![]() |
|
البدوي عبد العظيم البدوي |
صدق هو وعد الله للمؤمنين بالنصر والتمكين في الدنيا والآخرة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية 55)، ومفلحٌ هو مَن سار على هدي المصطفى- صلى الله عليه وسلم- عبادةً ودعوةً وسعيًا في الأرض حتى يصبح عبدًا ربانيًّا يكاد لو أقسم على الله لأبره فهو محب لله ويعمل لإعلاء كلمته لتكون هي العليا مضحيًا براحته في سبيل الله، وفي سبيل إسعاد الآخرين والسعي بالخير بين الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وأحسب أن من هؤلاء الرجال المرحوم الدكتور حسين الدرج الذي تُوفي فجر الجمعة الموافق 25/6/2004م.
ولا أعتبر- في حقيقة الأمر- خريجًا لتلك المدرسة إذا قيست معرفتي به بالسنين، وللدكتور الدرج تلاميذ أفاضل تربوا على يديه وشربوا منه الكثير، ربَّاهم على يديه ومنذ نعومة أظفارهم، ولستُ بالتالي ممن يحق لهم الحديث عن هذا الرجل العملاق إلا أن حديث الأخ الفاضل الدكتور أنور حامد عنه شجَّعني أن أروي بعضًا مما رأيتُ من مواقف تُنبئ عن حقيقة هذا الرجل العملاق وتُبيِّن فضله وتُعرِّف السائرين على الطريق كيف يكون العمل في وسط المجتمع لتؤثر فيه وكيف تزرع فيه الخير حتى ولو لم تقطف أنت ثمرته.
حين ترشح الدكتور الدرج في انتخابات مجلس الشعب عام 2000م خرجت شبرا الخيمة عن بكرة أبيها في سابقة لم تحدث من قبل مسيحيوها قبل مسلميها لتؤيد الدكتور الدرج، والذي كان مرشح الإخوان المسلمين عن دائرة قسم أول شبرا الخيمة فقد عايشوا الرجل وعرفوه وأيقنوا أنه الأقدر على أن يمثلهم تحت قبة البرلمان ويدافع عن حقوقهم، وحين بدأ يوم الانتخاب وفي الإعادة أخذ يمر الرجل على المدارس الواحدة تلو الأخرى حتى يتابع العملية الانتخابية ولما تعثَّرت السيارة التي كنا نركبها واقترب موعد صلاة الظهر أصرَّ الرجل على أن يدرك الصلاة في مسجده (والذي كان شديد التعلق به) الذي كان يؤوم الناس فيه إذا به يوقف أحد المارة من راكبي الموتوسيكلات ويركب خلفه حتى يصل لمسجده ليصلي بالناس الظهر.
وبعد الصلاة كنا قد قابلناه وهو يحاول دخول اللجان الانتخابية القريبة منه، وإذْ بالأمن يمنعه من الدخول حتى للإدلاء بصوته هو، ولما أصرَّ الرجل أدخلوه وحده ليقابل القضاة المشرفين على العملية الانتخابية ثم رجال الأمن الذين أعلموه ساعتها أن قرارًا صدر بمنع دخول أحد من الناخبين للجان أو التصويت في شبرا الخيمة فخرج الرجل للناس في هدوء وابتسامة قائلاً لهم (إننا نشكركم على هذا التفاعل وعلى خروجكم، ولقد والله حصلنا على ما أردنا، وأرجوكم أن تعود إلى بيوتكم في سلام وهدوء حتى لا يتعرض أحدٌ بالأذى لتلك الجموع أو يختنق الأهالي بالغاز المسيل للدموع)، ولم يكد الرجل ينهي حديثه حتى تعالت الصرخات من جموع الأهالي العاديين وأخذت جموع الشباب في البكاء (وبالمناسبة لم يكونوا من الإخوان) رافضين أن يتنازلوا عن الرجل الذي اختاروه لأنفسهم وبدءوا يدفعون الرجل لدخول اللجان للتصويت بشدة حتى أتعبوا الرجل وكل من كان محيطًا بالدكتور الدرج محاولين إخراجه من محيط تلك اللجان، وأخذ الرجل يبكي ويرجوهم بالعودة إلى بيوتهم حرصًا على سلامتهم، وهم يبكون في حرقةٍ في مشهدٍ مفعم بالأحاسيس والمشاعر لم أرَ مثله ولن أنساه ما حييت حتى إنني رأيت ضباط الشرطة يبكون هم أيضًا من مقدار ما رأوه من حب الناس لذلك الرجل.
ولم يكن ذلك الحب والالتفاف الجماهيري وليد لحظة أو دعاية انتخابية إذ كان الرجل دائمًا بين الناس يشاركهم أفراحهم وأتراحهم يوقفه الصغير أو الكبير فيمتثل في لين وحب، وابتسامته لا تكاد تفارق محياه وساعدته مهنته كطبيب قلب وأوعية دموية أن يختلط بالناس حتى إذا أذن للصلاة قام ليصلي في مسجده الذي لا يبعد عن عيادته إلا أمتارًا معدودة.
ومما يروى عنه أنه كان يحث أحد الشباب ليبتعد عن طريق الانحراف فدفعه ليقيم مشروعه الصغير (عربة كبدة) ليكسب قوت يومه منها بالحلال، وكان يمر على تلك العربة يوميًّا بعد انتهاء موعد العيادة ليأخذ منه سندوتشات الكبدة حتى إن زوجة الدكتور (الأخت أم عائشة) راجعته في أمر شراء هذه السندوتشات، ولكن الرجل أصرَّ على عادته حتى استقام أمر هذا الشاب.
وكان من يرى الرجل يجده رجلاً وكأنه الأسد يشبه كثيرًا الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وكنت تراه يصعد المنبر ليلقي خطبة الجمعة فتحس مدى هيبته لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلبه- وهو الخطيب المفوه وابن جامعة الأزهر- والذي يظهر في حركاته ولفتاته وهو على المنبر وقد كان رحمة الله جياش المشاعر قريب العبرات، خاصةً مع أبنائه وأشد ما يكون مع ابنته عائشة.
لقد كان الرجل يعبد ربه سلوكًا واحتكاكًا بالناس شفوقًا عليهم يدخل البيوت ليداوي المرضى لا فرق في ذلك بين غني أو فقير أمين على أسرارهم يدلهم على الخير لهم ولأبنائهم محبوبًا يدخل البيت كطبيبٍ يداوي البدن فإذ به يخرج منه كصديق وطبيب يداوي الروح ويصلح بين الناس حتى ولو كانوا أهل بيت واحد.
وأحسب أن للرجل حظًّا كبيرًا من الزهد فلم يلتفت للدنيا ليجمع منها حلالاً لأولاده لينتفعوا به بعد مماته ولكن ترك لهم الحب والتقدير من الناس إحياءً لذكراه وإكرامًا له، فلم يشاء الرجل أن يترك عيادته بين أهالي شبرا الخيمة وهو الحي الفقير ليفتح عيادة في مكان آخر يستطيع أن يرفع فيه قيمة الكشف ولم يترك لهم من المال إلا بقدر سنوات قليلة قضاها بجوار بيت الله الحرام وسرعان ما عاد إلى أحبابه وأهله الذين أحبوه.
ولما كان يوم وفاته يوم جمعة وعلم الناس بخبر وفاته حوالي الساعة العاشرة صباحًا امتلأ مسجده والمساجد المحيطة به بالمصلين وخرج أبناء شبرا الخيمة عن بكرة أبيهم وبالآلاف ليودعوا الرجل الوداع الأخير في مسقط رأسه بمحافظة الشرقية، فرحم الله الرجل العملاق صاحب مدرسة في الربانية ومخالطة المجتمع والتأثير فيه ودعوته لدين الله فكان أن أجمع عليه الناس صالحهم وطالحهم ولم يرتضوا بغيرة نائبًا عنهم بمجلس الشعب المصري ومن قدر الله أن تظل مدينة شبرا الخيمة قسم أول بلا نائب حتى انتخاب الدكتور محمد البلتاجي رفيق درب الدكتور الدرج والذي مكث بجواره وتابع حالته الصحية في مرضه الأخير وحتى وافته المنية رحمه الله غير مبدل ولا مفرط فكان ممن قال عنهم الله في كتابه: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).
