- تسريب الكِمامات من المستشفيات العامة وبيعها في أسواق الخضار

- سكان العشوائيات: الإدارات الصحية تتعامل معنا كالحيوانات

- مسئولة بمعهد السكر: نستقبل 500 مريض يوميًّا ولا نقدم لهم نصائح

- أصحاب الصيدليات: تجارة الكِمامات ازدهرت في المناطق الراقية فقط

- وسائل الحماية بالمستشفيات الخاصة منضبطة وفي "الحكومية" مجرد قرارات

 

تحقيق- شيماء جلال وإيمان إسماعيل:

مع تصاعد وتيرة القلق من انتشار فيروس إنفلونزا الخنازير "H1N1"، وارتفاع حالات الإصابة المؤكدة إلى 29 حالةً حتى مساء اليوم الأربعاء 17/6/2009م، معظمها قادمة من الخارج- بما فيهم مصريون مقيمون بدول غربية، ومع تزايد المخاطر أعلنت وزارت الصحة والنقل والمواصلات والتنمية المحلية و"عدد" من المحافظات رفع درجة الاستعداد للحالة القصوى، وخاصةً بعد إعلان منظمة الصحة العالمية وبائية المرض عالميًّا.

 

ورغم تلك التنويهات المتكررة للأجهزة التنفيذية، وخاصةً في القطاع الصحي بأنهم يقومون بدور كبير في ضبط الوضع الصحي الذي يقترب من حافة الانهيار باعتراف وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي؛ إلا أن الوضع على الأرض مخالف لهذه التنويهات، ويؤكد أن هناك حالةً من الفوضى والعشوائية ما زالت هي العنوان الرئيسي لتحرك الحكومة في مواجهة هذا الخطر؛ ومما زاد الأمر تعقيدًا أننا أصبحنا على مرمى نيران الطاعون القادم من حدودنا الغربية، أي من الجماهيرية الليبية.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولة ميدانية في الشارع المصري والصيدليات والمستشفيات الخاصة والحكومية؛ للوقوف على مظاهر الخلل، وكيفية علاجه.. وإلى التفاصيل:

انطلقت مشاهدتنا الميدانية من منطقة باسوس العشوائية بمحافظة القليوبية؛ حيث كانت القمامة منتشرة في كل مكان، وكان هناك غيابٌ تامٌّ لأي شكل من أشكال التوعية بخطورة فيروس إنفلونزا الخنازير وطرق الوقاية منه، وعندما اقتربنا من الأهالي قالوا لنا: "خنازير إيه وبتاع إيه إحنا فينا اللي مكفينا، ده الفيروس اللي بتتكلموا عليه ده يخاف يجي عندنا، وبعدين هو إحنا ناقصين أمراض، مش كفاية لقمة العيش اللي بنكافح عشان نجيبها".

 

ومع توسيع دائرة المشاهدة الميدانية اكتشفنا أن حال "باسوس"؛ هو حال جميع المناطق العشوائية، ومعظم المدن والمراكز المترامية الأطراف "المنسية" في مصر، ففي مركز أوسيم التي تشترك مع مدينة أرض اللواء في العمل بتربية الخنازير شرق محافظة 6 أكتوبر؛ كان الحال السائد هو غيابٌ تامٌّ لتوعية المواطنين إلا قدر يسير من منشورات وملصقات، شارك بها المهندس محمود عامر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ونائب دائرة أوسيم.

 

ويقول عمر محمود مترجم من ساكني أوسيم: إن هناك حالةً من الفزع يعيشها أهالي المنطقة، بعد تزايد حالات الإصابة بالفيروس، وخاصة أن هناك عددًا من مربي الخنازير، قاموا بإخفائها خوفًا من إعدامها، بالإضافة إلى غياب أي شكل من أشكال التوعية.
ويضيف بلال القصاص قائلاً: إن الوحدة الصحية تتعامل مع كثير من الحالات المشتبه بها بشكلٍ غريب ومستفز؛ مما يؤدي إلى هروب عدد من المرضى، وبث حالة من الذعر بين أهالي المنطقة، وهو الأمر الذي يجعلنا في حالةٍ من القلق المستمر.

 

لقمة العيش

 الصورة غير متاحة

طوارئ بالمطارات المصرية للكشف عن مصابي إنفلونزا الخنازير

وفي مطعم إحدى البواخر الراسية على نيل القاهرة، قابلنا سيد محسن "عامل سرفيس" ومقيم بشبرا، موضحًا أنه اشترى الكِمامة بالفعل، وارتداها لعدة أيام متتالية، وقوبل بنظرات تعجب واندهاش من المحيطين به وفي المواصلات؛ أدَّى ذلك إلى شعوره بالحرج.

 

وبسؤاله عن مسائل الحماية التي اتخذتها إدارة المطعم الذي يعمل به، خاصةً أن معظم رواده من السياح القادمين من الخارج، قال: "أنا مش قلقان، والإدارة أيضًا لم تقم بعمل أية وسيلة حماية لنا؛ رغم أن عددًا كبيرًا من الأفواج السياحية الأوروبية والأمريكية ضيفٌ دائمٌ على موائد مطعمنا، وهو الأمر الذي يعرضنا للخطر "ولكن هانعمل إيه هذه طبيعة شغلنا".

 

وفي مترو الأنفاق الذي يتخوف البعض أن يكون مصدر تفشي الفيروس نظرًا للازدحام الشديد وقلة التهوية، وجدنا الركاب ما بين مرتديًا للأقنعة الواقي، وما بين وضعهم لغطاء أو منديل على وجوههم، وببساطة شديدة تحدث لنا عم أحمد عامل نظافة بالمترو من ساكني بولاق الدكرور، قائلاً: "يعني مخفناش من صواريخ "إسرائيل" في حرب 73 هانخاف من إنفلونزا الخنازير؟!"، ورغم أننا نقوم بلصق بوسترات وزارة الصحة، ونقوم برش العربات بالمطهرات؛ إلا أن هيئة المترو لم تفكر في الكشف علينا، والاطمئنان علينا، ولو وزعوا علينا كِمامات هنلبس مش هنقول لأه".

 

لا جديد

ويقول محمد مسئول برعاية الشباب بإحدى كليات جامعة عين شمس ومن ساكني عزبة النخل: "بقالنا سنين من ساعة انتشار إنفلونزا الطيور مفيش جديد والناس بتموت.. خليها على الله، محدش واخد منها حاجة"، ورغم أننا نقوم بتوعية الطلاب لم تقم إدارة الجامعة بعمل فحوصات طبية، مثل التي تقوم بها الجامعات الأجنبية الموجودة في مصر.

 

وكشفت مشاهداتنا الميدانية أن المناطق العشوائية والشعبية هي الأقل توعيةً؛ رغم أنها قد تكون الأكثر خطورةً من وجهة نظر الكثير على عكس المناطق والأحياء الراقية، ففي مصر الجديدة والمهندسين ومدينة نصر والشروق ودريم لاند وجاردن سيتي تنتشر "بوسترات الوزارة "حارب الإنفلونزا"، بالإضافة لانتشار الفرق الطبية والمتطوعين بها لإرشاد قاطني تلك المناطق الراقية عن الطرق الصحية؛ للتعامل مع الفيروس.

 

تجارة الكِمامات

 الصورة غير متاحة

طلاب الثانوية وأولياء أمورهم يرتدون الأقنعة للوقاية من إنفلونزا الخنازير

وعلى صعيد جولتنا الميدانية بالصيدليات، خاصةً بعد انتشار شائعات عن بيع عقار "التاميلفو" المستخدم في علاج مصابي فيروسي إنفلونزا الطيور والخنازير، بالإضافة لانتشار تجارة الكمامات، والتي وصلت لحد بيعها في إشارات المرور وأسواق الخضار.

 

يقول مدير إحدى الصيدليات بشارع خيرت بالسيدة زينب: "ممنوع على أي صيدلي بيع "التاميفلو" بالصيدليات، إلا أنه أكد ازدهار تجارة الكِمامات بشدة، بعد الإعلان عن وصول الفيروس لمصر؛ حيث كان يتم بيع من 2- 5 كمامات في اليوم، أما الآن؛ فوصلت نسبة الشراء إلى 20 كمامةً يوميًّا، وبسؤاله عن سبب عدم ارتدائه كمامة بالصيدلية أجاب: "المروحة شغالة باستمرار، وتقوم بإخراج الفيروسات، مضيفًا وهو يبتسم: "خليها على الله وربنا يستر".

 

ويقول مدير إحدى الصيدليات الكبرى بوسط القاهرة: إن معدل الإقبال على الكِمامات مرتفع جدًّا، مؤكدًا أنه يبيع من 100 إلى 150 كمامة في اليوم الواحد.

 

ويقول صاحب صيدلية أخرى في شارع نوبار إن الإقبال في تزايد، بعد اكتشاف أول حالةٍ في مصر، وبعد تزايد المعدلات، إلى أن وصلت إلى 29 حالةً في أيام قليلة.

 

لا للكمامة

أما في المناطق العشوائية، وخاصةً في مناطق بهتيم بشبرا الخيمة وبولاق الدكرور كان الوضع مختلفًا، فالكمامات كانت غائبة، وإن وُجدت فيكون ثمنها ثلاثة جنيهات ونصف، وتصل في بعض الأحيان إلى خمسة أو سبعة جنيهات، ولسان حال تلك المناطق "نأكَّل عيالنا ولا نلبس كمامات"، ويقول محمد راضي صيدلي بأرض اللواء: "أهالي المنطقة أكبر همهم هو لقمة العيش، ولن يضحوا بأموالهم من أجل كِمامات، حتى وإن كانت صحتهم هي المقابل".

 

وعلى الرغم من شُحِّ الكمامات بالصيدليات الموجودة بتلك المناطق، لفت نظرنا سيدة تبيع كمامات بأحد أسواق الخضار بإمبابة؛ حيث قالت لنا: "لقمة العيش تحب الخفية، إحنا بنجيب الكمامات دي من مخازن المستشفيات اللي جنبنا وبيطلع لنا فيها لقمة عيش كويسة".

 

صورة وردية

 الصورة غير متاحة

الخوف يسيطر على المصريين من إنفلونزا الخنازير

ومع ازدياد الصورة قتامة في ظلِّ تصاعد أعداد المصابين وحالات الاشتباه بالفيروس، اتجهنا لمستشفى حميات إمبابة؛ حيث أكَّد الدكتور عاطف صدقة مدير عام المستشفى أن جميع الأجهزة بالمستشفى مستعدة لاستقبال أي طارئ، والمستشفى لديه أطقم طبية مهيأة لذلك، ولديه 750 سريرًا لاستقبال أية حالات إصابة.

 

وأضاف أن المستشفى يتعامل مع أية حالة اشتباه بشكلٍ احترافي، ويتم أخذ مسحة من الحلق تظهر نتيجتها بعد 6 ساعات، وحينها يتم إعطاؤه عقار "التاميفلو"، وأغلب الحالات المشتبه فيها تتماثل للشفاء بعد يومين.

 

وأكَّد مدير المستشفى أنه منذ ظهور المرض تمَّ إعطاء كورسات ودورات تدريبية للأطباء للتعامل مع الأزمة ومواجهتها، وبالفعل أصبح الآن لديهم حصيلة معلوماتية في التعامل مع الأزمة.

 

كلام جرائد

وهو الأمر الذي نفته الطبيبة فريدة سالم بالمعهد القومي للسكر، مؤكدةً أن مرضى السكر أكثر عرضةً لالتقاط فيروس "AH1N1"، ورغم ذلك لم يتم توجيه أية عناية بهم على الإطلاق، مشيرةً إلى أن عدد المرضى يتجاوز الـ500 مريض يوميًّا في العيادات الخارجية بقسم الطوارئ.

 

وتضيف: إن إدارة المستشفى أصدرت قرارًا بارتداء جميع العاملين بالمستشفى كِمامات، ولكن هذا القرار لم يطبق على أرض الواقع، ولا توجد أية رقابة أو متابعة، مضيفةً أن جميع العاملين أخذوا محاضرةً واحدةً فقط، وليست دورات أو كورسات تدريبية، وكأنَّ القرارات والتحذيرات مجرد كلام نظري.

 

وأكَّدت مسئولة عن التمريض بمستشفى قصر العيني أنه لم يتم تدريبهم بشكلٍ كافٍ، فضلاً عن أنه لا تتوافر لهم سبل الاحتياط والوقاية الكافية بالمستشفى؛ حيث لا يرتدي أي فرد بالطوارئ أي أقنعةٍ أو كِمامات واقية.

 

خطط تقليدية

 الصورة غير متاحة

 عمليات تطهير للقطارات في مصر للوقاية من إنفلونزا الخنازير

وأكدت أن الخطة التي أعدها المستشفى في حال إعلان الانتشار الوبائي- لا قدر الله- تقليدية للغاية، وتقتصر على الإبلاغ، وسرعة نقل المرضى؛ سواء بالإسعاف الأرضي أو الجوي، مع استدعاء العاملين، وتوزيع المسئوليات في أقسام الاستقبال والطوارئ؛ لفحص الحالات، واحتجاز من يجب وضعهم تحت الملاحظة فقط.

 

وفي المقابل نجد مستشفيات رجال الأعمال وأصحاب الأموال توفِّر لهم سبل الرعاية والاهتمام؛ حيث أكدت لنا دكتورة عطيات سامي مساعدة مديرة التمريض بمستشفى كيلوباترا الخاصة بمصر الجديدة أن جميع العاملين بالمستشفى من أطباء وممرضين تمَّ تدريبهم بالمستشفى من خلال العديد من الكورسات والمحاضرات ليس هذا فحسب، بل تم توزيع كُتيبات مطبوعة من وزارة الصحة تشرح لهم الفيروس وسبل مواجهته وكيفية التعامل مع الحالات المصابة، فضلاً عن أنه تم توفير شاشات عرض تليفزيونية في العيادات الخارجية بقسم الطوارئ تشرح كيفية مواجهة المرض، وقد تم تجهيز غرفة للعزل يتم فيها احتجاز أية حالة يتم الاشتباه فيها.

 

مخاوف الشتاء

من جانبه أكد الدكتور موريس حنا أستاذ المناعة بمستشفى قصر العيني والرئيس الإقليمي لمنظمة الربو العالمية أن الفيروس ضعيف للغاية، ولا يمثل خطورة كبرى حتى الآن؛ حيث إنه يخمد في الصيف، ولكن المشكلة التي نخشى من الوقوع فيها هي أن يتحوَّر المرض وينشط في الشتاء القادم، وهنا لا بد من وضع خطةٍ متكاملةٍ لمكافحة ما قد يحدث من مشاكل كبرى؛ مما قد يُشكِّل أمرًا بالغ الخطورة، وإن لم يكن هناك استعداد من جانب الصحة ستكون هناك خسائر بشرية كبيرة.

 

وطالب موريس القائمين على وسائل المواصلات والمصالح الحكومية بضرورة تهوية كافة الأماكن التي يتردَّد عليها المواطنون، وعلى الدولة أن تقوم بتطهيرها بشكلٍ دائم ومستمر؛ لضمان عدم انتقال العدوى في حال خروج الفيروس من العائل، وأكد أن مناطق العشوائيات والمحافظات لا بد معها من توفير رعاية أكثر، وتوفير معلومات ونصائح طبية لهم؛ لأن وضع الريف والعشوائيات سيئ للغاية.