"التخلي قبل التحلي" هي ثقافة قد شاعت، لكنها تحتاج إلى مراجعة وتدقيق، خاصة ونحن مقبلون على شهور طيبة جعلها الله تعالى مناخًا طيبًا ليكون عونًا لمُحبّي ومُريدي تغيير أخلاقهم نحو الأفضل على ما يريدون.

 

يقول سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: من الآية 4).. قال الإمام القرطبي في تفسيره: "والمعنى لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان والهدى والضلال والإنابة والإصرار"؛ مما يعني أنه كلما امتلأ عقل وقلب وجسد الإنسان بعمل خيرٍ ما، كلما أزاحت نسبة هذا الخير في المقابل تلقائيًّا وتدريجيًّا وبكل سهولة ويُسْر ودون أي مجهود يُذكر؛ نسبة شر مساوية كان قد اكتسبها من بيئة سيئة عاش فيها سابقًا؛ وذلك لأنه لا يمكن لمادتين أن يجتمعا في حيّزٍ واحد كما هو معلوم ومُثبَت من قوانين الفيزياء في الحياة، وهذا أمر يلحظه كل إنسان واقعيًّا يوميًّا، إذا ما فعل خيرًا، شعر بنسبة سعادة واطمئنان على قدر الخير الذي فعله، وشعر بنقصان نسبة مساوية تقريبًا من التعاسة والقلق الذي كان.

 

 

 د. محمد منصور

فلماذا إذن التركيز على الأصعب؟! وهو محاولة التخلي عن عيب تربى عليه سنوات قد تطول وفي بيئة ساعدته كثيرًا عليه، وقد تكون لا زالت تمنعه من التخلي عنه! رغم أنَّ الأيسر والأسرع تنفيذًا والأكثر أملاً وتشجيعًا للنفس أنها قد أنجزت خيرًا فيدفعها ذلك إلى إنجاز مزيد ٍومزيد من الخير والتحسّن، هو الملء بالخير والتحلي به!! ونأمل أن يَدخل هذا المفهوم في معاني قول السيدة عائشة المعروف: "ما خُيِّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما..".

 

فمن كان عصبيًّا مثلاً، قد لا يستطيع التخلي عن هذا الخلق؛ بسبب اعتياده عليه لفترات وللوسط الذي يحيط به، وقد لا يستجيب لمن ينصحه بتركه، ليس تعاليًا، وإنما يأس وإحباط من عدة محاولات سابقة فاشلة أدّت به لهذا.. هذا العصبي، لو انشغل بالتركيز على ملء نفسه بفعل خير ما يقدر عليه ويستطيعه وهو عليه هيّن سهل، كالاهتمام مثلاً بتخصصه ونفع نفسه والناس وإسعادهم به مع استحضار نوايا الخير في قلبه أثناءه؛ أنه يفعله حبًّا في ربه الذي طلبه منه وطلبًا لحبه وعونه ورزقه العاجل وثوابه الآجل، وأنه سيسعد بذلك في الدنيا والآخرة؛ أعطاه ذلك أملاً كبيرًا في أنه يفعل خيرًا كثيرًا، خاصةً أنَّ تخصصه غالبًا ما يشغل معظم يومه.

 

ثم إذا قام بعد ذلك عند عودته لبيته بتنمية حبه لزوجته وأبنائه وجيرانه وأقاربه وعمل على سعادتهم واستحضر نوايا الخير أيضًا أثناء هذا، ازداد امتلاءً بخير آخر في فترة أخرى من يومه وصنع مناخًا صالحًا حوله سيزيد عونه على المزيد، فإذا ما قام ببعض دعاء واستغفار وذكر وصلاة وقراءة آيات من القرآن، امتلأ يومه كله بالخير، وتحمست نفسه أنها من أهل الخير وأصبحت قوية وقادرة على إنجازه والاستمرار فيه بدعاء ربها وتوفيقه بالعون، ونسي الشر، بل لم يعد له عنده وقت أصلاً!! سواء أكان هذا الشر في صورة عصبية أم جبنًا أم غدرًا أم غيره من صفات سيئة اكتسبها من بيئته أيًّا كانت.

 

فإذا ما تشجعت نفسه بإنجاز خير ٍصغير، وذاقت سعادة ذلك، كما يُفهم من قوله تعالي كثمرة لإنجاز الخير: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ (محمد)، اندفعت لمزيد من خير وراءه خير حتى تذوق حلاوة السعادة كاملة بعدما ذاقت بعضها، وانزاح منها الشر تلقائيًّا، وانقرضت أو انعدمت مساحته فيها، بل باتت تكرهه كرهًا شديدًا لأنه يصيبها بالمرارة بعد تجربته عمليًّا، فلماذا إذن تفعله؟!! فلذلك كله، فلعل الأخذ برأي "التحلي قبل التخلي"، وليس العكس كما هو مشهور بيننا الآن، قد يكون أنسب وأفضل للنفوس.

 

فهذه خبرة جرّبها بعض الدعاة وحققت نتائج طيبة، فجرِّبها أيها الداعي إلى الله والإسلام، وستلمس بنفسك نتائجها، وستجد التغيير الكبير والسريع في كثير ممن حولك حتى من مدمني الخطأ، وستسعد بإنجازك، وستُسعِد مَن حولك، وسيَسعد الجميع في دنياهم وسيُثابون أعظم الثواب في أخراهم.