجيد غيرها، ولا يعيش إلا في مناخ يستعدي فيه السلطة والأمن وأهل اليسار والعلمانيين على كل من يعمل للإسلام بصدق ويدافع عنه بحق.

 

وإني أعتبر ما كتبته هنا بلاغًا لمن يهمه الأمر لسحب شرف هذه الجائزة وقيمتها المالية منه، إذ لا يجوز أن يصرف مال عامة المسلمين إلا لمصلحة حقيقية، تعود عليهم جميعًا بالخير والنفع، ولا تصادم قيمهم ومعاييرهم وثوابتهم الدينية الأخلاقية.

والله من وراء القصد.