- الشيخ سيد عسكر: نداءات مغلوطة هدفها تفريغ الإسلام من حقيقته
- د. محمد رأفت: التهاون في حدود الله تقنين للقتل والفساد في الأرض
- د. محمود السقا: ضرب الثوابت هدف لنشر الكراهية وتمزيق نسيج الوطن
- د. حامد الهادي: فاعلية عقوبة الإعدام مرتبطة بالأجواء التي تحياها مصر
تحقيق- أسامة جابر:
أصوات عديدة ظهرت لسطح الأحداث بقوة تطالب بإلغاء عقوبة الإعدام في مصر أسوةً بالدول الغربية، ويدعم هذه الأصوات تحركات لجمعيات غربية مشبوهة تدفع في هذا الاتجاه، كما يصاحب هذا الطرح أيضًا تحركات من داخل النظام المصري الحاكم بعد زيادة أحكام الإعدام خلال الفترة الماضية، والتي طالت عددًا من رموز الحزب الوطني من بينهم النائب هشام طلعت مصطفى، وتوقعات بشخصيات أخرى إذا جُرت أقدامها لقضيةٍ من هذا القبيل.
أيًّا كانت الأسباب فإن السؤالَ الذي يطرح نفسه: لماذا هذه الدعوات؟ ولماذا الآن تحديدًا؟ وهل ما يحدث يصبُّ في مصلحة الوطن أم أنه تنفيذ لأجندة غربية هدفها الأساسي ضرب الثوابت الأساسية التي بدأت بالحرب على الحجاب والتعليم الأزهري، وها هي تمتد إلى أحد حدود الدين التي أقرها الشرع لحماية العباد والبلاد، هذا ما سنتناوله في هذا التحقيق:
في البداية يرفض الشيخ سيد عسكر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب والأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية الأسبق، الفلسفات التي بدأت عقب الحكم بالإعدام على هشام طلعت والسكري، والتي دعت للشفقة والرحمة للقاتل التي تحول دون تطبيق حكم الإعدام وإلغاء النص من القانون.
وقال: "هؤلاء يغالطون أنفسهم ويبتعدون عن التفكير العقلي السليم"، ووصفه بالنداء الصهيوأمريكي لتفريغ الإسلام من حقيقته وأصوله وتسييد الإجرام في الوطن الإسلامي وانتشاره بديلاً عن تحكيم شرع الله تعالى.
"كتالوج رباني"
الشيخ السيد عسكر
وقال عسكر: إن المستجيبين لمثل هذه النداءات يدخلون في زمرة منكري معلوماتٍ من الدين بالضرورة متسائلاً: "أين حق المقتول وأوليائه؟"، وأضاف أن الشريعة الإسلامية قانون الله في الأرض، والله تعالى أعلم بما يُصلح عباده ويضرهم، فحذرهم مما يُفسد دنياهم وأخراهم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾ (الملك)، واصفًا الشريعة بالكتالوج الرباني.

وشدد عسكر على أن حدودَ الله تعالى حيال جرائم الإنسان مثل القتل وغيره هي الوسيلة الفريدة لتأديب النفس وحفظها من شراهةِ الفساد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ (البقرة)، مضيفًا أن الحدود رهبة وإصلاح هدفها الحد من تفشي الجرائم في المجتمعات، مستشهدًا بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: "لو اجتمع أهل العراق على رجلٍ فقتلوه لقتلتهم به"، وإن قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: من الآية 178)، دليل تتجلى فيه العدالة وحفظ الحقوق.
وأكد أن كل الأديان تُنكر فعل القاتل وتصب عليه لعنات العذاب والبعد عن القصاص وعن شرائع الله في كونه يُفيد فئةً تتربص بالإسلام تسعى لصرف الناس عن قانون المولى عز وجل بحجج واهية وغريبة.
وتساءل: لِمَ لَمْ تأخذهم الشفقة بالمقتول؟ ومتى تحققت حيثيات الحد "شهادة الشهود والاعتراف" وجب تطبيقه على القاتل، ولو كثر عددهم إلا بعفو أولياء القتيل، خاصةً أن العرب في الجاهلية قالوا "القتل أنفى للقتل".
وطالب عسكر الجهات المعنية الالتزام بضوابط الشريعة الإسلامية وعدم المساس بها دون صفع الأمة الإسلامية وطعنها خلف ظهرها بانتهاكها لشريعة الله، موضحًا أن التعامي عن حدود الله لصالح سلطة أو جاهٍ منكر عظيم وإرضاء للمخلوق على حساب الخالق جل وعلا، داعيًا إلى عدم المواربة في ستائر سوداء لا تقنع أحدًا.
تطاول على الشريعة
د. محمد رأفت عثمان
ويرى الدكتور محمد رأفت عثمان العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية أن التهاون في حدود الله خسران مبين وتقنينٌ للقتل والفساد في الأرض بغير الحق، مشيرًا إلى أن الإسلامَ كرَّم الإنسان أعلى تكريم، ووضعه في أعلى المرتبات بين المخلوقات حسبما ورد في القرآن والسنة.

ووصف عثمان دعوات تهميش عقوبة الإعدام بالتطاول على الشريعة الإسلامية، مشددًا على أن الحملةَ تأتي في سياقِ الحرب على الإسلام والضرب في ثوابته.
وحذَّر من سخط الله تعالى بإسقاط عقوبة الإعدام عن مرتكبي القتل العمد وغيره قائلاً: "الدنيا وزينتها أغفلت فئةً ما عن المنهج الرباني لصالح أشخاصٍ تستأمن مصادمة الآيات القرآنية بأقوال مغلوطة في ثياب صهيونية نحو إنكار معلوم الدين، وفتنة المسلمين وتمزيق سياج الشريعة الإسلامية إلى أجزاء تحول دون جمعها يختار منها ما لا يعيق المصلحة الشخصية، ويغفل عمدًا عما يضرها"، ضاربًا المثل بأنه إذا وقع أحد عوائلهم مقتولاً قامت الدنيا ولن تقعد، "فأين حق الضعيف؟ ومتى نأخذ على أيدي الظالم بالقوة؟".
تهذيب المجتمع
ويستنكر الدكتور فريد عبد المعز أستاذ القانون بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر معارضة منظمة العفو الدولية لعقوبة الإعدام المطلقة في كل الحالات دون استثناء، مؤكدًا أن عقوبة الإعدام لا تمثل انتهاكًا بشيء من حقِّ الحياة.
وعن وصفهم للعقوبة بأنها أشد صنوف العقوبة اللاإنسانية المهينة قال: "الجريمة المنتهية يجب أن تنتهي عقوبتها بالردع الكامل، وتحقق الردع والتهذيب للمجتمع بأخذ كافةِ الضوابط الصحيحة إلى جانب خلوه أصلاً من أشكال الفقر والانحطاط التي عادةً ما تُجبر المواطن خاصةً الصالح على ارتكاب الجرائم دون وعي بسبب ما يرتكب في حقه من ظلم واضطهاد مادي ومعنوي".
وأضاف: "لا يقضي بالعقوبة إلا عدول وثقة غير مُسَيَّسي السلطة والمال، وهذا لا يترتب إلا على صلاح الهرم النظامي من رأسه إلى قاعدته، وتطهير المجتمع وتوعيته للسعي والحصول على حقه الحلال المصان من المولى جل وعلا دون جور وإفساد حتى يستجيب المجتمع للتأديب والتهذيب من الأصل".
وأشار إلى أن طبيعة عقوبةَ الإعدام، تُجسِّد عقوبة نهائية لا رجعةَ فيها يجب أن تتماشى المحاكمات في الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام بصورةٍ دقيقةٍ مع جميع المعايير العادلة.
جرائم الإعدام
محمود السقا
وعن الجرائم التي يجب في ارتكابها تطبيق عقوبة الإعدام أسرد الدكتور محمود السقا أستاذ الدساتير بجامعة القاهرة بعض الجرائم بموجب "قانون مكافحة الإرهاب"، وجرائم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والاختطاف والاغتصاب وبعض الجرائم المتعلقة بالمخدرات.

ويضيف أن القانون المصري يفرض عقوبة الإعدام على جرائم أخرى من بينها إحراق الممتلكات عمدًا، إذا ما تسبب ذلك في وقوع وفيات، وبعض الجرائم التي تمس أمن الدولة الخارجي، مثل التجسس في أوقات الحرب، كما يورد القانون العسكري عددًا من الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام إذا كان مرتكبها من أفراد القوات المسلحة الموجودين بالخدمة.
وأشار السقا إلى أن المحاكم الجنائية تحيل قراراتها وملفات القضايا إلى مفتي الجمهورية، وهو أعلى سلطة دينية في مصر، قبل النطق بحكم الإعدام، وإذا لم يقدم المفتي ردًّا في خلال 10 أيام، يجوز للمحكمة النطق بحكم الإعدام فضلاً عن أن رأي المفتي غير ملزم قانونًا.
وأضاف السقا أن استئناف أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم الجنائية لا تجوز إلا عن طريق طلب إعادة النظر أو الطعن فيها أمام محكمة النقض، مشيرًا إلى محدودية الأسباب التي يمكن أن يستند عليها الطعن وتقتصر على النقاط القانونية وليس على وقائع القضية في ثلاث: "إذا كان الحكم مبنيًّا على مخالفة للقانون أو على خطأ في تطبيقه أو تفسيره، وإذا كان الحكم معيبًا، وإذا كانت المخالفات الإجرائية قد أثَّرت على الحكم".
وذكر أن حالات طلب إعادة النظر في الأحكام الجنائية "بظروف استثنائية" تتمثل في: "إذا حُكم على المتهم في جريمةِ قتل ثم وُجد المدعى قتله حيًّا، وإذا صدر حكمٌ على شخصٍ من أجل وقعة ثم صدر حكم على شخصٍ آخر من أجل الوقعة نفسها، وكان بين الحكمين تناقض يستنتج منه براءة أحد المحكوم عليهما، وإذا حُكم على أحد الشهود بالعقوبة لشهادة الزور أو بتزوير ورقة قُدِّمت أثناء نظر الدعوى، وكان للشهادة أو تقرير الخبير أو للورقة تأثير في الحكم، وإذا كان الحكم مبنيًّا على حكم صادر من محكمة مدنية أو من إحدى محاكم الأحوال الشخصية وأُلغِيَ هذا الحكم، وإذا حدثت أو ظهرت بعد الحكم وقائع أو قدمت أوراق لم تكن معلومة وقت المحاكمة، ويشدد على أن محكمة النقض إذا قبلت دعوى إعادة النظر يجوز لها أن تأمر إما بإعادة المحاكمة أو ببطلان الحكم السابق بما ينطوي عليه ذلك من تبرئة المحكوم عليه".
ونفى تطبيق الأحكام النهائية سوى عقب تصديق رئيس الجمهورية أو مَن يفوضه ويجوز حسب القانون المصري مهما كانت جثامة الجرم الرأفة بالعفو عن المحكوم عليه أو تخفيف العقوبة، ويجوز تنفيذ حكم الإعدام بعد مضي 14 يومًا من التصديق النهائي، مدينًا الأبواق الصارخة إلى إسقاط عقوبة الإعدام، مؤكدًا أن الوطن مستهدف من الخارجين والطامعين بتقنين انتشار الشغب الواصل حد القتل العمد وغيره والكراهية والفرقة وتمزيق النسيج المصري إلى وحدات متنازعة ينتج عنها الإرهاب والعنف والتخريب للوطن والشعب حتى يستطيعوا غزوه وقهره والسيطرة على مكمن القوة العربية والإسلامية والسيطرة على منابع ثرواته مثل العراق وغيرها.
مناخ الجريمة
وعلى الصعيد الاجتماعي يؤكد الدكتور حامد الهادي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق أن عقوبة الإعدام بدت غير فاعلة في تحقيق الغاية بسبب أن المجرم حين يخطط لارتكاب جريمته فإنه يتوقع دومًا الإفلات من العقاب، وبالتالي لن تكون لعقوبة الإعدام الغاية المرجوة بردع المجرم عن ارتكاب الجريمة مستقبلاً، فضلاً عن فشل عقوبة الإعدام في تأديب المجتمع وتطهيره.
وقال: "يجب أن يتم تطبيق العقوبة وفقًا لضوابط وظروف مستقرة ونفوذ للعدل والأمان ورغد العيش إلى جانب إمساك الرءوس الكبيرة الضالعة في ارتكاب الجرائم والحض عليها والتدقيق والرقابة في سلوك عناصر الحكومة"، محذرًا من استمرار سياسة الدولة في تعقب ضحايا الإجرام وإخضاعهم للعقوبات وعدم المساس بالرءوس الإجرامية الكبرى مهما كانت الأسباب.