يقول الأستاذ البنا- رحمه الله- في رسالته نحو النور: "تحتاج الأمة الناهضة إلى الأمل الواسع الفسيح، وقد أمدَّ القرآن أممه بهذا الشعور بأسلوب يُخرج من الأمة الميتة أمةً، كلها حياة وهمة وأمل وعزْم، وحسبك أنه يجعل اليأس سبيلاً إلى الكفر، والقنوط من مظاهر الضلال، وإنَّ أضعف الأمم إذا سمعت قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)﴾ (الحشر)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ (9)﴾ (البقرة).
ويقول الإمام البنا: "إن أضعف الأمم إذا سمعت هذا التبشير كله، وقرأت ما إليه من قصص تطبيقية واقعية، لا بد أن تخرج بعد ذلك أقوى الأمم إيمانًا وأرواحًا، ولا بد أن ترى في هذا الأمل ما يدفعها إلى اقتحام المصاعب مهما اشتدت، ومقارعة الحوادث مهما عظمت؛ حتى تظفر بما تصبو إليه من كمال".
ولكن، أين أمم الإسلام من قول الأستاذ البنا الآن؟! وأين مناهجها في كافة المجالات التربوية والتشريعية، إلخ، من أسباب النهوض وعوامل الارتقاء؟!، وهل تراها قد سلكت السبيل الأرشد لتحقيق الأماني والآمال؟!، أم تراها قد تنكبت السبيل؟!، وانحرف بها أهل البغي والهوى عن الجادة، وعن الطريق القويم؟!.
وهل تراها قد خرجت من مرحلة المخاض بعد أعوام طويلة من القهر والاستبداد والاستعمار، وقد استردت عافيتها، واستعادت قوتها، ورجعت إلى ميراثها وتراثها ودينها الذي هو عصمة أمرها، وتحاكمت إلى شريعة ربها، التي تنتهي بها بإذن الله إلى السعادة والطمأنينة، والأمن والأمان، والسكينة والسلام فى الدنيا، وفي الآخرة، أم تراها بمجرد أن رحل الاستعمار العسكري عنها، وحمل عصاه ومضى، قد ترك وراءه سلسلة من القيود والعهود، والسياسات والمخططات والدراسات، ما من شأنه أن يحافظ على المكتسبات التي حققها المستعمر الغربي أثناء احتلاله واستعماره العسكري في ديار الإسلام.
وهذه الآثار نستطيع أن نحصرها في الآتي:
1- المباعدة بين الأمم الإسلامية وبين مصادر شريعتها الإسلامية التي فيها قوام شخصيتها؛ الوطنية والقومية، والتي تمثل مواريثها الحقة على مدى قرون سابقة، وجعل المرجعية في القانون الروماني الوثني.
2- جعل هناك نوعين من التعليم، ديني، ويكون في معاهد الأزهر والكتاتيب، ولا يؤهل ذلك إلى الوظائف العامة ولا المرموقة، ومدني مستمد من المناهج التعليمية الغربية الأوروبية، ويُنقل إلى أبناء الأمة النمط الغربي الأوروبي في الحياة، وفي العادات والتقاليد والقيم والأخلاق والآداب، بحيث يفتن الأبناء بالحياة الأوروبية بما تهيئه لهم من مكانة ووجاهة، وظهور في الحياة والوظائف العامة، وقد أفرز هذا النوع من التعليم مجموعة من "الصفوة"، أو "النخبة" التي آلت إليها مقاليد الأمور في كل مجالات وأنشطة الحياة العامة.
3- إثارة الفتن والقلاقل والطائفية للتفريق بين عناصر الأمة الواحدة (فَرِّق تَسُد) مع أن الإسلام قد تعامل مع هذه المشاكل بصورة كريمة هادئة منذ قرونه الأولى، حيث كان المجتمع المسلم تظله شريعة الإسلام، وينزل الجميع على أحكامه، وكان يسع كل مَن يعيش في كنفه من أقليات عرقية أو طائفية أو دينية، وكلهم يستظل بـ(لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، و﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).
وظلَّ المجتمع المسلم بعيدًا عن هذه المنغصات والاضطرابات، إلى أن أشعل فتيلها أهل الغرب وأمريكا، واصطنعوا هناك "اللجنة الدينية" المنبثقة عن "الكونجرس"؛ لتضع أنفها في أمور البلدان الإسلامية، وتفتعل قضايا مثل قضية "الأقباط" في مصر، وقضية "الموارنة" في لبنان، ويذهبون أكثر من ذلك؛ فيدَّعون أن هناك أقليات دينية في مصر؛ مثل "القرآنيين" و"البهائية"- بل هذا من الجهل- و"الشيعة" مع أن الشيعة من مذاهب الإسلام.
4- إحياء النعرات التاريخية القديمة، وإحياء التراث الذي ساد الأمم من قبل الإسلام بزمن بعيد فـ"الفرعونية" في مصر و"الفينيقية" في سوريا ولبنان، و"الآشورية" و"البابلية" في العراق وأرض الرافدين، و"السبئية" في اليمن و"الأمازيغية" في المغرب العربي، كل ذلك وما إليه، يرجع بالمسلمين إلى ما قبل الإسلام، بحيث تتحلل بلاد الإسلام من العقيدة التي وحدت الجميع، والشريعة التي أظلَّت الكل، والوحدة التي شملت كل أطراف الأمة من أقصاها إلى أقصاها.
بعد هذا العرض الطويل، نستطيع أن نقول: إن الأمة ما زالت بخير، وإن التدبير أو التآمر الذي كان قد خططه الأعداء والخصوم للإجهاز على الإسلام، وإنهاء صولته وجولته وسطوته على قلوب أبنائه، كل ذلك قد أدَّى بفضل الله عز وجل إلى عكس ما يرضون، ذلك أن الإسلام هو دين الله الذى ارتضاه لنا وحفظه.. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر)، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)﴾ (الصف).
بعض بشريات الفرج والأمل:
1) يقظة الأمة عند الشدائد والخطوب، وقد شاهدنا ذلك في حرب أفغانستان الأولى، عند طرد واندحار العدو الروسي الشيوعي، وما هو جارٍ فيها من حرب ضروس، أوقد نارها "بوش" منذ أكثر من ثمانية أعوام؛ حيث أعلن حربه على الإسلام باسم محاربته "الإرهاب"، واعتبر الإسلام هو الإرهاب، وجاء بعده "أوباما" ليغير المصطلح فقط، ولم يغير المضمون؛ فاستبدل بـ(الإرهاب، التطرف)، وما زالت جيوشه وتحالفه مع "الناتو" الأوروبي تستعمل الإبادة الشاملة في أفغانستان، وسرت جحافلها لتدك قطاعات كبيرة من باكستان بحجة قمع طالبان، ثم لا ننسى النار التي ما زالت مشتعلةً في العراق، وفي أرض فلسطين والصومال ودار فور.
2) الثبات والصمود الذي حققه "حزب الله" على جيش العدو الصهيوني عند محاولة احتلاله لبنان عام 2006م، وكان ذلك معلمًا من معالم الثبات، ومن مبشرات النصر.
3) دلالات الفشل الذريع الذي مُني به جيش العدو الصهيوني في ضربه الوحشي لغزة الصامدة الصابرة الثابتة؛ حيث استمرَّ قرابة الشهر، يدك بيوت الآمنين، ويقتل النساء والأطفال والشيوخ في محرقة لا تضاهيها محرقة "هولوكست" التي يزعمونها، بعد الحرب الثانية في ألمانيا، ومع ذلك عجزوا بقوتهم وعتادهم عن أن يخترقوا شوارع غزة، أو أن تبقى قواتهم فيها يومًا واحدًا، أو ساعة واحدة.
4) الأزمة المالية العالمية التي ضربت اقتصاد أمريكا وأوروبا، وكل البلاد التي تربط اقتصادها بهذه الدول، وقد أدَّى ذلك إلى أن ينتبه العلماء والحكماء إلى موطن الداء وأساس الخراب وهو "الربا"، فذهبوا إلى ضرورة دراسة الاقتصاد الإسلامي كبديل للمعاملات الربوية ، وأن تكون نسبة الفائدة هي الصفر، وهذه بداية طيبة تحتاج إلى همة المسلمين في استثمارها لمصلحة الإسلام.
5) الأزمة الجديدة، والرعب الشديد الذي ساد الدنيا كلها، بانتشار فيروس "إنفلونزا الخنازير" تعود بالدنيا كلها إلى مصداقية القرآن، وصدق آياته المحكمات، وخاصة ما يتعلق منها بتحريم أكل لحم الخنزير ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (الأنعام: من الآية 145).
ردود قصيرة على المداخلات:
- إلى أخي المسلم من كندا:
جماعتنا تُربِّي أبناءها على الإسلام الشامل، وتتوازن في أخذها، وتناولها لهذه المجالات فلا يطغى جانب على جانب، والعمل السياسي لا يلهينا عن غيره، بل نراه جزءًا لا ينفصل عن حركة الأخ في كافة مجالات حياته ودوائر اتصالاته، ومجالات أعماله الفكرية وعبادته وأخلاقه وعقيدته، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: من الآية 162).
- إلى أخي عبد الله، تحت عنوان واقع الجماعة:
ليس عندنا ما نخفيه أو نخجل منه، واقعنا والحمد لله مبشر بالخير، هناك اختلاف في الرؤى، وتعدد لوجهات النظر في الموضوع الواحد، وهذه ظاهرة صحية نفرح لها، وعندنا وسائل الشورى أو الديمقراطية التي ينزل الجميع فيها على الرأي الغالب أو الراجح، وذلك قمة في الحرية وتعدد الآراء، ونحن لسنا أفضل من جيل الصحابة، ولكن لو أنزلْتَ الحوادث منزلها الصحيح؛ لوجدت أن الصحابة لم يختلفوا إطلاقًا في فترة مكة أو في حضرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المدينة إلا ما ندر.
وأدع حكمك الآن، هل نحن الآن، دعوة أم دولة؟!
- إن أمثالي من جيلٍ، لا يتطلع إلى السلطة أو المكانة، ولا نحب ذلك، ولا نرجوه، وسوف ننزل طائعين راضين على أحكام ما يصدر من تعليمات ولوائح تنظم سير العمل وإدارته، وأرجو من شبابنا ألا ينشغلوا بالعمر أو السن، بقدر ما يهتمون بالأداء الجيد المخلص لدين الله، ونصرته والتمكين له في الأرض والنفوس.
- إلى أخي سالم: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾ (الإسراء: من الآية 84) المهم أن يبقى الفرد متمسكًا بدينه قائمًا على أمر الله، ما دام فيه قلب ينبض ونفس يتحرك، أما الأعمال والإداريات؛ فيفصل فيها ما تراه الجماعة من نظم ولوائح تسري على الجميع، الصغير والكبير، ولا يضير مع الصدق أي مكان أو مكانة، أو إنْ كان في السوقة أو القيادة، والله أعلم.