يُذكر الأستاذ البنا- رحمه الله- في الوصية الثامنة من وصاياه العشرة "تجنَّبْ غيبةَ الأشخاصِ وتجريح الهيئات.. ولا تتكلم إلا بخير".

 

ولا ندَّعي أن الأستاذ المؤسس قد أتى بجديدٍ أو غريبٍ على منهج الإسلام، أو أضاف قيمةً إلى قيمه العظيمة، أو أدخل على الجوانب الأخلاقية والاجتماعية في الإسلام ما ليس فيها، أو يتنافر مع قيمة العامة وتناسقه المنهجي المتكامل، إنما غاية ما فعله الأستاذ أنه سلَّط الضوءَ على قيمةٍ أخلاقيةٍ يظنها البعض بديهة من البديهيات، وينظرون إليها بخفةٍ وبساطةٍ، ثم سرعان- مع التعود والاستخفاف- ما يتفاقم الأمرُ، ويصبح الخوض في "غيبة الأشخاص" عادةً تتسرب إلى ألسنةِ العامة والخاصة، الصغار والكبار، الفقيه وطالب العلم.

 

أقول.. يتسلل هذا الداء أو المرض رويدًا إلى كثيرٍ من الناس، ويقعون في النهي المحظور وقد لا يحسُّ الواحد منهم بالخطر الذي وقع فيه، أو طعم لحم أخيه، الذي وَلَغَ في غيبته، والمصيبة أنه قد لا يظنُّ أنه ارتكب إثمًا أو جاوز حدًّا من كثرةِ ما تعوَّد على ذلك.

 

وإذا علمنا أن الغيبةَ هي ذكر الغير في غيابه سواء كان ذلك بما يرضى أم بما لا يرضى وسواء كان ذلك بالخير أم بالشر، إذا علمنا ذلك أدركنا كم نحتاجُ إلى التدقيق والتحرز عند حديثنا عن أشخاصٍ قد لا يكونون بالضرورةِ يشهدون الحديث الذي يتناولهم بالمدح أو القدح، بالسلب أو الإيجابِ، ونكون نحن بأنفسنا طرفًا في هذا الحديث أو الحوار أو النقاش، ثم لا نُحرِّك ساكنًا في ذبِّ غيبةِ الغائب أو الدفاع عن عرضه الذي يُنتهك أمامنا، أو نُساهم في تجريحه.

 

جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومًا: "أتدرون ما الغيبة؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك بما يكره". قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".

 

ويقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12))﴾ (الحجرات).

 

والمسلم الذي منَّ الله عليه بالالتزام بالدعوة والفهم السليم لدينه، وجاهد نفسه وألزمها أن تحيا بالإسلام، وتعيش له، وتنزل عليه ظاهرًا وباطنًا، غيبًا وشهادةً، سرًّا وعلانيةً، هذا المسلم الفاهم الواعي.. العامل المجاهد هو أولى الناس بخطاب الله عزَّ وجل في الآية المذكورة، ومطالب بإنزالِ هذا الدستور على نفسه وعلى مَن حوله من أهله وأحبابه وإخوانه، ودوائر ارتباطه، ومحيط عمله ونشاطه؛ وذلك من مقتضى أن الخطاب القرآني إنما يتعامل مع العاملين في الدعوة باعتبارهم رموزًا، وقدوةً حسنةً لأهلهم وإخوانهم، وكل مَن حولهم، وهم بهذه الصفة عليهم أن يتجنبوا ما نهى الله ورسله؛ إذ أن سقطتهم والعياذ بالله يكون وزرها مضاعفًا وإثمها كبيرًا؛ لأنه مطالب أن يُطابق فعله قوله، وأن يفعل وفق ما يقول ويتكلم.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ (2)﴾ (الصف).

 

وأكثر من ذلك فإن صاحب الدعوة المتحرك بها، المجاهد في سبيلها، العامل لنصرتها، يصبح حاله في الناس وحركته بينهم وتأثيره فيهم أهم كثيرًا من الخطب والأقوال والأحاديث والمقالات، التي يتوجه بها إليهم؛ ذلك أن تأثير "الحال" أقوى من تأثير "المقال"، وهو ما عبَّر عنه أسلافنا الصالحون "حال رجل في ألف رجل خيرٌ من كلام ألف رجلٍ في رجل واحد".

 

ويهمنا في هذا المقام أن يلتزم المسلم بحسن الظن بأخيه، ولا يتجسس ولا يقع في غيبة المسلم.

 

وقد تكلمنا في مقالٍ سابقٍ عن لزوم حسن الظن بالآخر المسلم، ولا يضعه موضع الاتهام الباطل دون بينه أو يقين، ولا يأخذ أخاه بمجرد الشبهة أو الظن؛ فذلك يُقوِّض بناء المجتمع ويوقع البغضاء والشحناء بين الناس ويهدم الحب والمودة والألفة بينهم، ويجرح الثقة ويهز النفوس ويبذر بذور البغضاء، بعد أن أكرمنا الله بالألفة والحب، وبعد أن أصبح الجميع بنعمة الله إخوانًا متحابين متآلفين.. ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا..﴾ (آل عمران: 103).

 

وتنهانا آية سورة الحجرات عن التجسس فلا نكشف العورات ولا نطلع على السوءات؛ إذْ القرآن يقاوم هذا العمل الدنيء الشائن أخلاقيًّا؛ ذلك أن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم التي لا يجوز أن تنتهك في صورةٍ من الصور، ولا أن تمس بحالٍ من الأحوال، كما يذهب صاحب الظلال- رحمه الله- ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم يعيش الناس آمنين على أنفسهم آمنين على بيوتهم وأسرارهم وعوراتهم، ولا يكون مبررًا- مهما يكن- لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت والأسرار والعورات، ولا يقرُّ الإسلام ظاهرةً "زوار الفجر" وكشف عورات البيوت بل ومهاجمة الآمنين، وهم بعد في غرفِ نومهم، مع حلائلهم المصونات العفيفات.

 

وفي حديثٍ لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تُفسدهم".

 

ونحن في حالنا الآن نكاد نلمس صدق هذا الحديث، ونرى مدى الانحطاط الذي أصاب حياة الناس ونفوسهم من جرَّاء تجنيد جيش من العسس والمخبرين من كل صنف وشكل، ففسدت بذلك الحياة، وتسمم مناخ الحب بينهم، وطار الأمان وتحطمت جسور الثقة، وجاءت فترات في عهد الثورة المباركة منذ أيامٍ عبد الناصر وحتى أيامنا هذه يؤخذ الناس بالتقارير الأمنية والظنون المريبة، وصارت مقولة أن "الحيطان لها ودان" مقولة يصدقها الواقع الرديء طوال أيام هذه الثورة!.

 

ولا يغتب بعضكم بعضًا

ويعرض القرآن مشهدًا تتأذى منه أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية مشهد الأخ يأكل لحم أخيه ميتًا فتنفر منه وتبتعد عنه ﴿فَكَرِهْتُمُوه﴾.

 

وحرى بنا أن يصل الاشمئزاز من الغيبة إلى الدرجة التي نكتسب فيها حاسة مرفهة تجعلنا نفرق بين غيبة شخص ما في تناولنا لقضية معينة، وبين السرد العادي لموقف تُظهر مناقب هذا الشخص وصفاته الطيبة لتتخذها الأجيال نبراسًا على الطريق وقدوة صالحة يتأسى بها الغير؛ عونًا لهم على الخير ونور يضيء لهم جوانب الطرق الوعرة التي يسلكونها وصولاً لمرضاة الله عز وجل.

 

والشيطان قد يزين للكثير منَّا أمر الغيبة فيتكلم هذا عن أخيه في غيابه، وشيئًا فشيئًا ترى الجميع يسقط في مهاوي الحرام والتجمع على أكل لحم الميتة، ولا نشعر ببشاعةِ ما وقعنا فيه إلا أن يذكرنا أحد الحاضرين بخطورةِ ما شرعنا فيه وما انزلقنا إليه.

 

ومن هنا يصبح تبشيع الغيبة واجبًا على الجميع يذكر الآخرين عند النسيان ويوقظهم عند الغفلة، ويردهم حين الضلالة عن المنهج.

 

وينبني على ذلك أن واجب الأمة نحو المغتابين يقضي:

- بعدم السماع أو الاستحسان لما يصدر عن هؤلاء المغتابين.

- وزجر أولئك وتخويفهم من عقاب الله في الدنيا والآخرة.

- ومقاطعة مجالسهم والإعراض التام عنها، وإلا فالإنكار والبغض القلبي.

- ثم دعوتهم إلى أن يشتغلوا بعيوبهم عن عيوب الناس "طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس".

 

وبعد..

فإن مجالسنا يجب أن تكونَ للخير فقط، ونبتعد فيها عن اللغو وسقط القول، ونمسك ألستنا عن كلِّ ما يجر إلى الخطأ والخطر؛ إذ نحن مؤاخذون بما نتلكم به من صواب أو خطأ.. "وهل يكبُّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم".. "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك".

 

اللهم طهرْ قلوبنا من النفاق، وألسنتا من الكذب، وأعيننا من الخيانة.. آمين آمين.