- علماء الدين: تأجيل العمرة السبيل للمحافظة على الأرواح
- شركات السياحة: ألغينا الرحلات وخفَّضنا أسعار التذاكر
- خطوط الطيران: 10 ملايين جنيه خسائر التذاكر المهدَرَة
- خبراء الاقتصاد: انتعاش السوق المصري وخراب شركات السياحة
تحقيق- إسلام توفيق:
أثارت الفتاوى التي ظهرت مؤخرًا حول إلغاء موسمي الحج والعمرة، خاصةً بعد رصد إصابات بفيروس (H1N1) المسبِّب لمرض إنفلونزا الخنازير في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ العديدَ من التساؤلات حول مدى تأثير هذا القرار في حال اتخاذه، ومدى المخاطر التي يشكِّلها الفيروس على ملايين المعتمرين والحجَّاج الذين يُتوقَّع أن يزوروا المملكة بين أغسطس وديسمبر في حال عدم اتخاذه.
فعلى الرغم من الإجراءات الاحتياطية لوزارة الصحة السعودية بجمع كميات من دواء "التاميفلو" الذي يُستخدم لعلاج المرض؛ إلا أن السلطات السعودية تتوقع تعاظم مخاطر انتشار المرض بشكل كبير مع بدء موسم الذروة في العمرة في شعبان ورمضان، ويزداد خلال موسم الحج في نوفمبر.
ودفع ارتفاع معدلات انتشار الفيروس شركات الطيران إلى تخفيض أسعار التذاكر عن العام الماضي على رحلات الشركة المتجهة إلى جدة والمدينة المنورة؛ حيث تبدأ شرائح الدرجة السياحية والتي تمثل 6 شرائح من 1905 جنيهات و2115 جنيهًا و2435 جنيهًا و2680 جنيهًا و2950 جنيهًا و3245 جنيهًا بفارق أكثر من 340 جنيهًا عن العام الماضي.
وصول الفيروس إلى عدد من الدول العربية التي كانت منذ بدء انتشار الوباء في منأى عنه؛ يطرح تساؤلات حول مدى تأثير ارتفاع الإصابات بالفيروس المسبِّب لإنفلونزا الخنازير على عمرة رمضان وموسم الحج، خاصةً بعد الخوف من عرقلة جهود مكافحة إنفلونزا الخنازير، في حال استمرار الفيروس في الانتشار خلال موسم الحج في نوفمبر المقبل.
رجاء
تجارب معملية سعيًا لإنتاج علاج لمرض إنفلونزا الخنازير
الشارع المصري تباينت آراؤه حول الرغبة في السفر لأداء العمرة والحج، والخوف من إصابتهم بالفيروس؛ فتقول جهاد سعيد (موظفة بشركة كمبيوتر): إنها ستسافر إلى العمرة مهما حدث، وإنها قامت بالفعل بطلب الحصول على تأشيرة، وقامت بحجز تذاكر الطيران، مشيرةً إلي أن الفرصة لن تتكرر، وأن الله أعطاها هذه الزيارة بعد طول انتظار، ولا تستطيع رفضها.

الأمر نفسه أكده محمد صابر (مصحح لغوي) حين قال إن الفرصة لن تتكرر بسهولة، وإنه سيتبع الإجراءات الوقائية الصحية، ويقوم بما عليه، ويترك الباقي على الله عز وجل لحمايته.
واتفق معهما خالد سعيد (طالب بكلية العلوم)؛ حيث قال إنه تمنَّى العمرة منذ سنوات طويلة، ولم يصدق نفسه عندما حصل على التأشيرة، فكيف يترك هذه الفرصة تضيع من يده بسبب فيروس معدٍ؟!.
واكتفت سهير عبد الحميد (ربة منزل) بالقول: "أروح العمرة أنقِّي نفسى وأوزر النبي، وبعد كده أُصاب بالفيروس وأموت.. مش مهم".
قلق!!
اختلف معهم إسلام السعيد (محامٍ) الذي أكد أن درء المفاسد مقدَّم على جلب المنافع، وهو الأمر الذي يمنعه من السفر هذا العام، سواءٌ للحج او العمرة؛ خوفًا على صحته، خاصةً أن الفيروس وصل إلى مكة والمدينة.
وقالت عفاف سعيد (الطالبة بالمرحلة الثانوية): إنها طلبت من والدها أداء العمرة هدية نجاحها في شهر شعبان، ووالدها وافق على طلبها، إلا أنها تراجعت عنه، وقالت له: إنها لا تأمن على حياتها بعد انتشار الفيروس بهذه الصورة.
وهو ما أكدته فاطمة مصطفى (ربة منزل) حين قالت إنها لن تتمتَّع بالجو الروحاني للعمرة؛ ما دامت ستعيش وسط إجراءات طبية مشدَّدة!!.
(إخوان أون لاين) استطلع آراء الخبراء من علماء الدين والاقتصاد والسياحة، وكان التحقيق التالي:
حفظ النفس
د. مصطفى الشكعة
بدأ الدكتور مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية كلامه بالإشارة إلى قول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية 195)، وهو الأمر الذي جاء وسط آيات الحج، وقال إن رخص الإسلام في فروضه تسمح بإلغاء هذه الفريضة (الحج) في حال عدم الاستطاعة، وهو الأمر الموجود حاليًّا بالفعل من عدم استطاعة الحفاظ على النفس، وأن الوباء ينفي عنصر الاستطاعة.

ويضيف: إن مقاصد الشريعة خمسة؛ هي: الحفاظ على النفس، ثم الدين، ثم العقل، ثم الأولاد، ثم المال، وهو الأمر الذي يؤكد أن المقصد الأول بالمحافظة على النفس يسبق الحفاظ على الدين بأداء العمرة أو الحج.
ويقول: إنه ما دامت منظمة الصحة العالمية- وهي الجهة المخوَّل إليها الأمر- أعلنت الفيروس المسبب لمرض إنفلونزا الخنازير وباءً عالميًّا؛ فإنه وجب وتحتَّم تأجيل العمرة أو إلغاؤها لحين انقضاء المرض والفيروس.
وعن موسم الحج هذا العام يوضح د. الشكعة أن القرار بشأنه لا يتحدد إلا قبل الموسم بثلاثة أشهر، أي في شهر رمضان المبارك، فإذا تمَّ القضاء على الفيروس واحتواؤه وجبت إقامة مناسك الحج مثل كل عام، وإذا ما ظل الفيروس خطرًا على حياة البشر تحتَّم تأجيله وإلغاؤه هذه السنة؛ حتى يرفع الله الكرب.
ويعلل كلامه بأن فقهاء المغرب أفتَوا من قبل بحرمة الحج في ظروف معينة؛ مثل انعدام الأمن، وارتفاع درجة المخاطر، وكانوا يفتون بمنع الحج على الأندلسيين؛ لأن الجهاد والبقاء في بلادهم للدفاع عنها أولى، وأضاف: "العبرة بالقواعد والمبادئ والأدلة الشرعية التي تحكم هذا الأمر، وليس بالسوابق التاريخية التي تختلف كما تختلف التقديرات".
واختتم كلامه بالقاعدة الشرعية التي تقول "دفع الضرر أولى من جلب المنفعة"، وأنه على المسلمين ألا يخافوا من تأجيل العمرة؛ لأنها سنة، ويجب أن يكون خوفهم على حياتهم أكبر من خوفهم على فوات العمرة في هذه الظروف، مشيرًا إلى أنها قد تتأجل لتكون حجًا بدلاً منها.
لا ضرر
الزحام على أداء المناسك في ظل انتشار الوباء.. ضرورة أم تهلكة؟!
ويتفق معه الدكتور محمد رأفت عثمان العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية؛ حيث يقول: إن السفر إلى البلاد المنكوبة بإنفلونزا الخنازير محرمٌ شرعًا، معتبرًا الوباء مهما كان نوعه فإنه في نهاية الأمر يأخذ منزلة الطاعون الذي يُحرم على أهل القرية التي ينتشر بها الخروج منها، كما يحرم الدخول إليها، كما ورد في الحديث الشريف.

ويؤكِّد حرمة السفر إلى مثل هذه الأماكن، وأن المحافظة على النفس من التهلكة أولى من الفريضة نفسها؛ مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"، خاصة بعد ظهور ورصد إصابات بهذا الفيروس في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ويرجع الدكتور عثمان الأمر في النهاية إلى الأطباء الذي وصفهم بأنهم أصحاب القرار، قائلاً: "إن رأوا أن التجمعات تنشر المرض فلا مانع شرعًا من إلغاء أداء العمرة؛ حتى لو قام المعتمر بدفع المصروفات؛ لأنه في هذه الحالة ينال أجر وثواب أداء العمرة".
ويشير إلى واقعة في التاريخ الإسلامي قام فيها عمر بن الخطاب، وكان أميرًا للمؤمنين وقتها بإرجاع مجموعة من الحجاج قبل أن يصلوا إلى بلدة في طريقهم ينتشر فيها الطاعون، وحينما رأى أحد الصحابة أن هذا فرار من القدر، قال عمر: "نعم.. نفر من قدر الله إلى قدر الله".
خوف
وعن تأثر قرار الإلغاء أو التأجيل على شركات السياحة تقول عزة السيد مديرة بإحدى شركات الطيران: إن الخسائر ستكون كبيرة جدًّا على شركات السياحة في حالة إلغاء موسم الحج أو العمرة، مشيرةً إلى أن أول الخسائر هو تخفيض سعر تذاكر الطيران بنسبة وصلت إلى 15% في شهور العمرة رجب وشعبان ورمضان.
وتضيف: إن نظام توحيد أسعار التذاكر المتبع على مدار السنوات السابقة لم يتم هذا العام؛ نظرًا لخطورة المرض وانتشاره بصورة لا يمكن تحديدها، موضحةً أنهم قللوا عدد الرحلات بدرجة كبيرة، وتم إلغاء بعض الرحلات الأخرى، فضلاً عن إلغاء الرحلات الإضافية التي كانوا ينظمونها كل عام.
وترى أن الجدل الدائر حول إلغاء الموسمين أو عدم إلغائهما يضعهم في موقع الشك والريبة والقلق، فضلاً عن التوتر الناتج من المسافرين الذين لم يحددوا بعد موقفهم من السفر وغيرهم الذين قاموا بحجز رحلات، ثم قاموا بإلغائها؛ خوفًا من إصابتهم.
وتابعت: "تخفيض تذاكر الطيران بـ340 جنيهًا يجلب خسائر كبيرة لشركات السياحة"، مشيرة إلى أن الخسائر عليهم باتت مضاعفة بالأزمة، وأن التوقعات التي وضعتها الشركة حول تأثير الأزمة المالية العالمية وإنفلونزا الخنازير كانت صحيحةً.
ولكنها تراجعت وقالت إن المؤشرات حتى الآن محدودة، ولا تزيد عن 15%، مشيرةً إلى أن أغلبهم يلغي رحلة العمرة خوفًا من الفيروس.
تأثير مزدوج
![]() |
|
د. جهاد صبحي |
وقسم التأثير في السوق المصري إلى قسمين؛ الأول سيؤثر إيجابيًّا على السوق المصري، خاصةً أن الذين لم يسافروا إلى السعودية لأداء مناسك الحج والعمرة سيقومون بإنفاق جزء كبير من هذه الأموال في السوق الداخلي؛ مما يؤدي إلى تنشيط السوق وزيادة المبيعات، ومن ثَمَّ زيادة دخول بعض الأفراد والشركات والمؤسسات.
أما التأثير الثاني على الاقتصاد المصري فيكون سلبيًّا على شركات السياحة التي ستخسر جزءًا كبيرًا من دخلها السنوي، خاصةً أن هذه الأشهر هي الموسم الأكبر لهذه الرحلات، فضلاً عن الخسائر المضاعفة للشركات التي تعمل في رحلات الحج والعمرة فقط.
وتقول: إن شركات الطيران هي الأخرى ستتأثر بمثل هذه الفتاوى، بعد أن أصبحت تذاكر طيران نصف مليون معتمر وحاج خلال هذا الموسم في طي النسيان؛ خوفًا تارة وتنفيذًا للفتاوى تارة أخرى، وهو الأمر الذي يسبب خسائر تقدَّر بـ10 ملايين جنيه.
ويضيف: "أما التأثير على السوق السعودي فسيكون مضاعفًا؛ حيث يؤدي تأجيل وإلغاء موسم الحج والعمرة إلى تفويت الفرصة على السوق السعودي الذي يعتمد بجزء كبير على ما يقوم المعتمرون والحجاج بشرائه".
وعلَّل كلامه بأن كثيرًا من المعتمرين والحجاج يذهبون للتجارة بجانب أدائهم الفريضة أو الزيارة، خاصة في البضائع المستوردة من دول جنوب شرق آسيا لانخفاض أسعارها تبعًا لانخفاض معدلات الجمارك وانعدامها.
