آلمتنا تلك الصورة المخزية التي رسمها محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، حين اغتال جنوده بعض الأشراف والأطهار من أبناء شعبه، وهما الشهيدان محمد السمان، ومحمد الياسين من قادة المقاومة الإسلامية في الضفة الغربية، بعد أن عجز الصهاينة عن قتلهم في حرب غزة الأخيرة، وذكرتنا صورتهم بتلك الصورة المتكررة لشهداء غزة، شهداء العزة والكرامة، تلك الصورة التي ينتظم فيها الشهداء صفوفًا على الأرض في دمائهم وأكفانهم ينتظرون الصلاة عليهم ومواراتهم في قبورهم.
ورغم ما تبثه هذه الصورة في نفس المسلم من اطمئنانٍ وسكينةٍ وراحةٍ وسعادةٍ لما ينتظرهم من جزاء عظيم ونعيم مقيم في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وكأنهم قد انتظموا صفوفًا أمام باب الجنة يستعدون لدخولها واحدًا بعد الآخر، تمامًا كما ننتظم نحن الأحياء أمام المكاتب والمحلات نلهث وراء دنيانا ومصالحنا، وشتان بين انتظامٍ وانتظام، وبين صف وآخر، وبين غايةٍ وأخرى، إننا في صفوفنا نلهث ونطلب الدنيا ممن لا يملكها؛ لكنهم في صفوفهم ينتظمون أمام مَن بذلت في سبيله أرواحهم، وينتظرون قبض ثمنها ممن اشتراها منهم ويملك أمر الدنيا والآخرة.
إنهم بانتظامهم هذا يثبتون صدق بيعتهم وصحة عقدهم مع الله عز وجل، ولسان حالهم يُرتل قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة)، لقد بلغوا مكانتهم بعدما أدوا الأمانة وبذلوا الأرواح؛، دفاعًا عن دينهم أو أعراضهم أو أرضهم ومقدساتهم ما ذكره الله عنهم، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)﴾ (آل عمران).
ولكن على الرغم من هذا كله فإن نفس المسلم أيضًا تمتلئ مرارة، وتصاب بحسرة شديدة عندما يعرف ما ينتظر أسرهم من العوز والفقر والحاجة واليتم والشدة؛ لدرجة أنهم لا يجدون أحيانًا ما يكفنون به شهداءهم، وغاب عن أذهاننا أن مكانة أسرة الشهيد من مكانة الشهيد ذاته، وكما رُفِع الشهيد عند ربه في آخرته ينبغي أن نعتز بأسرته، وأن نرفع من مكانتها في حياتنا، ولهذه المكانة الرفيعة التي يحظى بها الشهداء كان اهتمام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأسرهم وتقديره لهم، وبذل الوسع في قضاء حاجاتهم، وسد ثغراتهم، وحمل الأعباء عنهم، وتفجر كل معاني الإنسانية تجاههم؛ لأن الشهيد هو الذي يشق للأمة طريق الخلود، ويرسم لها سبيل المجد، ويقودها إلى مكان العزة والإباء، بل يكون لها بمثابة الروح للجسد، والماء للإنسان والنبات وسائر المخلوقات الحية، فدماؤه إذا سالت على الأرض أهدت للأحياء عليها حياةً جديدةً، وأثمرت من الطاقات والإمكانات ما يهز عروش الظالمين، ويهدد حياة الطغاة والمتجبرين.
لهذا تفجرت عظمة الإسلام في تعامله مع أسر الشهداء، وذلك من خلال سيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مع هذه الأسر، قبل الشهادة وأثناء الشهادة؛ والأهم بعدها، أما اهتمامه صلى الله عليه وسلم بأسر الشهداء قبل الشهادة، فلأنه كان يحرص على أن يؤمن ذراري المقاتلين وصبيانهم ونساءهم قبل الغزو وقبل السير للقتال؛ حيث مظنة الشهادة، فيوفر لهم المكان والمأوى الآمن الذي لا تطوله سهام الأعداء ولا رماحهم، وفي ذلك ما فيه من راحة الضمير، وهدوء البال، واستقرار النفس لدى المقاتلين، فيقبلون بعد ذلك على القتال ولا هم يؤرقهم ولا شيء يقلقهم؛ لأنهم يدركون أن مَن ورائهم قائدًا يقدر دورهم، ويهتم بما وراءهم أكثر من اهتمامهم بأنفسهم، وهذا ما حدث يوم الأحزاب، فقبل أن يخرج إلى الخندق إذا به- صلى الله عليه وسلم- يأمر بوضع ذراري المقاتلين ونسائهم في حصن بني حارثة؛ ليكونوا في مأمن من خطر الأعداء.
فإذا استشهد من هؤلاء المقاتلين أحدٌ تفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه؛ تقديرًا له ومواساةً لأسرته وأهله، وتطييبًا لخاطرهم، وقد حدث ذلك في مواطن كثيرة، منها ماحدث يوم أُحد؛ حيث تفقد رسول الله الشهداء على أرض المعركة، وكان فيهم: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وسعد بن الربيع، وحنظلة بن أبي عامر، وغيرهم، ولم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن أشرف بنفسه عليهم، وقام بدفنهم والدعاء لهم.
وأما بعد الشهادة فإن كل معاني الإنسانية لتتقاصر أمام ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُسَرِ الشهداء؛ حيث ضرب رسول الله المثل الأعلى في رعايتهم والاهتمام بهم؛ ليشعر أبناء الشهيد بأنهم ليسوا أيتامًا، وأن أباهم هو الذي منح العزة والكرامة للوطن والمواطنين، فيحاول أن يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجالات المجتمع آباء لأبناء الشهيد، ومن شباب المجتمع إخوانًا له وأخواتٍ، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه مع أسرة الشهيد عبيدة بن الحارث، الذي استُشْهِد في بدر، وكان أحد الثلاثة الذين اختارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لمبارزة المشركين حين قالوا له: يا محمد أَخرِج إلينا أكْفاءَنا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي، فيبارز عبيدة- وكان أسن القوم- عتبة بن ربيعة، ويبارز حمزة شيبة، ويبارز علي الوليد، فأما حمزة وعلي فلم يمهل كل منهما صاحبه، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كل منهما الآخر، فكَرَّ حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فقتلوه، وحملوا عبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فافترش له رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه، ثم قال: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله:
ونسلمه حتى نصرع دونه ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم أسلم الروح إلى بارئها؛ لكنه إن ذُهِل بالقتال عن حليلته وأبنائه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يذهل عنهم، وكان من أعظم الوفاء لهذا البطل أن يضم الرسول أسرته إلى البيت النبوي؛ ليتحمل رسول الله عنهم كل شيء، ويتكفل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل شيء، فيتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته بعد انقضاء عدتها، ويشرفها بلقب "أم المؤمنين"، وكانت من قبل تُسمى "أم المساكين" زينب بنت خزيمة، ويرعى رسول الله ولدها؛ لكنها لم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أشهرًا معدودة حتى ماتت؛ لكن مرورها ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإن كان سريعًا؛ إلا أنه كان دليلاً على سعة رحمته، وشمول شفقته، وعطفه على أسر الشهداء وذويهم وإنسانيته معهم.
والصف الإسلامي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يُقدِّم شهداءه النجباء، وأبطاله الأفذاذ، ممن حملوا اللواء، وساروا على الدرب؛ في غزةَ الأبية وغيرها من أراضي الجهاد والاستشهاد، نراهم يتقدمون موكبًا بعد موكب، وفريقًا بعد فريق؛ لكن مَن لهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ومَن لأسرهم، ومَن لأطفالهم وبناتهم وزوجاتهم، مَن يكفكف دمعهم ويمسح آلامهم ويضمد جراحاتهم، ويحمل الأعباء عنهم؟ مَن يُوفِّر الطعامَ والشرابَ والدواء لهم؟ ومَن يُقدِّم الأمن والأمان لذويهم؟.
لقد باتت صورتنا وصورة أنظمتنا مخزيةً إلى أبعد حدٍّ ممكن، وخاصةً مع أسر الشهداء وأهلهم وذويهم؛ لأننا بدلاً من أن نقاطع الأعداء بتنا نقاطعهم، وبدلاً من أن ندافع عنهم بتنا نعتدي عليهم، وبدلاً من أن نفتح لهم أبوابنا وبيوتنا وديارنا بتنا نغلق الأبواب في وجوههم، وبدلاً من نداوي جراحاتهم ونطبب أمراضهم بتنا نزيد في الجراح ونتشفى بالمرض، إننا كما نستحضر صورة الشهداء فيهم اليوم، يجب أن نستحضر صورتنا غدًا بين يدي الله عزَّ وجل يوم القيامة حينما ننتظم بين يديه صفًّا، ويطول بنا الوقوف ذلاًّ، ويقال لنا ﴿وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (24)﴾ (الصافات).
----------
* أستاذ السياسة الشرعية المشارك بجامعة البحرين