ونحن مشغولون هذه الأيام بإنهاء عام دراسي كامل وتوديعه، وبعد أن عاش الأساتذة والتلاميذ معًا هذا العام في شرح الدروس، واستيعاب المفاهيم، وترسيخ المبادئ والتنزه في آفاق العلوم والمعارف المختلفة؛ يُثار الآن التساؤل عن مدى استمرار هذه العلاقة، وهل هي علاقة رحم طيبة يملؤها الحب والتعاطف والتقدير والاحترام والتلاطف، أم أنها علاقة جافة قاسية، ينكر التلميذ فيها فضل أستاذه، ويضنُّ فيها الأستاذ بالنصح والودّ على تلميذه؟!.

 

إن مكانة الأستاذ والتلميذ في إسلامنا الحنيف تدفع كلاًّ منهما دفعًا إلى أن يكون مثلاً يُقتدى به في مجاله، فلقد تضافرت النصوص على بيان مكانة العلم، والذي تقاس به مكانة الأمم والجماعات، ومنها قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: 11) وصدق من يقول:

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهمو       على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه       والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حيًّا به أبدًا          الناس موتى وأهل العلم أحياء

 

 الصورة غير متاحة

 د. محمود داود

ومن هنا كان لكل من العالم والمتعلم أيضًا مكانته في النفوس والقلوب.

 

أما مكانة المعلم والأستاذ فإنها تنطلق مما يعلم ومما يصنع، وإذا كان غيره من الناس يباهي ويفتخر في هذه الحياة بأنه قد شيَّد قصرًا منيفًا أو حصنا حصينًا، أو بنى برجًا فخمًا أو هرمًا ضخمًا؛ فإن صنعة الأستاذ أدق وأجل وأعظم من هذا كله؛ لأنه يبني أنفسًا وينشئ عقولاً، ويصنع رجال المستقبل، بما فيهم من علماء وحكماء وقادة ومفكرين، فيصيغ لهم عقولهم، ويحدد لهم مفاهيمهم، ويرسم لهم طريقهم، ويسهر على تربيتهم وتهذيبهم، بالإضافة إلى تعليمهم وتأديبهم.

 

ورحم الله أمير الشعراء حين قال:

قم للمعلم وفِّه التبجيلا                 كاد المعلم أن يكون رسولا

أريت أعظم أو أجلَّ من الذي                  يبني وينشئ أنفسًا وعقولا

 

وأما المتعلمون من أبنائنا وبناتنا الذين يصنعهم الأساتذة فهم أغلى ما نملك، وأعز ما نحوز، ويشهد بهذا الأحنف بن قيس لما دخل على معاوية- ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابًا به- فقال: يا أبا بحر ما تقول في الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منا لمن بعدنا، فكن لهم أرضًا ذليلةً، وسماءً ظليلةً، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك فأعتبهم، لا تمنعهم رفدك فيملوا قربك، ويكرهوا حياتك، ويستبطئوا وفاتك، فقال: لله درك يا أبا بحر، هم كما وصفت.

 

وكثير منا من عاش تجربة التلميذ مرة وتجربة الأستاذ أخرى، فكثيرون هؤلاء الذين تتلمذنا على أيديهم، وأكثر منهم الذين تتلمذوا على أيدينا، ولكن مَن هم في هذا الكم الهائل من الأساتذة والتلاميذ الذين يستحقون أن يُضرب بهم المثل، وأن يُقتدى بهم، وأن يُشار إليهم بالبنان وسط أقرانهم من الأساتذة إن كانوا أساتذة، ووسط أقرانهم من التلاميذ إن كانوا تلاميذ.

 

لا أعتقد أنني أبالغ حينما أدَّعي في عصر علوم التربية وأصولها أن الزمان لا يجود علينا إلا بالقليل من هؤلاء الأساتذة، الذين يملؤون الأرض نورًا، ويقدمون علمًا وفقهًا، وخلقًا وسلوكًا، وتُقًى وورعًا لتلاميذهم، أو من هؤلاء التلاميذ الذين يملؤون الآفاق وفاءً وتقديرًا، وإجلالاً واحترامًا وشكرًا وعرفانًا لأساتذتهم.

 

وندرة المثل في واقعنا المعاصر تدعونا إلى التنقيب عن المثل والقدوة في حياة السلف الصالح، وخاصةً في هذا الجانب العلمي والتربوي من حياتنا، هذا الجانب الذي يعد معيار التقدم لدى الأمم، ومقياس الحضارة لدى المجتمعات، وتركز عليه كل الدول التي تريد لنفسها النهوض؛ بل كان هو شرارة الانطلاقة الأولى والعظيمة في بناء وإرساء دعائم المجتمع الإسلامي الأول؛ انطلاقًا من الأمر الإلهي بالقراءة المقيدة بدرب التربية الصحيح، وذلك بأن تكون باسم الله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: من 1: 5).

 

والمثل الذي أضربه لنفسي ولأبناء أمتنا من الأساتذة والتلاميذ على السواء، هو مثل الإمام الشافعي، ذلكم الفقيه الذي بلغ علمه الآفاق، وتربَّع على عرش المدرسة الفقهية العظيمة، التي تحمل اسمه الآن "المدرسة الشافعية"، والتي تتكامل مع غيرها من المدارس الأخرى لتحكم باسم الله أرجاء الأرض وجنبات الدنيا، ومثل الإمام أحمد بن حنبل، الذي تتلمذ على يد الشافعي حينًا من الدهر، حينما كان الشافعى مقيمًا بالعراق، ولأن ابن حنبل قد أبدع في إحسان التتلمذ على يد أساتذته، فمنحه الله عز وجل إحسان الريادة والقيادة والأستاذية لسائر أفراد جنسه، بل وتربَّع على قمة مذهب يضاهي مذهب أستاذه، وهو ما عُرف بـ"المذهب الحنبلي".

 

ولقد تبدَّى هذا المثل حينما كان الإمام أحمد لا يملُّ ذكر الشافعي، فسأله ابنه عبد الله قائلاً له: أي رجل كان الشافعي كي تذكره كثيرًا ولا تملّ من ذكره، فقال له: "يا بني لقد كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للأبدان، هل لهذين من خلف؟ أو هل عنهما من عوض؟ والله يا بني، ما بت ليلة منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعي وأستغفر له".

 

أي تلميذ اليوم مهما بلغ وفاؤه وعرفانه لأستاذه يقول عنه كما قال أحمد بن حنبل عن أستاذه الشافعي؟ وأي أستاذ اليوم يبلغ ما بلغ الشافعي؛ ليصبح كالدواء للأبدان، وكالشمس للأكوان، ليس له خلف ولا يوجد عنه عوض؟! 

 

لقد أحسن التلميذ ابن حنبل الوفاء لأستاذه والتقدير له، لكن الوفاء والتقدير لا يأتيان من فراغ في حياة أستاذه وسلوكه معه، لقد رأى التلميذ من أستاذه كل أصول التربية الإسلامية العظيمة، والتي تتكفل بإخراج مثل هؤلاء التلاميذ، كهمة أستاذه العالية التي لا تدانيها همة، وحريته العلمية المطلقة التي لا يرد عليها قيد، وقد صاغها شعرًا حينما قال :

همتي همة الملوك ونفسي                  نفس حر ترى المذلة كفرا

أنا إن عشت لست أعدم قوتا                 وإن أنا مت فلستُ أعدم قبرا

 

كما رأى فيه الأخلاق الإسلامية الرائعة، والتي صاغ منها ما يحتاجه الأستاذ إليها، ومنها قوله:

يخاطبني السفيه بكل قبح        فأكره أن أكون له مجيبا

يزيد سفاهةً فأزيد حِلمًا      كعودٍ زاده الإحراق طيبا

 

كما رأى فيه العقيدة الصحيحة التي لا تتبدل ولا تتغير، وخاصة في الإيمان بالقضاء والقدر والتي صاغها فقال:

دع الأيام تفعل ما تشاء                  وطِب نفسًا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي                  فما لحوادث الدنيا بقاء

 

ليتنا ننقِّب في مثل هذه الأمثلة، ونحاول إيجادها على أرض الواقع، تلاميذَ وأساتذةً، وذلك في جامعاتنا ومدارسنا وكل مؤسساتنا التربوية والعلمية.

-----------

* الأستاذ المشارك بجامعة الأزهر الشريف.